في العام 2012، تناقلت بعض وسائل الإعلام المحلي أخبار "مشروع إستيطاني" عملاق في بلدة الدامور "يهدد  هويّتها” ويعرضها “لتهجير جديد” على أيدي “مافيا عقارية” [1]. فقد أثار حينها مشروع المطّل السكني الكثير من التجذبات السياسية والتجريحات الشخصية حول عمليات بيع أراضي مسيحيي الدامور لمستثمرين غير لبنانيين وغير مسيحيين وتواطأ أصحاب القرار معهم لتغيير تصنيفاتها وزيادة عوامل إستثماراتها. وانتشرت على بعض مواقع التواصل الإجتماعي تعليقات غاضبة من قبل عدد من أبناء البلدة تدعو فاعليات المنطقة وشبابها إلى تحرك واسع لوقف العمل “بالمشروع المشبوه”. بالمقابل، إنتشرت تعليقات مضادة تندد بانغلاق الداموريين على أنفسهم وخوفهم من الآخر ورفضهم له لتظهرهم "بوجه طائفي بغيض”[2]. أنا لست بصدد الدخول في تفاصيل مشروع المطّل أو إتهام أحد [3]، فالشق الإجتماعي-الثقافي الأوسع من الموضوع المتعلق بهويّة الدامور وخطر فقدانها هو الذي يستوقفني.

بداية، لا بد من التذكير أن الدامور هي التجمع السكاني المسيحي الأكبر على الساحل اللبناني في جزئه الواقع جنوبي بيروت. إلا أنها تعرضت خلال الحرب اللبنانية، مثل الكثير من البلدات والقرى اللبنانية، لأحداث أليمة ومآسٍ إنسانية هجرتها ودمرتها وغيرتها. ورغم إنقضاء أربعين عاماً، ما زالت ذكرى مجزرة الدامور التي أودت بحياة الكثير من أبناء البلدة محفورة في ذاكرة كل داموري عايش فصول تلك المرحلة. ورغم إنتهاء الحرب وعودة الكثير من المهجّرين إلى مناطقهم، لم تعد الدامور كما كانت ولم تكن عودة أبنائها إليها الكاملة. حسب بعض التقديرات، لا يتعدى عدد العائدين إليها 15% من عدد ناخبيها وعائلاتهم [3]. الباقون، إن لم يكونوا قد هاجروا، فضلوا أو أُجبروا على البقاء في المناطق التي نزحوا اليها خلال الحرب؛ أما بسبب ذكرياتهم الأليمة وجراحهم التي لم تلتئم، أو لأسباب تتعلق بسياسات إعادة بناء ما دمرته الحرب وإدارة ملف المهجّرين، أو بسبب غياب التنمية الفعالة وفرص العمل والسكن المناسب في الدامور.

المباني الإسمنتية المتعددة، الطبقات غير المكتملة التي تنتشر على تلال الدامور تقف اليوم كدليل دامغ على عودة الداموريين المنقوصة إلى بلدتهم. فهناك عائلات لم تحصل حتى اليوم على الدفعة الثانية من التعويض المخصص لها من قبل صندوق المهجّرين الذي أُنشئ بعد الحرب. ومردّ ذلك هو أنها لم تتم الأعمال الإنشائية المنوطة بالدفعة الأولى والتي، حسب قول بعض سكان البلدة، لم تكن كافية بالأساس لإنجاز الأعمال المطلوبة. وهناك عائلات حصلت على الدفعة الأولى، لكنها لم تتمكن من الحصول على تراخيص بناء كون عقارتها صغيرة أو مصابة بالتخطيط (بموجب المخطط التوجيهي العمراني للبلدة الصادر في العام 1968)[4]. ورغم مطالبة فعاليات الدامور المبكرة برفع سقف التعويض والتسريع بوضع الدراسات التخطيطة الجديدة، جاء الإعمار بطريقة فوضوية شوهت الطابع العمراني التقليدي الذي عرفت به الدامور قبل الحرب. فنتيجة قانون العودة (قانون رقم 322تاريخ 24/3/1994) الذي أعفى السكان من تقديم طلب رخص البناء، تخطّت أكثر الأبنية الجديدة عوامل الإستثمار التي تسمح بها الأنظمة العمرانية القائمة، إضافة إلى بعض حالات التعدي على الأملاك العامة والعقارات المجاورة [5].
 
سياسات التنمية التي اتُّبعت بعد الحرب ليست أقل إثارة للجدل. فموقع الدامور الإستراتيجي على الساحل اللبناني جعلها وجهة للشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال الذين يرغبون بإقامة مشاريع سياحية إستثمارية على مقربة من بيروت [6]. إلا أن بعض الأطراف السياسية رأت خطورة في تحويل سهل الدامور من زراعي الى سياحي وزيادة عوامل إستثماره وبيعه، أو تأجيره، للشركات السياحية "ما دام الداموريون لم يعودوا الى الدامور"  [7]. فالمعلوم أن بعض العائلات الدامورية إضطرت خلال الحرب، مثل الكثير من العائلات اللبنانية، الى بيع أراضيها أو أجزاء منها، خاصة أراضيها الزراعية الواقعة في سهل البلدة، بأسعار بخيسة لتأمين سبل العيش الكريم لأفرادها. واستمرّت حركة بيع الأراضي بعد العودة، وبأسعار متهاودة، تحت الضغوطات الإجتماعية والإقتصادية لبعض العائلات. وبالتالي، جاء إعتراض الذين إعترضوا على تغيير تصنيف السهل، على خلفية أن التصنيف السياحي يؤدي الى زيادة أسعار العقارات وإلى إغرءآت مادية تحث المزيد من الداموريين على بيع أراضيهم والتخلي عن بلدتهم.

في نهاية الأمر، وازن التصميم التوجيهي والنظام التفصيلي العام لمنطقة الدامور العقارية (مرسوم رقم 1165لسنة 2008) بين التصنيف السياحي والزراعي لسهل الدامور. إلا أن الواقع يبقى أكثر تعقيداً. فقدنجحت المسابح والمنتجعات الخاصة التي أُنشئت في السنوات الأخيرة على أراضي دير الناعمة (أكبر مالك عقاري في سهل الدامور) وأراضي خاصة أخرى في السهل في جذب الحركة الإصطيافية والسياحية الى البلدة. لكنها فشلت بإنعاش الإقتصاد المحلي بالشكل الكافي وفي خلق فرص العمل المطلوبة لشباب البلدةوإقناع من هاجر منهم أو استقر خارج الدامور بالعودة الدائمة. على العكس، أدت فورة الأسعار العقارية التى شهدها لبنان في إثراتفاق الدوحة (أيار 2008) إلى مضاعفة أسعار عقارات الدامور المحاذية للبحر والأوتوستراد الساحلي. وقد حثّ هذا الأمر المزيد من مالكي الأراضي الزراعية، خاصة الفئات التي لا تملك القدرة الماليةوالورثة ذوي الحصص المتشابكة، على البيع [8]. صحيح أن الداموريين ما زالوا يملكون المساحة الأكبر من السهل [9]، وصحيح أن السهل لا زال رغم تغيراته المتتالية يحافظ بشكل كبير على طابعه الزراعي، إلا أن من شأن تردّي أوضاع المزارعين أن يغير هذه المعادلة في ظل غياب الإهتمام الكافي بالقطاع الزراعي وسوء إدارة المياه الشحيحة على الصعيد الوطني.

بإختصار، تغيّرت هويّة الدامورالمكانية بشكل جذري خلال الحرب وبعدها، ولا زالت تتغيّر. فقد فقدت البلدة الكثير من المعالم العمرانية والطبيعية والثروات الزراعية التي ميزتها قبل الحرب. كذلك تغيرت بنيتها السكانية والإجتماعية بشكل ملحوظ. ففئة الكبار في السن يشكلون النسبة الأكبر من قاطنيها الحاليين، أما شبابها فهم بأغلبهم من المهاجرين أو المقيمين في مناطق لبنانية أخرى. ومما لا شكّ فيه أن مشاريع مثل مشروع المطلّ تساهم بشكل كبير في تحولات الدامور المكانية-الاجتماعية والسكانية. فهي تستهدف طبقة إجتماعية ذات قوة شرائية عالية وتجذب، بحكم الشركات التي طورتها، مشترين لبنانيين وغير لبنانيين من خلفيات تختلف عن البيئة المحيطة بها. وبالتالي، فهي تستبعد من الحسبان شباب الدامور الراغب بالعودة والإقامة بالبلدة، إن كان بسبب الأسعار أو بسبب عدم تجانسهم وقدرتهم على التعايش مع السكان الجدد [10].
 
هذا النموذج من التطوير العقاري والتهجير الإستبعادي الناجم عنه ليس مقتصراً على الدامور ولا على المناطق المسيحية وحدها [11]. فقد أسهمت سياسات التحرر الاقتصادي للدولة اللبنانية والتسهيلات القانونية والتنظيمية والضرائبية التي لجأت اليها لجذب الإستثمارات الخارجية وتعزيز آليات السوق إلى تنشيط المضاربات العقارية وتسريع عمليات الإعمار والتجديد الحضري في مناطق لبنانية مختلفة [12]. وفي ظلّ تراجع دور الدولة في الرعاية الإجتماعية والصحيةوالخدمات العامة، أنتج هذا النهج التنموي تغيرات سكانية ملحوظة وإنقسامات مكانية وفوارق إجتماعية واضحة. فالتهجير الجديد الناجم عن الفورة العقارية الذي يهدد الدامور يهدد أيضاً الكثير من المناطق اللبنانية. هذا النوع من التهجير يختلف تماماً عن التهجير الذي سببته الحرب إذ انه لا يميز بين اللبنانيين حسب هويّتهم الدينية او إنتماءتهم الطائفية بل حسب دخلهم ونفوذهم وأوضاعهم. ولبنان ليس حالة خاصة هذا المجال أيضاً. فالتهجير الناجم عن إعادة الهيكلة المكانية وإرتفاع أسعار العقارات هو اليوم ظاهرة عالمية في ضوء هيمنة السياسات الإنمائية النيوليبرالية التي تضع الإعتبارات الإقتصادية والمصالح الخاصة فوق الإعتبارات الإجتماعية والإنسانية.
أما الملفت في الحالة اللبنانية فهو تسيس التغيرات المكانية-الإجتماعية التي تشهدها بعض المناطق وإضفاء صبغة دينيّة مذهبية عليها تختزل في الكثير من الأحيان مفهوم هويّة المكان بهويّته الدينيّة. وهذا أمر غير مستغرب في بلد ذي تركيبة طائفية عانى ولا يزال من الصراعات والإنقسامات الداخلية. فبنتيجة الإضطرابات السياسية والإجتماعية القائمة في لبنان والمنطقة، تجددت الولاءات الطائفية وعلت الهويّة الطائفية فوق الهويات الأخرى. فأصبحت من ناحية حجة لمطالبة الطائفة، أو الزعماء والأحزاب المعنيّة، بتأمين الحماية والإحتياجات والفوائد الحيوية لأبنائها. وباتت من ناحية أخرى "دُرعاً ضدّ تهديدات حقيقية أو متوهمة” [13]. وتُؤجج الصراعات والتحولات الإقليمية الحالية مخاوف الكثير من اللبنانيين على مختلف إنتماءتهم الدينية، بالأخص المخاوف الجماعية للمسيحيين من جراء تهجير الأقليات في بعض دول الجوار والحضور الدائم لفكرة توطين اللاجئين الفسطنيين في لبنان.

من هذا المنطلق تعول آمال كثير من مسيحيي لبنان على دور الكنيسة والإرشاد الرسولي في المحافظة على الهويّة المسيحية للأرض والتحذير من خطورة بيعها “للغريب” ودعم تعديلات القوانين العقارية بشكل يبقي ملكيتها بأيدي المسيحيين [14]. وفي حين يراها البعض معركة وجود، تساعد الخطابات السياسية ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي في الكثير من الأحيان على إثارة النعرات الطائفية ومشاعر الخوف من الآخر بتصويرها مشاريع مثل مشروع المطّل، على أنها مشاريع تستهدف المناطق المسيحية وتستبيح هويّتها الديمغرافية.
لكن الحقيقة اننا أمام تغييرات جغرافية وعمليات تهجير منوطة بالتحسين المكاني والتطوير العقاري على صعيد لبنان ككل. ومن هنا ضرورة إعادة النظر بكافة السياسات العقارية والضرائبية والاجتماعية للدولة اللبنانية، بشكل يراعي من الناحية الاولى مصالح اللبنانيين على كافة أطيافهم، بالأخص مصالح الفئات الهشة والأكثر عرضة للتهجير؛ ويدعم من الناحية الثانية سياسات الإنماء المناطقي المتوازن مع تحفيز أبناء وسكان منطقة ما على البقاء والاستثمار فيها، أو العودة اليها، والإفتخار بهويّاتها المختلفة. ومن غير ذلك، لا أحد يلوم المواطن إن باع ورحل، راضياً كان أم مُجبراً.

هذا المقال نشر في العدد 38 من مجلة المفكرة القانونية.

………………………..
[1]انظر مثلاً، فراس الشوفي. "سوليدير صغيرة"في الدامور: مافيا عقارية تضم سعوديين.جريدة الاخبار،24تشرين الثاني 2012؛ وموقع القوات اللبنانية، "مشروع إستيطاني"في الدامور يهدد هويتها ووجودها. 3تشرين الأول 2012.
[2]د. اميل مارون. الدامور في حلقة "بموضوعية"؟ 2كانون الاول 2012.
[3]يمكن للقراء المهتمين مشاهدة حلقة بموضوعية للإطلاع على عدة وجهات نظر حول الموضوع.
[3]حسب د. اميل مارون، لم يتجاوز عدد سكان الدامور ال8500نسمة قبل التهجير (سنة 1976). أمّا العدد الحالي للسكان فهو حوالى 1500نسمة؛ لا يتعدّى عدد العائدين منهم2250نسمةً على أبعد تقدير (سنة 2015).اميل مارون، 2015. العزلة الاجتماعية والوحدة النفسية عند مسني الدامور.
[4]ماهر عز الدين. إعادة إعمار الدامور مستمرة على رغم شح التمويل. جريدة الديار، 9شباط 1997، ص 10.
[5إيريك فرداي، غالب فاعور، سيباستيان فيلو، 2014. اطلس لبنان، الفصل السابع: سياسات التنظيم وإعادة الإعمار. PressesdeIfpo.
[6]مشروع المنطقة المعلوماتية الحرة ومشروع جزيرة الأرزة الصناعية المثيرين للجدل كانا أكبر المشاريع المقترحة في الدامور.
[7]جريدة الشرق الاوسط. جنبلاط يتضامن مع أهالي بلدة الدامور في معارضة بيع سهلها لمشروع سياحي. 8آذار 2001.
[8]جو متني. هل تغيير الطابع الزراعي لسهل الدامور سيُؤمّن فورة عقاريّة ؟ جريدة الديار، 21شباط .2015
[9]حسب التقديرات “يملك أبناء الدامور أكثر من 55%من السهل، بنسب متفاوتة. وتبلغ حصّة الأوقاف المسيحية (الرهبانية اللبنانية المارونية ومطرانية بيروت المارونية)20%تقريباً. وتتوزّع المساحات الأخرى على أفراد وعائلات [لبنانية] من خارج الدامور”. جو متني.جريدة الديار، 21شباط .2015
[10]إسمع مثلاً أنطوان عبود في حلقة بموضوعية (26تشرين ثاني 2012) حول بيع اراضي الدامور،MTV.
[11]منى خشن، الهشاشة والتهجير في بيروت. المفكرة القانونية-لبنان، العدد 34، كانون الأول2015
[12]بالأخص كان لقانون رقم 296/2001تاريخ 3/4/2001، الذي عدل بعض مواد المرسوم الرقم 11614تاريخ 4/1/1969المتعلق بإكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان، الدور في فتح باب الإستثمار العقاري في لبنان لغير اللبنانيين.
[13]Samir Khalaf, 2003. “On Roots and Routes: The Reassertion of Primordial Loyalties”. In T. Hanf and N. Salam (eds.) Lebanon in Limbo. Nomos Verlagsgesellschaft, Baden-Baden. pp. 107-114.
[14]مثل مشروع القانون الذي تقدم به وزير العمل بطرس حرب إلى رئاسة الحكومة حول منع بيع الأراضي بين الطوائف.