أعلن، مؤخراً رئيس المجلس الدستوري، عصام سليمان عن اقتراحاته بإجراء تعديلات دستورية وقانونية عدة بهدف توسيع نطاق مهام المجلس وكيفية تعيين أعضائه واتخاذ قراراته وبشكل عام بهدف تخفيف القيود التي تعترض عمله[1]. ويعود مردّ هذه المبادرة، بحسب الأسباب الموجبة الواردة في مطلع المشروع، الى الثغرات العديدة الواردة في النصوص التي تحكم عمل المجلس، وقد تبدّى العديد منها من خلال ممارسة المجلس لمهامه طيلة أكثر من عشرين سنة. ولا بدّ من التذكير بالدور المحوري الذي ينبغي أن يؤديه المجلس الدستوري في انتظام الحياة العامة وحماية الحريّات والحقوق الأساسية. فإنشاء هذه الهيئة الدستورية المستقلة تماماً عن باقي السلطات، أدخلت بُعْداً جديداً على مفهوم الديمقراطية في لبنان، لجهة ضبط العمل التشريعي وضمان مبدأ فصل السلطات[2]. كما يعتبر المجلس حامياً للإرادة الشعبية عبر مراقبته للانتخابات النيابية والرئاسية. الا أنّه لا يخفى على أحد أن هذا المجلس الحديث العهد نسبياً، واجه تحدّيات شتّى منذ بدء عمله عام 1994. فمن ناحية أولى، خضع المجلس الى ضغوطات وتضييقات من قبل جهات سياسية ممّا حدّ من استقلاليته وعرقل عمله في عديد من المرّات[3]. كما أنّ طرق مراجعة المجلس، المنوطة بجهات سياسية محددة وبرؤساء الطوائف في بعض المجالات[4]، أدى إلى تهميش عمله. فلا يسع هذا الأخير ابطال قانون باتت أحكامه مخالفةً للدستور الا اذا طعن به من قبل إحدى هذه الجهات المحددة. كما أنّ رقابة المجلس لا تمتدّ الى القوانين التي سبقت تاريخ انشائه، مما يجعل عدداً من القوانين غير الدستورية "محصّنة"، بمعنى أنها تبقى نافذة وسارية المفعول في المنظومة القانونية اللبنانية من دون أن يكون للمجلس الدستوري أي رقابة عليها. فضلاً عن أنّ المجلس الدستوري يبقى مكتوف الأيدي عندما يظهر خلاف لناحية تفسير المواد الدستورية.

وسوف نعرض في ما بعد المحاور الثلاثة التي تناولها مشروع التعديل. وهذه المحاور هي تباعاً منح المجلس صلاحية تفسير الدستور وتوسيع دائرة تحريك المقاضاة أمام المجلس الدستوري وتعديلات أخرى تطال طرق تعيين أعضاء المجلس وكيفية اتخاذ القرارات وسير العمل فيه.

إستعادة الصلاحية المنتزعة: تفسير الدستور

ما هي الجهة المؤهلّة لتفسير الدستور، هل تعود هذه الصلاحية إلى مجلس النواب أم إلى المجلس الدستوري؟
وقد تعارضت الآراء عموماً بشأن منح المجالس الدستورية صلاحية تفسير الدستور، إذ أن عملية التفسير تؤدي عملياً إلى تعديل في فهم وتطبيق المواد الدستورية موضوع التفسير، لربما تمتد الى تفسير مواد دستورية أخرى ذات صلة. ولا بدّ لنا في هذا الاطار من العودة الى وثيقة الوفاق الوطني لعام 1989 المعروفة أيضاً باتفاق الطائف، والتي قضت بإنشاء المجلس الدستوري. وقد تضمّنت هذه الوثيقة نصاً صريحاً يمنح المجلس الدستوري صلاحية تفسير أحكام الدستور، إلى جانب المهمتين الأساسيتين اللتين يتولاهما حالياً: الرقابة على دستورية القوانين والبت في النزاعات الانتخابية النيابية والرئاسية[5].الا أنّ الهيئة العامة لمجلس النواب قرّرت في 1990، لدى إقرارها التعديلات الدستورية الناشئة عن ميثاق الطائف، نزع هذه الصلاحية عن المجلس الدستوري استناداً إلى اعتراض عدد من النواب الذين اعتبروا أنّ أمر تفسير الدستور يعود حصراً للمجلس  النيابي. إلا أن غياب آلية واضحة في الدستور لتفسير أحكامه أدّت في الواقع بعد 1990 إلى اجتهادات عديدة ومتباينة في تفسير المواد الدستورية. وقد أدى هذا الأمر عملياً إلى إغراق الحياة السياسية في جدالات عبثية حول المواد الدستورية، علماً أن هذه التفسيرات انطلقت في الغالب من مواقف سياسية فئوية  لطرف أو آخر، بدون الإرتكاز الى أسباب قانونية صرفة. وهذا ما حصل مؤخراً مثلا عندما طرحت في مجلس النواب مسألة تفسير المادة 24 من الدستور من قبل كتلة التيار الوطني الحرّ حول المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في انتخاب أعضاء مجلس النواب[6].

وجاء مشروع التعديل ليقترح إعادة صلاحية تفسير الدستور الى المجلس الدستوري، حسبما تمّ الاتفاق عليه في الطائف. وقد جاء في الأسباب الموجبة للمشروع بأن هذا الأخير يمارس رقابته على دستورية القوانين التي تقرّها الهيئة التشريعية انطلاقاً من فهمه للدستور، وأنه من الطبيعي أن تعود اليه هذه الصلاحية، "كفيصل حكم عندما تشتبك الآراء والاتجاهات الفقهية والسياسية في الندوة النيابية، وتحول دون التوصل إلى تفسير موحّد لنص دستوري".

توسيع دائرة تحريك المقاضاة أمام المجلس

يقترح المشروع توسيع نطاق تحريك المقاضاة أمام المجلس الدستوري من خلال تعديلين: الأول يهدف الى منح المتقاضين إمكانية الدفع بعدم دستورية القوانين أمام المحاكم، والثاني ينطوي على إعطاء المجلس حق التحرك عفوياً من تلقاء ذاته للنظر في عدم دستورية بعض القوانين الأساسية.

الدفع المسبق بعدم دستورية القوانين

يطرح المشروع وضع حق الطعن بعدم دستورية القوانين في أيدي المتقاضين أمام المحاكم العدلية والادارية، من خلال دفع مسبق يقدّم إلى هذه المحاكم بشأن قانون "يحكم الفصل في الدعوى". وهنا يقتضي التوضيح بأن مفهوم "المتقاضي" أوسع من مفهوم "المواطن"، اذ قد يشمل الأجانب الذين يتمتعون بحق المقاضاة امام القضاء اللبناني. وهذا التعديل يفتح الباب واسعاً للمجلس الدستوري لإعادة النظر في قوانين مخالفة لأحكام الدستور، وللإعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية المعطوف عليها صراحة في مقدمة الدستور، بما لها من قيمة دستورية. فتمتد بذلك رقابة المجلس الدستوري إلى القوانين السابقة لتاريخ إنشائه، والتي أضحت "محصّنة" ضد أية رقابة عليها. كما ستشمل القوانين اللاحقة لانشائه، والتي لم يتمّ الطعن بها من قبل المراجع المحددة دستوراً. ومن شأن توسيع المقاضاة أمام المجلس الدستوري أن تؤدي إلى "تطهير" المنظومة القانونية اللبنانية من قوانين غير دستورية تطال حقوق المواطنين الأساسية والحريات العامة المكرّسة دستورياً. ووفق المشروع، لن يقدّم هذا الدفع مباشرة أمام المجلس الدستوري، بل سيخضع لرقابة مسبقة من قبل القاضي الناظر في القضية. فاذا وجدت المحكمة العدلية الدفع جدياً، تحيله الى محكمة التمييز التي تيحله بدورها إلى المجلس في حال الموافقة على إحالته. وكذلك الأمر بالنسبة إلى القضاء الإداري، حيث يقوم مجلس شورى الدولة بإحالة الدفع مباشرة إلى المجلس الدستوري في حال ارتآه جديّاً. وهنا يؤخذ على مشروع التعديل تجاهله للقانون رقم 227/2000 الذي لحظ إنشاء محاكم إدارية من الدرجة الأولى في المناطق، مما كان يفرض أخذ وجودها أو احتمال وجودها مستقبلا بعين الإعتبار والتعامل معها على غرار تعامل المشروع مع المحاكم الإبتدائية العدلية.

وتجدر هنا الإشارة إلى التحفظ تجاه الرقابة اللاحقة التي يمارسها المجلس الدستوري من خلال الدفع المسبق، لجهة تأثيرها على الاستقرار التشريعي. ويناقض هذا التحفظ اعتبارات لا تقل أهمية، مفادها أنّ من شأن منح المتقاضين حق الطعن في دستورية القوانين أن يوسع إطار الولوج إلى العدالةaccessibilité à la justice، وأن يعزز مشاعر الثقة والطمأنينة العامتين. فضلا عن ذلك، يكفل توسيع رقعة الرقابة الدستورية على كافة القوانين مبدأ تسلسل القواعد وعلوية الدستور على القوانين العادية، عملاً بما نصت عليه المادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية. وقد حصرت مهمة الرقابة على دستورية القوانين بالمجلس وحده عملاً بأحكام المادة 18 من قانون انشاء المجلس الدستوري رقم 250/1993، من دون أن يترافق ذلك مع تمكين المجلس من القيام بهذه المهمة خارج الحالات الضيقة المتاحة له.[7]

إلا أن ثمة تحديات وعقبات قد تعترض فتح باب مقاضاة المجلس الدستوري للمتقاضين. فمن الناحية العملية، يخشى أن يؤدي إقرار الدفع المسبق بعدم دستورية القوانين الى زيادة الاختناق القضائي لدى محكمة التمييز ومجلس شورى الدولة،  اللذين يرزحان حالياً تحت ثقل ملفاتهما. كما يخشى أن يؤدي إثارة هذا الدفع إلى مزيد من المماطلة في ظل نظام ينتقص إلى جزاءات متناسبة للتعسف في استعمال طرق المراجعة. كما أن حصر الدفع بالمحاكم العدلية والادارية يؤدي الى استبعاد المحاكم الاستثنائية غير التابعة الى هذين القضائين، كالمحكمة العسكرية والمحاكم الروحية والشرعية مثلاً. اضافةً الى ذلك، هناك تساؤل يطرحه القانونيون حول مصير بعض قوانين الأحوال الشخصية المناقضة لمبدأ المساواة او الحرية المكرسة دستوراً، اذا ما تمّ الطعن بعدم دستوريتها أمام المجلس الدستوري عن طريق الدفع المسبق.

النظر التلقائي في القوانين الأساسية

يقترح المشروع أيضاً منح المجلس صلاحية الرقابة العفوية على دستورية بعض القوانين الأساسية والتي يمارسها من تلقاء نفسه. ويحدد المشروع القوانين القابلة للرقابة العفوية، بتلك التي تنشئه وتنظم عمله الداخلي، والنظام الداخلي لكل من مجلس النواب ومجلس الوزراء، وقانون الانتخابات النيابية (كونه متعلق باعادة تكوين السلطات الدستورية) وقوانين تنظيم القضاء، وقانون الموازنة العامة وقانون الجنسية وقانون اللامركزية الادارية. وقد تم تبرير إخضاع قوانين الموازنة العامة للرقابة التلقائية بأنه يُصار إلى تضمينها قواعد قانونية مختلفة لا علاقة لها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتنفيذ الموازنات. أما مردّ إخضاع قوانين الجنسية لهذه الرقابة، فهو يتصل "مباشرة بتكوين الشعب اللبناني الذي تنبغي المحافطة على توازنه الوطني الدقيق، وبخلاف ذلك يتخلخل هذا التوازن، وقد يؤدي إلى انفراط عقده، فيصبح الخطر ماثلاً بقوّة بشأن مصير الوطن".

وهنا، يفهم من صياغة هذا التعديل أنه يعود للمجلس الدستوري الطعن بشكل استنسابي بدستورية القوانين الأساسية التي تمّ تعدادها. إلا أنّ الرئيس سليمان أوضح في مقابلة خاصة أنّ القصد من هذا التعديل هو أن تخضع القوانين إلزامياً لرقابة المجلس الدستوري، كما هي الحال في فرنسا مثلاً بالنسبة الى القوانين العضوية، مما يستوجب إعادة صياغة هذا التعديل ليتماشى مع هذا القصد.
 
التعديلات الأخرى المتعلقة بتشكيل المجلس وتعيين أعضائه وتنظيمه

يتناول المشروع، إضافة إلى التعديلات الأساسية الهادفة إلى توسيع نطاق عمل المجلس التي تمّ عرضها آنفاً، تعديلات تطال طريقة تعيين أعضائه، وكيفية اتخاذ القرارات لديه، وتنظيمه الاداري الداخلي.

طريقة تعيين واستبدال الأعضاء

تحتلّ مسألة تأليف المجلس الدستوري وكيفية تعيين أعضائه أهمية بالغة، إذ يُخشى أن يؤدّي تعيين أو انتخاب أعضاء المجلس من قبل جهات سياسية، في حال لم يقترن بضمانات وقيود معيّنة، إلى تسييس المجلس. لذا يجب إحاطة آلية تأليف المجلس وقواعد تنظيمه بضمانات قصوى تؤمن له –هيئةً وأعضاءً- الحيادية والاستقلالية[8]. وفي لبنان، يتمَ انتخاب نصف الأعضاء من قبل مجلس النواب والنصف الثاني من مجلس الوزراء. وقد تضمن المشروع تعديلات جد هامة في هذا الإطار:
 
فبخصوص انتخاب الأعضاء من قبل المجلس النيابي، نص الاقتراح على وجوب حصوله بالدورة الأولى بالأكثرية المطلقة. وهو بذلك هدف إلى إلغاء آلية الانتخاب المنصوص عليها حاليا والتي تتم على دورتين: بالأكثرية المطلقة من عدد الأعضاء الذين يتألف منهم قانوناً في الدورة الاولى والأكثرية النسبية من أصوات المقترعين في الثانية[9]. ومبرر هذا الاقتراح، هو تمكين المعارضة في المساهمة في انتخاب أعضاء المجلس. كما يرى الرئيس سليمان أن اعتماد الدورة الثانية ذو مفعول سلبي على مشروعية العضو المنتخب الذي يحظى عند تعيينه بثقة هزيلة لا تتوافق مع خطورة المركز المناط به. ولدى سؤال الرئيس سليمان في مقابلة خاصة عمّا اذا كان من الأفضل انتخاب الأعضاء بأكثرية الثلثين على دورة واحدة، تماماً كما يتمّ تعيين النصف الآخر من قبل مجلس الوزراء حالياً، أجاب انّ تجربة التعيينات في لبنان أثبت في محلات عدة صعوبة التوافق على المرشحين لعضوية المجلس، فيستحسن ألا تعتمد أكثرية تعجيزية كهذه.

كما يقترح المشروع بأن يتمّ تعيين النصف الآخر من الأعضاء من قبل رئيس الجمهورية بدلاً من مجلس الوزراء. ويبرّر المشروع هذا التعديل بفعل أن مجلس الوزراء، بمقتضى تركيبته وطريقة تأليفه، لا يبعد كثيراً عن تركيبة مجلس النواب، بل هو امتدادٌ له وصورة مصغرة عنه. فضلاً عن أنه من المنطقي أن يمنح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين أعضاء في المجلس الدستوري، نظراً لموقعه الدستوري المميز وبفعل أنّه الساهر على احترام الدستور.

وهنا لا بدّ من التنويه الى أنّه في لبنان ينحصر حق تعيين الأعضاء بالسلطتين التشريعية والتنفيذية. علماً بأن عدداً من البلدان تلجأ الى تعيين عدد من الأعضاء من قبل مجلس القضاء الأعلى، كالمغرب وتونس وايطاليا واسبانيا وبشكل أقصى في اللكسمبورغ[10]. ونذكّر في هذا السياق بالاقتراح الذي قدمه الرئيس حسين الحسيني الى مجلس النواب في العام 2005، والرامي إلى "تشكيل هيئة حقوقية تتولى تسمية أعضاء المجلس الدستوري بناء على سيرهم ومؤهلاتهم ونظافتهم ونزاهتهم". وتتألف الهيئة، وفق إقتراح الحسيني، من كل من "رئيس مجلس القضاء الأعلى ونائبه، ورئيس مجلس شورى الدولة ومفوض الحكومة في المجلس، ورئيس ديوان المحاسبة ومفوض الحكومة فيه، بالإضافة إلى خمسة عمداء في الجامعات التي تدرس الحقوق في لبنان"[11].

كما قد يكون من الأنسب، حسب رأينا، تخفيض السن القانونية الأدنى للأعضاء من 50 الى 40 عاماً، كما هي الحال في المانيا وبلجيكا مثلاً، وذلك بهدف إضفاء نفحة شبابية وحيوية على أداء المجلس الدستوري.
ومن جهة ثانية، اقترح المشروع لدى اعتماد التعديل المتعلق بتعيين النصف من قبل رئيس الجمهورية، بجعل مدة ولاية هذا النصف ثلاث سنوات في المرة الاولى. ثم تتوالى عملية التبديل تباعاً بعد انتهاء ولاية الأعضاء الآخرين، مما يؤمّن تبديل نصف الأعضاء كلّ ثلاثة سنوات، شرط أن تلتزم السلطات ذات الصلاحية بالتوقيت القانوني للتعيينات.
 
كيفية اتخاذ القرارات

يقترح المشروع تعديل شروط النصاب الواجب توفره لانعقاد المجلس بحيث يتم تخفيض عدد الأعضاء المطلوب من ثمانية إلى ستة (الأكثرية المطلقة لمجموع أعضاء المجلس) وذلك ضماناً لانعقاد المجلس وتمكينه من اتخاذ قراراته ضمن المهل القصيرة المنصوص عليها قانوناً (شهر من تاريخ الطعن). كما أن المشروع يقترح اتخاذ القرارات بالأكثرية المطلقة لمجموع أعضاء المجلس فيما هو سبعة أعضاء في القانون الحالي، وذلك تجنبا لتحكم الاقلّية في قرارات الأكثرية.

التنظيم الاداري للمجلس

لا يعير مشروع التعديل إهتماماً بالغاً لتنظيم المجلس الداخلي، بحيث يقتصر التعديل على انتداب أحد الاساتذة من كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية في الجامعة اللبنانية ليؤمن الدراسات اللازمة. في حين أننا نرى أن هذه المسألة، وان كانت عملية، لا تقلّ أهمية عن التعديلات الأخرى. مما يستدعي إعادة النظر في كامل إدارة المجلس الدستوري الداخلية وهيكليتها. فالمجلس يعمل حالياً بخمسة عشر موظفاً يتمّ انتدابهم من مختلف الوزارات[12]، أي بموارد بشرية غير كافية للنظر في طعون قد تتضاعف أعدادها إذا أقرّ الدفع بعدم دستورية القوانين. كما أن المجلس هيئة دستورية مستقلة تماماً عن سائر السلطات، مما يقضي بأن تتمتع ادارتها بالاستقلالية أيضاً. لذا يستحسن ان يقوم المجلس الدستوري بإدارته الذاتية فيعتمد النموذج المتبع في مجلس النواب مثلاً، حيث يعين الموظفون بقرار من رئيس المجلس وتطبق عليهم سلسلة رواتب الإدارات العامة. ويصار إلى إنشاء مجموعة وحدات إدارية يتولّى تسييرها أمين عام يعمل تحت السلطة المباشرة لرئيس المجلس، كوحدة للأبحاث والدراسات، ووحدة للعلاقات العامة والإعلام، ووحدات إدارية ومالية وتوثيقية، الخ .

ختاماً، وبمعزل عما سيثيره هذا الاقتراح من ردود أفعال، لا بدّ من الترحيب بهذه المبادرة الهامة التي تهدف إلى تعزيز دور المجلس الدستوري من خلال توسيع مهامه وتحريره من قيود تعرقل أداءه، ولا سيما في وقت تشهد فيه الدولة تفككاً للمؤسسات الدستورية يصل الى درجة الفوضى والانهيار.

هذا المقال نشر في العدد 38 من مجلة المفكرة القانونية
 


[1] وفي هذا الاطار، تناول المشروع تعديلاً للمادة 19 من الدستور، اي النص الدستوري المنشئ للمجلس، اضافةً الى بعض النصوص القانونية الواردة في قانون انشاء المجلسة الدستوري (القانون رقم 250 تاريخ 14/7/1993) ونظامه الداخلي (القانون رقم 243 تاريخ 7/8/2000).
[2] وهذا ما أكّده المجلس في قراره 12/2005 حيث حدّد دوره كضابط للعمل التشريعي ، بتأكيده على "ان التعبير عن الارادة الشعبية لم يعد حكراً مطلقاً للمجلس النيابي. بل أصبح العمل التشريعي لا يعبر عن السيادة، منذ تاريخ انشاء المجلس، الا بحدود توافقه مع أحكام الدستور."
[3] ومن أبرز الأزمات التي عانى منها المجلس خلال تاريخه الحديث تلك التي نتجت عن تدخلات مباشرة ومفضوحة من قبل بعض السياسيين على عدد من الأعضاء التابعين لطوائفهم، الاولى عام 2005 عندما توقف خمسة من أعضائه عن ممارسة مهامهم في المجلس مما أفقده النصاب القانوني طيلة فترة طويلة، والثانية عام 2013، عندما تمنّع ثلاثة أعضاء عن حضور الجلسات خلال مهلة الشهر للحؤول دون البتّ بدستورية قانون تمديد ولاية أعضاء مجلس النواب (قانون رقم 246 تاريخ 31/5/2013).
[4] يحق لرؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً الطعن في القوانين المتعلقة حصراً بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية والتعليم الديني.
[5] وكانت الغاية من إنشاء هذا المجلس وفق ما ورد في هذه الوثيقة محدّدة صراحة بتأمين توافق عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مسلّمات العيش المشترك وحقوق اللبنانيين الاساسية المنصوص عنها في الدستور.
[6] "تفسير الدستور: نصاب اليوم أم سابقة 1980؟"، نقولا ناصيف، الأخبار، العدد ٢٤٥٥ الخميس ٢٧ تشرين الثاني ٢٠١٤.
 
[7] المادة 18من قانون انشاء المجلس الدستوري رقم 250/1993: "يتولى المجلس الدستوري الرقابة على دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون. خلافاً لأي نص مغاير، لا يجوز لأي مرجع قضائي أن يقوم بهذه الرقابة مباشرة عن طريق الطعن أو بصورة غير مباشرة عن طريق الدفع بمخالفة الدستور أو مخالفة مبدأ تسلسل القواعد والنصوص".
[8] في لبنان، أحاط المشترع عضوية المجلس بعدد من التدابير والمحظورات تشكل ضمانةً لاستقلالية المجلس الدستوري، ومنها عدم قابلية تجديد او اختصار ولاية الأعضاء، عدم الجمع بين عضوية المجلس ومناصب أخرى ادارية او سياسية، او مهنة او عمل مأجور غير التعليم الجامعي والمشاركة في المؤتمرات والنشاطات العلمية بعد موافقة الرئيس الخطية. كما ان الأعضاء مقيدون بواجب التحفظ وسرية المذاكرة.
[9] واذا تساوت الأصوات فالأكبر سناً يعتبر منتخباً.
[10] يتم التعيين من مجلس القضاء الأعلى لأربعة أعضاء من أصل اثني عشر في المغرب، وخمسة أعضاء من أصل خمس عشر في ايطاليا، واثنين من أصل اثني عشر في اسبانيا. أمّا في اللكسمبورغ، فيتم تعيين اربعة من أعلى القضاة حكماً في المحكمة الدستورية، ويتم تعيين الخمسة أضاء الاخر بعد استشارة المحاكم العليا.
[11] مقابلة مع الرئيس الحسيني حول المجلس الدستوري، المفكرة القانونية، 28 كانون الأول 2012.
[12] المادة 15 من قانون انشاء المجلس، يؤمن الأعمال القلمية والإدارية في المجلس الدستوري مساعدون قضائيون أو مساعدون قانونيون ينتدبون لهذه الغاية من قبل وزير العدل ويختار رئيس المجلس من بينهم رئيس القلم وتحدد تعويضاتهم بمرسوم يتخذ بناء على اقتراح وزير العدل.