قضية الكاهن منصور لبكي، تتميّز بأهميّة إجتماعيّة وسياسيّة كبرى. فالحكم الكنسيّ الصادر بحقّه في حاضرة الفاتيكان بالتعرّض لقاصرات هو الأوّل من نوعه لناحيتين: صدوره بحقّ رجل دين يتمتع بنفوذ كبير داخل طائفته، وطبيعة الأفعال المحكوم بها فيه. وما زاد من أهميّته هو سعيُ لبكي إلى قلب صورة الحكم الكنسيّ من خلال القضاء اللبنانيّ، وتحديداً من خلال الدعوى التي تقدّم بها ضدّ 19 شخصاً، منهم الضحايا اللواتي حركن دعوى الفاتيكان ضده ومجموعة من الكهنة الذين تولوا التحقيق في ملفه في فرنسا والفاتيكان. وعليه، وبخلاف الحال في هذين البلدين حيث المدعى عليه هو لبكي حصراً، تبدو الصورة منقلبةً تماماً في لبنان حيث المدعى عليهم هم فقط ضحاياه وحكّامه. وإنطلاقاً من ذلك كلّه، يبدو من المهمّ جداً متابعة تفاعلات هذه القضية، لما تعطيه من إضاءات على منظومتنا الطائفية السياسية. فماذا يعني أن يختار لبكي الإدعاء على هؤلاء في لبنان حصراً، رغم أن 12 منهم هم أوروبيون ومقيمون هناك؟ وهل هذا يعني أنه وجد في لبنان بيئة أقلّ صرامة من بيئتي الفاتيكان وفرنسا إزاء التعرّض للأطفال، أم أنه يؤْثر اللجوء إلى محاكم بلد يتمتع فيه بنفوذٍ كبير، حتى ولو كانت محاكمه أقلّ منعة وحصانة وفق المعايير الدولية من محاكم الدول الأوروبية والفرنسية تحديداً؟ والأهم من ذلك، كيف عسانا نقرأ القرارات القضائية الصادرة في هذا الملف حتى اللحظة والتي لا تخلو من إضاءات لافتة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه أدناه.
 
البيئة الحاضنة في لبنان:
المصلحة الفضلى لرموز الطوائف
 
منذ بدء التداول في قضية منصور لبكي، برزت قوى تدافع بشراسة عنه وتستهجن التعرّض له نظراً لسمو شأنه. وكان يُحتمل أن تكون هذه القوى أكثر خطورة لو لم يكن الحكم المشكو منه صادراً عن حاضرة الفاتيكان. فلا يصحّ بعد ذلك إتّهام القضاء أو طائفة أخرى باستهداف هذا الشخص السامي. ومن هنا، يصبح كبش المحرقة الحتميّ هم الأفراد الذين فبركوا وفق هذه القوى الإتهامات ضده فضلّلوا عدالة الفاتيكان. وعليه، تتحوّل الضحيّة الشاكية إلى موضع إتّهام وتحرّش إعلامي دائمين، لأنّها تجرّأت وحاولت كسر صورة "المبجَّل". وآخر المشاركين في سمفونية التعرّض للضحايا هو البطريرك الماروني بشارة الراعي نفسه الذي لم يتوانَ عن استعادة رواية لبكي بشأن دوافع النساء اللواتي اشتكين عليه والتجريح ببعضهن[1].

هذا هو الوضع اليوم. أصواتٌ مرتفعةٌ تمجّد لبكي وتصوّره وكأنّه معصوم عن أخطاء مماثلة، وهي الأصوات نفسها التي تهاجم الضحايا متهمة إيّاهم بإنشاء جماعة للأشرار. وبالطبع، هذه الأصوات لا تتوانى عن التهجّم ضدّ الإعلام الذي قد يسرد رواية مخالفة، أو يعطي منبراً للضحايا أو من يمثلهم. ورغم صعوبة التطييف في حالةٍ كهذه، فإن رئيس "المكتب الكاثوليكيّ للإعلام" الأب عبدو أبو كسم، لم يجد حرجا في حديث أدلى به لـ"المفكرة القانونية" في القول بأن "هناك الكثير من المتحرّشين. لماذا التركيز على الكنيسة؟". وأيضاً، "هل طرحتم الموضوع لدى الإسلام؟". واللافت أنه أدلى بذلك رغم نفيه أيّ تحرش في لبنان لأنه بلد صغير، ورغم اشتراطه بأن لا يتطرّق الحديث مع "المفكرة" إلى لبكي. وهو بذلك كأنه يطالب بإعمال قاعدة 6/ 6 مكرر تحت طائلة لزوم الصمت. المناخ نفسه تماماً نجده حين قدّم طارق الملاح دعواه ضد "دار الأيتام الإسلامية" مدعيّا أنه تعرّض لإغتصابٍ هناك على امتداد خمس سنوات. فوزير الشؤون الإجتماعية رشيد درباس، وهو المسؤول الأول عن ضمان حسن إدارة المياتم التي تتلقى أموالا طائلة من وزارته، لم يجد أيّ داعٍ للإستماع إلى شكوى الملّاح أو سواه ممن كسر الصّمت، بل على العكس تماماً، انقضّ عليه بأكثر الكلمات بذاءة، مُتّهما إياه بالإبتزاز والكذب، في دفاع غير مشروط عن الدار وعن دورها الاستثنائي في رعاية الأطفال. وهنا أيضاً غمز الوزير ذو الأصول اليسارية من الناحية الطائفية، متهّماً الجمعيات الداعمة للملاح بشنّ حملة طائفية ضد الطائفة السنّية. واللافت أنّ الأشخاص الذين ادّعوا تعرّضهم لاغتصاب أو تحرّش في فترة طفولتهم هم من طائفة الجهة المدّعى عليها نفسها، وأن القضايا المطروحة منهم لا تقتصر عليهم إنما تمتدّ مفاعيلها إلى مئات أو آلاف الأطفال المودعين في أماكن الرعاية، وجلّهم من الطائفة المعنية نفسها. لكن، ورغم ذلك، فإن لعبة المرايا الطائفية تختزل الطوائف برموزها الذين يتمتعون إذ ذاك بالإمتيازات والحصانات. وعليه، تصبح مصلحة الطائفتين المارونية والسنية بحماية رموزهما. أما كل ما عانى أو يعاني منه أطفال موارنة وسنّة في دور الرعاية التابعة للطائفتين فلا حرج من التغاضي عنه وعن آلامهم، والتنكّر لهم حفظاً للمصلحة الطائفية. بل تصبح أي شكوى من أيّ من هؤلاء ضدّ رموز طوائفهم بمثابة خيانة للطائفة المعنيّة أو حملة ضدها. فما عساها تقول عنّا الطوائف الأخرى؟ ومن هذه الزاوية، تبدو الخصوصية اللبنانية وكأنها تفرض إعادة ترتيب المصالح: فالمصلحة الفضلى ليست مصلحة الطفل كما جاء في معاهدة حقوق الطفل التي أقرها لبنان، إنما ثمة مصلحة أعلى هي مصلحة المرجع الطائفي حتى ولو كان معتديا على أطفال. والإعتداء الأكبر في هذه الحالة لا يكون اعتداء رجل الدين على الأطفال، إنما إدعاء هؤلاء عليه، ولا حرج من اعتبارهم في هذه الحالة بمثابة جماعة أشرار.

في ظل إنقلاب القيم هذا، يصبح كلام البطريرك مفهوماً، وكذلك كلام وزير الشؤون الإجتماعية، فضلاً عن جميع التصريحات التي ترد هنا وهناك دفاعاً عن الرمز وإمعاناً في التحرّش بالضحايا. كما يصبح مفهوماً أن تلزم النيابات العامة ومعها الدولة اللبنانية الصمت إزاء ارتكابات لبكي التي أثبتها حكم الفاتيكان، فلا تحرّك ساكناً ضدّه. كما يصبح مفهوماً أن يقدّم محامي لبكي أ. أنطوان عقل دعوى جزائية بحق هؤلاء الضحايا مدّعياً عليهم بلائحة طويلة من الجرائم، أبرزها تأليف جماعة أشرار. ولكن، كيف عسى القضاء يتصرّف في هذه القضية؟ هل تندرج قراراته ضمن هذا المناخ بما يعزز نفوذ لبكي وبشكل أعم رموز الطوائف أم تتضمن توجهات يستشف منها سعي لتغييره في اتجاه الاعتراف بحقوق الضحايا؟
 
القرارات القضائية:
المصلحة الفضلى لبنانياً في مرايا الخارج
 
حتى اللحظة، صدر قراران قضائيان في ملف لبكي اللبناني: الأول في 14-4-2014 عن قاضي التحقيق في جبل لبنان بيتر جرمانوس برد الشكوى لانتفاء الصلاحية، والثاني في 25-3-2016 عن الهيئة الاتهامية في جبل لبنان برئاسة عفيف الحكيم، بفسخ الحكم المذكور جزئيا لجهة ردّ الشكوى ضد المدعى عليهم اللبنانيين. ومن يقرأ الحكم يلحظ أن القرارين أديّا بدرجة أو بأخرى إلى التوفيق بين المصلحة الفضلى لرموز الطوائف من جهة، ومصالح خارجية لا يمكن التغاضي عنها وتتصل بالعلاقات مع الفاتيكان وفرنسا.

قرار قاضي التحقيق: قوانين الكنيسة هي الأعلى

أهم ما جاء في قرار قاضي التحقيق هو أن قوانين الكنيسة وأحكام الدستور اللبناني الذي حفظ حقوق الطوائف لإادارة الشؤون المرتبطة بها، هو صاحب الصلاحية الحصرية للبتّ بمثل هذه الشكوى ومشتقاتها أيا تكن ومن أي جهة أتت. وقد خلص قاضي التحقيق بالنتيجة إلى ردّ الشكوى لانتفاء الصلاحية. وفيما أن القرار يؤول بالنتيجة إلى رفع يد القضاء عن النظر في إدّعاء لبكي ضد المدعى عليهم، فإنه يؤول في الوقت نفسه إلى تحصين الكنيسة وسائر الطّوائف إزاء أيّ مساءلة مستقبلية بحجة أنها تصبح المرجع الوحيد لمحاسبة الكهنة والعاملين في مؤسساتها.

واللافت أن الحكم منح هذه الحصانة بالإشارة إلى قوانين الكنيسة التي لا تلزم الدولة، والدستور من دون أي تفصيل أو تعليل. وبالعودة إلى الدستور، نجد أن الضمانة الوحيدة المعطاة للطوائف حصلت بموجب المادة 9 من الدستور واقتصرت على إعطاء الأهلين ضمانة بتنظيم الأحوال الشخصية وفقاً لمعتقداتهم. بالمقابل، حفظت الدولة لنفسها مسؤولية النظر في كل ما عدا ذلك، وخصوصاً في ما يتصل بالنظام العام، وفي مقدمتها الأفعال التي تشكل جرائم جزائية. وعليه، نلحظ أن القرار اعتمد قراءةً جدّ واسعة للشؤون التي تدخل في الصلاحية المضمونة للطوائف، تتعارض مع نص الدستور، وأيضاً مع مجمل المنظومة القانونية السائدة منذ وضعه. والقول بخلاف ذلك إنما يؤدي إلى نتيجة عبثية مفادها أن الحياة الجنسية للرهبان والكهنة، بما قد يتخللها من تعديات وجرائم، تصبح بمثابة أحوال شخصية. ومن شأن هذه القراءة بالطبع أن تعزز مفهوم المصلحة الفضلى لرموز الطوائف بدل ضبطه.

الهيئة الاتهامية: المسألة لبنانية لبنانية، فلنبعد الأجانب

قرار الهيئة الاتهامية أتى مختلفاً. ففيما تراجع تماماً عن هذه القراءة، فإنه آل عملاً بقواعد الإختصاص إلى إستبعاد الأجانب عن الدعوى. وهو بذلك فسخ القرار الإبتدائي ليحصر الدعوى في اللبنانيين دون سواهم. ولتبرير التمييز بين المدعى عليهم، أدلت الهيئة بأن التشريع الجزائي اللبناني لا يطبق على الأجنبي الذي يرتكب جرمه في الخارج إلا إذا كانت الجريمة تهدّد أمن الدّولة اللبنانيّة أو يحضر الأجنبي إلى لبنان بعد اقترافه جرمه في الخارج ليتواجد في لبنان. كما أدلت أن تطبيق الشريعة اللبنانية على اللبنانيين يحصل حتى ولو ارتكبوا جناية أو جنحة في الخارج ما لم تكن شريعة الدولة التي اقترفت في أرضها هذه الجرائم لا تعاقب عليها. وتجدر الإشارة إلى أن القرار استبعد بالمقابل أيّ تحليل قانونيّ من شأنه أن يؤدي إلى ملاحقة هؤلاء بداعي التلازم بين أفعالهم وأفعال المدعى عليهم اللبنانيين أو بداعي حصول الأفعال المدعى بها بواسطة الإنترنت.

وبذلك، يكون القرار قد انحاز في تعليله إلى تحرير القضية من تأثيراتها الخارجية وما قد تثيره من ردود أفعال في فرنسا والفاتيكان ليحولها إلى قضية لبنانية لبنانية. وأكثر ما يقلق على هذا الصعيد هو أن لبننة القضية يجعل منها قضية أكثر تقبلاً لمقتضيات البيئة اللبنانية المشار إليها أعلاه بمنأى عن الضغوط التي قد يواجهها لبكي وداعموه، ومنهم أشخاص نافذون داخل الكنيسة المارونية، من قِبل فرنسا والفاتيكان، وما قد يترتب عليها من نتائج. في وضع كهذا، في بيئة كهذه، ثمة مسؤولية كبرى لدعم الضحايا، ضماناً للمحاكمة العادلة. فلنواجه...

محطات قضية لبكي: لبنان، فرنسا والفاتيكان (الرابط المرفق ادناه)

نشر في العدد 39 من مجلة المفكرة القانونية


[1]  حديث البطريرك في 18-3-2016 عينطورة، عنه اقرأ/ي "قالوا فيه دفاعا عنه"،.منشور في هذا العدد.