أصدرت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي في ختام جلستها بتاريخ 15-06-2016 بيانا شددت فيه على ضرورة التزام القضاة المباشرين وغير المباشرين بالحياد عن جميع الأنشطة الحزبية والسياسية. وقد عللت الهيئة موقفها بأن تبنّيهم لمواقف سياسية علنية والظهور في اجتماعات ومؤتمرات حزبيةيؤدي الى زعزعة ثقة المتقاضي في القضاء وفي استقلاله.
وقد أصدرت الهيئة البيان في هذا التوقيت على خلفية خوفها من تنامي ظاهرة الاصطفاف تحت غطاءات حزبية ضيقة. وكانت الهيئة اعتبرت في إعلاناتها وندواتها الصحفية السابقة أنّ ثبوت الإنتماء الحزبي للقاضي يعدّ من الأخطاء الجسيمة الموجبة للمساءلة. لا بل أن الهيئة اتخذت قرارات تأديبية ضد قضاة على هذا الأساس. وقد جاء بيانها منبها لخطورة التحزّب على استقلالية القاضي والقضاء عموما، وداعيا الى ضرورة التعجيل بسنّ القوانين الضامنة لاستقلالية التفقديةالعامة عن السلطة التنفيذية وتحييد المسار التأديبي للقضاة عن كل مخاطر التوظيف السياسي.

الانتماء السياسي أو التحزّب
يمكن تعريف التحزّب بأنه الإنتماء الفعلي والدائم لحزب سياسي، من خلال الانخراط فيه بما يجعل القاضي مرتبطا بالعمل السياسي المباشر ضمن الحزب الذي انتمي اليه. وقد يكون الانتماء بمجرد تحصيل بطاقة اشتراك لغاية تسجيل حضور اعتباري وشرفي في هذا الحزب. وقد يكون أيضا انتماءً فاعلا بالمشاركة في الندوات والتجمعات التي يقيمها الحزب تسويقا لمبادئه وتعريفا لبرامجه وفي بعض الحالات تبييضا لتجاوزاته. وليس بالضرورة في هذه الحالة أن يكون للقاضي انخراطٌ بالحزب.

ومن المتّفق عليه في أغلب الأنظمة القضائيّة أنّ "التحزّب" يتعارض مع مبدأ الحياد المحمول على كل قاض وهو مبدأ كوني ومن أهم القيم الأخلاقية في سلوك القاضي بل هو يختزل جميع العناصر الأخلاقية المفروضة على كل قاضٍ. فالقاضي لا ينحاز لأيّ من الخصوم، ويقف موقف العدل والإنصاف منهم بصرف النظر عن انتماءاتهم الايديولوجية والحزبية، لأن غاية الحياد هي ضمان المساواة بين الخصوم. وفيما انخرطت في السنوات الأخيرة بعض الأنظمة الغربية في اتجاه آخر يعتبر أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يستثنِ القضاة من التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع. وقد اعتبر الحقوقيون الغربيون أن مبدأ الحياد لا يتعارض مع حق القاضي في الإنضمام إلى الأحزاب السياسية طالما أن ذلك لا يؤثر على عدله ونزاهته في عمله.
وبالواقع، فإن القاضي في هذه الدول الغربية ينتمي عموماً إلى حزب يتفق مع ما يتبنّاه من فكر وقناعة، مهما كان موقع الحزب وحجمه وفاعليته في الدولة ونظام الحكم. وهذا ليس الحال في الدول العربية: فالتجارب أثبتت أن الوضع السياسي في المنطقة العربية يدفع القاضي العربي الراغب في التحزّب لأن ينتمي إلى الحزب الحاكم النافذ القوي طلبا للحماية وتحقيق المصلحة الشخصية في التنفذ داخل الوسط القضائي. والأمثلة متعددة:

ففي تونس وقبل ثورة 2011، كان يسمح لعدد من القضاة بالإنتماء إلى الحزب الحاكم أي التجمع الدستوري الديموقراطي والنشاط الإيجابي داخله والظهور في وسائل الإعلام للترويج لمؤتمراته وبرامجه مقابل نيل الحظوة بالتدرج في المناصب القضائية الأولى بصورة ملفتة للانتباه مقارنة بزملائهم من نفس الدفعة أو الرتبة. وبعد الثورة مثُـل عدد من هؤلاء القضاة المنتمين للحزب الحاكم المنحل أمام مجلس التأديب وقررت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي عزلهم استنادا إلى ثبوت انتمائهم إلى أحزاب سياسية. وفي مصر، يتمّ عزل 44 قاضياً من أجل اصدارهم بيانا يدعمون فيه "اعتصام رابعة" وينددون فيه باقصاء الرئيس الأخواني "مرسي" واستندت الجهة المصدرة لقرار العزل إلى اشتغال هؤلاء القضاة بالعمل السياسي وهو محجّر عليهم.
وما يمكن ملاحظته من خلال هذه الأمثلة أنها ارتبطت بمحاكمة أحزاب تم حلّها ولم تعدْ في موقع السلطة. وقد تمّت معاقبة القضاة المنتمين إليها في سياق محاكمة عهد ولّى. إلا أن ضمان استقلالية القضاء من التأثيرات السياسية والحزبية يوجب ليس فقط معاقبة قضاة انتموا إلى حزب انتهى وجوده القانوني، بل أيضاً التصدي لقضاة ينتمون إلى الأحزاب الفاعلة والحاكمة في الوقت الراهن. فإثر التغييرات الحاصلة في بعض الدول العربية، تنامت ظاهرة التموقع داخل الأحزاب السياسية الجديدة وأصبحت الصراعات الحزبية تتواجد حتى في أروقة المحاكم. وتعاظم تبادل الاتهامات بالانتماء إلى التيارات الرجعية أو التيارات المتحررة. وأصبحنا نرى القضاة يشاركون في مؤتمرات الأحزاب السياسية الحاكمة، ويتواجدون في السفارات الأجنبية للمشاركة مع السياسيين في أعيادها الوطنيةفي خرقٍ واضحٍ للأعراف القضائية دون مساءلة أو حتى لفت نظر. وهذا ما شهدناه مع مجاهرة قضاة مصريين بمساندة المشير عبد الفتاح السيسي ودعوته للترشح للإنتخابات الرئاسية في خرقٍ غير مسبوق للتقاليدالقضائية. وقد برز هذا المشهد في موازاة بدء التحقيق مع القضاة الذين دعموا "اعتصام رابعة" في مصر وانتهى بعزلهم.
فاذا كان للقاضي كسائر المواطنين في بلده حقوق سياسية، إلا أن عليه أن يمارسها على نحو يختلف عن سائر المواطنين، عملاً بواجب الحياد الذي يقيده.

ممارسة السياسة
يمارس القاضي السياسة إما من خلال قبوله بالإنتماء إلى الحكومة كعضو فيها أو الترشّح للانتخابات التشريعية أو الرئاسية. وفي هذا السياق، نلحظ أنه تم منذ سنة 2011 توزير 7 قضاة إلى جانب تعيين عدد من القضاة ولاة (محافظين). وقد كان لهذه التعيينات الأثر السلبي على العمل القضائي. فالقاضي الذي عمل لفترة من الزمن في السياسة واحتك بالاحزاب وعايش تجاذباتها وطبق برنامج وتوجهات الحكومة التي هي في الواقع توجهات الحزب المؤلف لها، ليس من السهل أن يعود ليمارس العمل القضائي بحياد واستقلالية. كما أن لهذه التعيينات أثر سلبي على القاضي نفسه الذي لن يستطيع التأقلم من جديد مع الظروف الصعبة للعمل القضائي بالمحاكم بعد مغادرة كرسي الوزارة واغراءات السلطة. وعليه، رفض غالبيتهم عند انتهاء مهامهم تلك الاستمرار في القضاء والتحقوا بمجالات أخرى.
وعليه، يقتضي أن يكون التحاق القضاة بالعمل السياسي موضوع تقنين بمشروع القانون الأساسي للقضاة المنتظر. فعلى القاضي أن يختار إما الاستمرار في القضاء والإيمان برسالته النبيلة أو مغادرته للسياسة من دون رجعة.

الترشح للانتخابات التشريعية والرئاسية
لم يمنع الدستور التونسي القاضي من أن يكون ناخبا أو مترشحا لمختلف الانتخابات السياسية. وقد شهدت الانتخابات الاخيرة ترشح عدد من القضاة للانتخابات التشريعية وكذلك الرئاسية. إلا أن ترشحهم كان بصورة مستقلة، ورفض هؤلاء الترشح تحت مظلة حزبية وهو ما يفسر ربما فشلهم جميعاً. وخوفاً من أن ينضوي القاضي المترشح في المستقبل إلى الاحزاب السياسية لضمان نجاحه، يجدر بالقانون الأساسي للقضاة أن يتناول هذا الأمر بصورة قاطعة حفاظا على استقلالية القضاء ونأياً بالقضاء عن المصالح السياسية الضيقةوتحييداً للمسار التأديبي عن كل مخاطر التوظيف السياسي.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.