في 7-4-2016، أعلن النائب روبير غانم أن لجنة الإدارة والعدل توصلت إلى صيغة معدّلة لاقتراحه بخصوص تعديل آلية إجراء المناقلات القضائية (المادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي). وكان غانم برر اقتراحه المقدم في 14-8- 2015 بأنّ "استقلال السلطة القضائية يصطدم من الوجهة العملية بعوائق يعود بعضها إلى الآلية المتّبعة في إصدار التشكيلات القضائية". وللتذكير، كان المجلس النيابي أقرّ في 2001 ما ادّعي أنه "إصلاحات لتعزيز استقلال القضاء" أبرزها حصر صلاحية وضع مشروع أولي للتشكيلات القضائية بمجلس القضاء الأعلى بعدما كان يمكن له أو لوزير العدل وضعها. وفيما أبقى القانون وجوب توافق وزير العدل مع مجلس القضاء الأعلى على مشروع التشكيلات، فإنه أعطى هذا الأخير صلاحية حسم الخلاف بأكثرية سبعة من أعضائه العشرة. إلا أنه سرعان ما تبين أن هذا الإصلاح حبر على ورق طالما أن التشكيلات تفترض لنفاذها إصدار مرسوم بناء على اقتراح وزير العدل. فاشتراط وجود مرسوم يعني أنه يقتضي الحصول على تواقيع عدد من المسؤولين عليه ومنهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير المالية، ووزير الدفاع في حال تعيين قضاة في المحكمة العسكرية. وعليه، يكون لأي من هؤلاء إمكانية تعطيل صدور المشروع من خلال رفض توقيعه.

وعليه، رمى هذا الاقتراح إلى تقديم حلول لهذه المعضلة، التي غالباً ما أدّت إلى إحباط جهود مجلس القضاء الأعلى في إجراء تشكيلات قضائية. ومن أبرز هذه الحلول، الآتية:

-         الأول، تحديد مهلة (شهر) يتعين على وزير العدل خلالها إبداء ملاحظاته على مشروع المجلس ومناقشته بشأنها، تحت طائلة تمكين المجلس من بتّ المشروع نهائياً. وسابقاً، أدى غياب أي آلية مماثلة إلى نشوء ممارسة غير قانونية لوزراء عدل سابقين، قوامها حفظ مشاريع التشكيلات القضائية، من دون تبيان أسباب الاختلاف أو مناقشة مجلس القضاء الأعلى بشأنها. وتصدّياً لهذه الممارسة، نصّ الاقتراح على أنه يكون لمجلس القضاء الأعلى أن يضع تشكيلات نهائية بقرار ثلاثة أرباع أعضائه في حال انقضت مهلة شهر دون عقد جلسة مشتركة لبحث الاختلاف، وذلك خلال 15 يوماً من انقضاء المهلة. وفيما نص الاقتراح في صيغته الأصلية على أن المشروع يكون في هذه الحالة نافذاً من دون حاجة إلى مرسوم، نصت الصيغة المعدلة على أنه "إذا انقضت مهلة شهر على إيداع مشروع التشكيلات النهائي والملزم ديوان وزارة العدل دون إصداره بمرسوم، يعمل بهذه التشكيلات مع ما تنتجه من مفاعيل إلى حين صدور المرسوم...".

-         أما الأمر الثاني الذي سعى الاقتراح إلى معالجته، فهو تمكين المجلس من تجاوز مماطلة أيّ من أعضاء السلطة التنفيذية أو رفضه التوقيع على مشروع التشكيلات النهائي (رئيس الوزراء، رئيس الجمهورية، وزير الدفاع...). وفي هذه الحالة أيضاً، تم تعديل الصيغة الأساسية للاقتراح على نحو مشابه لما تقدم، بحيث تنتج التشكيلات مفاعيلها إلى حين صدور المرسوم.
وفيما بيّن المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته اعتراضاته على هذا الاقتراح في صيغته الأساسية محذرا من بعض أحكامه، سنحاول هنا تقييم الصيغة التي انتهت إليها مداولات لجنة الإدارة والعدل في 7-4-2016. وعلى عكس ما جاء في تصريح غانم لجهة أن الاقتراح يشكل خطوة أولية وأساسية في موضوع إصلاح القضاء واستقلاليته، نسارع إلى التأكيد بأنه يؤدي من منظورنا إلى إضعاف استقلالية القضاء بدل تقويتها، وخصوصاً لجهة تعزيز مجال المساومة على المناصب القضائية بدل إلغاء احتمالاتها بالكامل أو على الأقل التخفيف منها. وهذا ما يتحصل من اجتماع ثلاثة معطيات: الأول، تأكيد جديد على الواقع الحالي ومفاده إبقاء جميع المناصب القضائية خاضعةً للمساومة بمنأى عن المعايير الدولية التي تحظر نقل القاضي من دون رضاه؛ والثاني، توسيع إطار المساومة بين السلطات السياسية والسلطات القضائية تحت غطاء السعي إلى الحدّ من مخاطرها؛ والثالث، وقد يكون الأخطر، فتح الباب واسعاً لنقل المساومات السياسيّة إلى داخل مجلس القضاء الأعلى من خلال تغيير الأكثريات المطلوبة لحسم الخلاف حول مشروع التشكيلات القضائية.

التأكيد على أن كل شيء قابل للمساومة

من يُمعن في اقتراح القانون في صيغتيه الأصلية والنهائية، يتبين أن المشروع يدور حول تقسيم الصلاحيات بين مجلس القضاء الأعلى وأعضاء السلطة التنفيذية الذين يفترض أن يوقعوا على مرسوم المناقلات القضائية والذين لا يشكلون بالضرورة فريقاً واحداً. بالمقابل، يغيب بشكل تام عنه معيار أساسي لاستقلالية القضاء: مبدأ عدم نقل القاضي إلا برضاه. فإشكالية الإقتراح تبقى: ما هي الجهة الصالحة لنقل القضاة، وكيف؟ من دون أيّ تساؤل بشأن كيفيّة حماية القاضي إزاء مختلف أشكال التعسّف، سواء جاء من خارج القضاء أو من داخله. وما يعزّز ذلك ثلاثة أمور: (1) أن الاقتراح نص ضمن المعايير الموضوعية على ما أسماه مبدأ إلزامية النقل، أي أنه ذهب إلى تكريس مبدأ مناقض للمعيار الدولي المعتمد، (2) أنه خلا من أي تعديل لشروط تعيين أعضاء المجلس في اتجاه زيادة عدد المنتخبين من القضاة أنفسهم، و(3) أن اشتراط احترام معايير موضوعية للتشكيلات مع تفصيلها بفعل مداولات اللجنة (المناقبية والإنتاجية والعلم والأقدمية ومبدأ إلزامية النقل) جاء بمعزل عن أي آلية تضمن احترامها، مما يجعلها بمثابة قواعد أخلاقية محض. وهذا ما عبر عنه غانم من خلال إعرابه عن تمنيه بأن يأخذ مجلس القضاء بهذه المعايير.
ومن شأن ذلك طبعاً أن يبقي هامش المساومة والمجاملة واسعاً. وبذلك، لا نخطئ إذا قلنا أنّ الاقتراح يبقى ضمن سقف الخطاب الاصلاحيّ السّائد منذ اتفاق الطائف الذي غالبا ما يؤدّي إلى اختزال استقلال القضاء بتعزيز صلاحيات مجلس القضاء الأعلى من دون إيلاء أيّ اهتمام لاستقلالية القاضي بحد ذاته.

توسيع إطار المساومة بين السلطات السياسية والسلطات القضائية

مما تقدم، يظهر أن المعالجة التي اعتمدها أعضاء لجنة الإدارة والعدل تقوم على تمكين المجلس من فرض مشروعه حتى ولو تأخّر صدور المرسوم لسبب أو لآخر، مع التمسك بوجوب صدور مرسوم. وقد هدفت الصيغة النهائية حسب غانم إلى المحافظة على "التوازنات بين السلطة القضائية والسلطة السياسية"، و"على الهيكلية، وعلى دور كل من مجلس القضاء الأعلى وكل من الوزير ورئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية". وبمعزل عن مفاعيل هذه الموازنة، يجدر أن نسجّل بداية أمرين اثنين: أولا، أنها انتهت إلى التّعامل مع تعنّت السلطات السياسية بخصوص المناقلات على أنها عمل مشروع يدخل ضمن أدوارها الطبيعية، وإن سعت إلى التخفيف من حدّتها. وبذلك، ذهبت اللجنة إلى تكريس ممارسات السلطات السياسية في المساومة بشأن المناصب القضائية، بدل إدانتها وإنهاء احتمالات حصولها. وثانيا، أنها انتهت إلى نصّ هجين لا نجد له مثيلاً في القانون اللبنانيّ مما يعكس بحدّ ذاته حجم المساومة الحاصلة في هذا الشأن. وما يزيد الأمر قابليّة للإنتقاد هو الفائدة المرجوة من نص مماثل فضلا عن المعضلات القانونية التي قد تترتب على إعماله. فما الغاية من التمسك بصدور مرسوم طالما أنه يفترض أن يصدر موافقا لمشروع التّشكيلات المعتبر "نهائيا"؟ فهل يكفي لتبرير وضع نص هجين التذرع بوجوب المحافظة شكلياً (بروتوكوليا؟) على دور أعضاء السلطة التنفيذية أم أنّ لاستحقاق إصدار المرسوم مفاعيل مستترة من شأنها أن تضمن لهؤلاء دوراً مؤثراً وإن صعب تبينه بالعين المجردة؟ ومن الأسئلة التي لا بد من إعطاء إجابات واضحة عليها، الآتية:

كيف يتم توزيع الأعمال بين القضاة بعد سريان مفعول مشروع التشكيلات في حال غياب المرسوم، علما أن القانون الحالي يفرض أن يرتكز توزيع الأعمال على المرسوم وأن يصدر بقرار عن وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى؟ والمقصود بتوزيع الأعمال هو تحديد الوظائف القضائية التي سيتولاها القضاة في المحاكم التي نُقلوا إليها، وهو أمر ضروري كلما عين عدد من القضاة للعمل في المنصب نفسه في محكمة معينة. وهل يقتضي في هذه الحالة إضافة نصوص جديدة لتمكين المجلس من إعمال قرار توزيع الأعمال حتى في حال مماطلة وزير العدل أو رفضه التجاوب معه، وبمعزل عن وجود مرسوم أو عدمه؟ ثم، كيف يمارس القاضي حقه بالطعن على قرار نقله؟ هل يكون مشروع التشكيلات قابلا للطعن في حال أنتج مفاعيله أم أن على القاضي الراغب بالطعن أن ينتظر حتى صدور المرسوم أم أنّ له الطعن في المرحلتين مع ما يستتبع ذلك من بلبلة في أعمال المحاكم؟ وعليه، وعدا عن أن التمسك بصدور التشكيلات بمرسوم يبدو غير مبرّر من الناحية القانونية، فإن من شأنه على ضوء الأسئلة المشار إليها أعلاه أن يفتح بابا واسعا أمام الفوضى والبلبلة في أوساط القضاء. وبذلك، يصبح إصدار المشروع من دون موافقة السلطة التنفيذية أمراً تتجاوز أضراره المنافع التي قد تتأتى عنه، أقله حين تكون التشكيلات واسعة. ومن شأن هذا الواقع أن يقود مجلس القضاء الأعلى إلى إلتزام التحفظ وتغليب الحكمة أي العودة إلى منطق التسوية والمساومة على المناصب مع احترام إرادة هذا الطرف أو ذاك، فلا يمارس الصلاحية المعطاة له إلا في حالات قليلة ربما تنحصر في تعيين خريجي المعهد في القضاء من دون تأخير أو في ملء مناصب شاغرة لا تستدعي أي حساسية سياسية. ومن هذه الزاوية، يصبح مشروع التشكيلات "النهائي" الذي لا يصدر بمرسوم ضمن المهل المحددة، مؤقتاً بانتظار إنجاز التوافق السياسي حوله. ويكون بالإمكان تعديله إذ ذاك في أيِّ حين بموجب المرسوم المزمع صدوره، شريطة أن يقترن التعديل بموافقة أكثرية أعضاء مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل. وهذا الأمر يؤدي عمليّاً إلى إبقاء المساومة مستمرة.

فضلا عن ذلك، وعلى فرض تجاوزنا مجمل الاعتبارات المشار إليها أعلاه، فمن البيّن أن الصيغة المقترحة لا تقدم حلولا وافية لجبه مماطلة وزير العدل أو تعنته. فالآلية المقترحة تتصل بحالة واحدة وهي امتناع وزير العدل عن عقد جلسة مشتركة للتباحث بنقاط الاختلاف. ولكن لا يتصدى الاقتراح أبداً للحالات الأخرى كأن يدعو الوزير إلى عقد جلسات عدة من دون التوصل إلى حل الاختلاف، أو أيضاً أن يبقى الخلاف قائماً رغم عقد جلسة أو جلسات مشتركة. ففي هذه الحالة، يبدو مجلس القضاء الأعلى محكوماًبالتفاوض مع وزير العدل من دون أيّ سقف زمنيّ محدّد.

المساومة تتعزز من خلال رفع الأكثرية المطلوبة داخل المجلس لاتخاذ قرار نهائي

في تعليقنا السابق، انتقدنا ما أسميناه "تسوية استباقية"، مفادها اقتراح رفع الأكثريّة المطلوبة لحسم مشروع التشكيلات عند حصول اختلاف مع وزير العدل من سبعة إلى ثمانية أعضاء أي ما يعادل 80%. وهي أكثرية تعزز عمليّا قدرة الأطراف السياسيّة في التأثير على مقررات المجلس من خلال أعضائه. فيكفي إقناع ثلاثة منهم لتعطيل المشروع. ولإدراك إحتمال حصول ذلك، يكفي التذكير بمسألتين: الأولى أن 8 أعضاء من أصل 10 معينون من قبل السلطة التنفيذية، والثانية أن المجلس يتكوّن على أساس المعادلة الطائفية المعمول بها في المجالس التي يبلغ عدد أعضائها عشرة (سنيان وشيعيان ودرزي مقابل ثلاثة موارنة وأرثوذكسي وكاثوليكي) وأن الأطراف السياسيّة لا تخفي أحياناً إصرارها على التعامل مع تعيين أعضاء المجلس وفق منطق المحاصصة الطائفية، بمعنى أن يعين كل زعيم وازن الأعضاء من طائفته. وقد عبّرنا آنذاك عن خشيتنا من أن تتفاقم في حال الأخذ بهذه التسوية نزعة الأطراف السياسيّة في تعيين المقربين منها في المجلس، وذلك ضماناً للتأثير في قراراته. فيصبح اذ ذاك شبح تعطيل المجلس وسيلة محتملة لفرض قرارات معينة تماماً كما حصل مع المجلس الدستوري حين نجح ثلاثة أعضاء فيه (الربع المعطل) بتعطيله ومنعه من النظر في دستورية قانون تمديد ولاية النواب. بل ربما يكون هذا السيناريو هو التفسير المنطقيّ الوحيد لرفع الأكثرية المطلوبة لحسم التشكيلات. فكأنما واضع الاقتراح سعى إلى إقناع الأطراف السياسية بالتخلي عن صلاحياتها في وقف التشكيلات القضائية من خلال إعطائها ضمانات تحول دون فرض تشكيلات لا ترغب بها عليها. وبكلام آخر، يؤول الإقتراح في حال إقراره إلى نقل السياسة إلى داخل المجلس تحت غطاء تحرير المجلس من ثقل السياسة.

ورغم الإعراب عن هذه المخاوف، أبقى النواب على تعزيز النسبة المطلوبة لحسم مشروع التشكيلات في المجلس، رغم أنهم أبقوا للسلطة التنفيذية هامشا واسعا في التدخل مباشرة أيضا. وبذلك، بدوا وكأنهم اعتمدوا الجانب من التسوية الذي يؤدي إلى تعزيز هامش السياسيين داخل المجلس من دون حرمانهم من إمكانية التدخل المباشر. وبذلك، سجلت السلطات السياسية مكسباً إضافياً من شأنه تعزيز منطق المساومة في توزيع المناصب القضائية.

هذا المقال نشر في العدد 38 من مجلة المفكرة القانونية