بتاريخ 5/6/1971 عقدت حلقة الدراسات القضائية في قاعة محكمة التمييز حول موضوع "التشكيلات القضائية". اشترك في الندوة عدد كبير من القضاة، جاوز الثمانين وفي مقدمتهم الرئيس الأول لمحكمة التمييز رئيس مجلس القضاء الأعلى السيد أمين أبو خير. وألقى فيها القاضي نسيب طربيه محاضرته عن "التشكيلات القضائية" وكان فيها صريحاً غير مجامل، وهو يتحدث عن "بازار التشكيلات" وعن "المأساة التي طالما شهدنا فصولها المفجعة". من يقرأ هذهالكلمات يعلم أنها تؤشر بالدرجة الأولى إلى مخاطر المساومات بشأن توزيع المناصب القضائية. ننشر هنا بعض مقتطفات هذه المحاضرة (المحرر).

أليست التشكيلات آخر حلقة من سلسلة، تبدأ باختيار القاضي الصالح ثم بتدريبه وصقله وإذكاء الروح الرسولية فيه، ثم بتطوير وتحديث وسائل العمل التي بين يديه وتنتهي بالتشكيلات؟

الجواب:
أولا: في أن موسم التشكيلات أطل على ما يبدو. فالكل يتحدثون عن تشكيلات ستجري خلال هذا الصيف وغدا عندما يفتح رسميا بازار التشكيلات، يخيل إلينا أن المأساة التي طالما شهدنا فصولها المفجعة ستعود إلى المسرح. سيبدأ الأخذ والرد، والمشاريع التي تتسرب إلى الصحف وإلى الأسماع، فتثير حولها العاصفة، ويحتدم اصطراع المصالح والأهواء ويتفرق طلاب المغانم على أبواب الساسة والمقامات ومعاقل النفوذ.
ويعيش القضاء أشهراً على هاجس التشكيلات، ومن يضع مشاريعها، من يعد لها، من يوقفها، من يمشيها، أية مصالح تتجاذبها ولا يخرج مرسوم التشكيلات، وقد عبثت به ألف يد وتناهشه ألف ناب وأثيرت حوله ألف إشاعة، إلا ووجه القضاء قد بدا ملطخا.

ثانيا: في أن الوقت قد حان لنسمع صوتنا- نحن السذج، نحن البسطاء ذوى الأحلام الكبيرة- مطالبين بوضع حد لفوضى التشكيلات، لنفكر جدياً في إيجاد قواعد وضوابط يلتزم بها المسؤولون عن هذه التشكيلات أيا كانوا....
 
القواعد المتعلقة بالشكل:

أولى هذه القواعد: ضرورة حصر إجراء التشكيلات بمرجع واحد، التشكيلات في النظام الحالي تتولاها رسمياً أربعة مراجع: وزير العدل، رئيس مجلس الوزراء، رئيس الجمهورية ومجلس القضاء الأعلى.
البادرة- ولصاحبها تعود دائما حصة الاسد- لوزير العدل وهو غالبا رجل سياسة. الوزير لا يعرف القضاة أولا يعرف إلا القليل منهم. فالذين يضعون مشروع التشكيلات للوزير أصدقاؤه وقد يكونون قضاة أو محامين أو موظفين. ولكي "يمشي" مشروع التشكيلات لا بد من أن يعرضه الوزير على رئيس مجلس الوزراء الذي لا يقرأ منه غالباً إلا ما يتعلق بمن يعتبرهم أصدقاءه أو أصدقاء أصدقائه وبمن يعتبرهم أخصامه أو أصدقاء خصومه. ومرة ثانية يقف المشروع في رئاسة الجمهورية حيث تكون قد تجمعت الشكاوى والمطالب إثر ما تسرب من المشروع أو المشاريع المعدة. والتشكيلات بحاجة إلى موافقة مجلس القضاء. عادة تؤخذ موافقة الثلاثة الدائمين أو موافقة بعضهم سلفا. وعندما يعرض المشروع على المجلس، يتهيب مسه لئلا تختل الدوزنة الصعبة والمعقدة، فتتوقف التشكيلات. حتى اليوم لم يرفض مجلس القضاء على ما نعلم- اي مشروع تشكيلات عرض عليه، ولم يتمكن من تعديل أي مشروع إلا تعديلا ثانويا طفيفا.
بين الوزير واصدقاؤه ورئيس مجلس الوزراء والدائرين في فلكه ورئيس الجمهورية وملتمسيه والدائمين في مجلس القضاء، تتسع التشكيلات وتضيق ويفسح في المجال لكل تدخل وترجي واحتجاج ومطالبة
التشكيلات يجب ان يحصر اجراؤها بمرجع واحد- ولو الشيطان الرجيم- على الأقل تتجنب ثلاثا من أربع جولات للالتحاق وبذل ماء الوجه والارتهان والمهانة.

من يجب ان يتولى التشكيلات؟ أنا شخصيا أتمنى لو تولاها مجلس القضاء لأسباب لعل أهمها بقاء غسيلنا النظيف منه والقذر منشورا على سطحنا لا على سطوح السياسيين والنافذين وأصحاب المقامات وأصحاب المصالح.... ولأنه ليس لمجلس القضاء- إن اساء عذر الجهل، ولأن أعضاء مجلس القضاء قضاة يحكمون بالعدل بين الناس في توافه الأمور وجسيمها، ولا بد أنهم يشعرون وهم يولون الغير مناصب الحكم أن على ضميرهم هم صلاح هذا الغير او فساده... ولكني في الوقت نفسه اتمنى لو يكون مجلس القضاء الاعلى- من حيث تعيينه- أكثر استقلالا عن السلطة التنفيذية فيتمثل فيه من يختارهم القضاة أنفسهم وإلا يكون مجلس ملل يؤتى بأعضائه وفق توزيع طائفي محكم، كأنما يقال لهم أن أولى مهامهم بسط الحماية وتوزيع المنافع على أبناء طوائفهم، كما أتمنى ألا يكون في مجلس القضاء كبار وصغار دائمون وموقتون...

كل مرة يتغير رئيس أو تتبدل حكومة يبدأ الحديث عن تشكيلات في الادارة والقضاء، كأنما القضاء كالإدارة أداة تنفيذ يجب أن تنسجم مع سياسة كل رئيس وكل حكومة. أظن أنه حان الوقت لنظامنا الديموقراطي وقد جاوز سن الرشد، أن يدرس هذه الحقيقة البديهية اللازمة لطبيعته وهي أن القضاء سلطة لا إدارة. وهي سلطة تتميز عن السلطتين الدستوريتين التنفيذية والتشريعية في أنها لا تتبدل وتتغير ولا تتحزب أو تتسيس، بل تبقى في بناء الدولة الديموقراطية العنصر الأثبت والأكثر استقرارا كي تتمكن من البقاء سورا منيعا يحمي الحريات والحقوق الاساسية التي لا تتأثر في النظام الديموقراطي الصحيح بتقلبات السياسة وتصارع الأحزاب.
وعليه لا يجوز- ما لم نستبدل نظامنا السياسي باحد النظم الكلية- ان يأتي الحاكم الى الحكم بقضاته كما يأتي بوزرائه ومستشاريه او حتى بمدرائه وبمحافظيه. لا يجوز ضنا باستقلال القضاء والقضاة وبسمعة النظام الديموقراطي الذي تنتسب إليه ان تربط التشكيلات القضائية بتبدل الوجوه على مسرح السياسة.

والحقيقة الثانية التي آن لنا ان ندركها بالاختبار هي ان كل تشكيلات عامل تشل عمل المحاكم فالمناخ المشحون بالترقب والقلق.... ثم بالخيبة والتذمر الذي تخلقه التشكيلات العامة قبل اجرائها وبعده. ثم الاضطراب في الاجتهاد وتبدل أساليب العمل في المحكمة الواحدة، فضلا عن عاصفة "الغبار الملوث" التي تثيرها التشكيلات العامة حول القضاء ومؤسساته كل هذا يدعو إلى المطالبة بالحاح بالاقلال من اللجوء الى مثل هذه التشكيلات العامة.

التشكيلات العامة يجب أن تعمل مرة واحدة على أسس سليمة وكل ما تفرضه الحاجة فيما بعد أو يفرضه إصلاح خلل ما يتم في حينه وضمن حدود الحاجة الطارئة.

هذا المقال نشر في العدد 38 من مجلة المفكرة القانونية