أعلن وزير الصحة وائل أبو فاعور خلال مؤتمر صحافي عقده في 16 آذار 2016، عن وجود مواد مسرطنة في عينات من القمح المستورد إلى لبنان، حيث كشفت نتائج الفحوصات المخبرية التي قامت بها الوزارة عن نسب مرتفعة من مادة الأوكراتوكسين المسببة للسرطان، خاصة على مستوى الكبد والدماغ. وكانت "منظمة الصحة العالمية" قد حدّدت نسبة إستهلاك هذه المادة في الحبوب بسبب خطورتها على جسم الإنسان. النسبة المسموح بها عالمياً "يجب ألّا تتجاوز 5 ميكروغرام في الكيلوغرام الواحد، فيما تعدّت نسبتها في عيّنات القمح غير المطابقة الـ 26 ميكروغرام في الكيلوغرام الواحد"، وفق وزارة الصحّة.
طرحت المسألة في جلسة مجلس الوزراء فوقع الخلاف بين أبو فاعور ووزير الإقتصاد آلان حكيم. أكّد هذا الأخير أن نتائج الفحص الذي أجرته وزارته أتت سليمة، فيما أصرّ أبو فاعور على وجود شحنة سليمة وأخرى فاسدة. وأوضح أبو فاعور أن فحص القمح المستورد من مسؤولية وزارة الزراعة وليس وزارة الإقتصاد. وبناءً عليه، دخلت وزارة الزراعة على خطّ السجال. فلفت الوزير أكرم شهيب إلى أن مهمة وزارته مرتبطة حصراً باجراء التحاليل المخبرية اللازمة عند وصول شحنة القمح إلى المرفأ، فيما تتحمّل وزارة الإقتصاد مسؤولية وضع الإهراءات وسلامة التخزين.
استمر السجال بين الوزارات الثلاث حوالي أسبوع، فيما كان اللبنانيون ينتظرون لمعرفة إن كان القمح الذي يستهلكونه مسرطناً أم لا. إنتهى الأمر بتأكيد وزير الصحّة خلال إجتماعٍ ضمّ الوزراء الثلاثة على وجود قمح مسرطن في الأسواق اللبنانية. وتمّ الإتفاق بين الوزارات الثلاث، بالإضافة إلى وزارة الصناعة، على وضع خطة عملٍ لمعالجة الموضوع، وعد الوزراء أنها ستنتج حلاً لموضوع القمح المسرطن. وأعلنوا عن نيّتهم وضع آلية تكامل ورقابة على كامل مراحل السلسلة الغذائية، من أولها لآخرها. لكن، حتى اللحظة، لم يرَ اللبنانيون أيّ بوادر لحلولٍ مماثلة.
 
دعاوى تبحث عن جواب: هل القمح فاسد؟
في ظل غياب أيّ جوابٍ رسميّ جدّي حيال قضية القمح، وفي ظلّ تخبّط الحكومة الواحدة في تصاريح متناقضة، اختارت جمعية "فرح العطاء" ممثلةً بالمحامي ملحم خلف وعدد من الناشطين والمحامين، اللجوء إلى القضاء للإستحصال على الأجوبة. فتمّ تقديم إستدعاء أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، طلب فيه المستدعون (وهم جمعية "فرح العطاء" وعدد من المواطنين) تعيين خبيرٍ للكشف على شروط تخزين القمح وأخذ عينات منه. وقد استجاب القاضي جاد معلوف للطلب بأن أصدر قرارين بتعيين فريق متخصص من خمسة خبراء لتفحّص خمس مطاحن أساسيّة، وأخذ العيّنات، والتدقيق في مراعاة معايير السلامة والصحّة والنظافة. كما قدّم المحامون مراجعة أمام مجلس شورى الدولة لتعيين خبيرِ له صلاحية مراجعة الوزارات والجمارك والإهراءات في مرفأي بيروت وطرابلس والمختبرات، للتدقيق في مآل إستيراد حمولات القمح التي تبيّن بعض المختبرات إحتواءها على موادٍ مسرطنة. واستجاب المستشار المنتدب سميح مداح لهذا الطلب أيضاً، علماً أن المستدعية في هذه الدعوى كانت نقابة الحلويات والسكاكر في لبنان الشمالي.
أصدر فريق الخبراء تقريره في ما يتعلق بالعينات التي استحصلوا عليها من المطاحن الخمس. وقد عاد الخبراء ووضعوا تقريراً خاصاً بـ"مطاحن لبنان الحديثة" الواقعة في منطقة كورنيش النهر، بعدما تبيّن لهم أثناء الكشف الأول وجود جرذان، وبعر فئران وحشرات وتسرّب مياه مبتذلة. وبناءً على هذا التقرير، تقدّم المستدعون بعدما إنضمت إليهم "جمعية حماية المستهلك في لبنان" بطلب إقفال المطحنة أمام قضاء العجلة، فصدر القرار الأوّل من نوعه بتاريخ 2262016 عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت (الرئيس معلوف) يقضي بوقف العمل فوراً بـ"مطاحن لبنان الحديثة"، وضبط كميّة القمح ومنتوج الطحين والعلف الحيواني الموجودة داخلها، على ألا يعاد العمل بها إلا بعد إصدار تقرير عن الخبيرة المعينة من المحكمة يبيّن أن المطحنة قامت بكلّ التعديلات اللازمة التي تؤمن الجودة والسلامة في منتوجاتها. تمّ تنفيذ القرار في 2362016 بواسطة كاتب المحكمة الذي كشف على المطحنة وتحقق من الكميات الموجودة لديها من القمح والطحين. تجدر الإشارة هنا إلى أن فريق الخبراء ما زال في طور كتابة التقرير المخصص لإهراءات القمح في مرفأ بيروت.
برزت أهمية اللجوء إلى القضاء في مسألة القمح من زاويتين إثنتين: الأولى، أن هذه الدعوى شكّلت مناسبة للإطلاع على معلومات هامة لم تكن بمتناول الرأي العام، والثانية، أنها فتحت الباب أمام معركة تفعيل "الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء" التي نصّ عليها قانون سلامة الغذاء.
 
الحصول على المعلومات، ورسم خارطة طريق
بين تصريحات الوزراء المتناقضة، والشحّ في المعلومات المتوفرة حول كيفية إستيراد القمح والمعايير المطلوبة لطحنه، اتسمت مسألة القمح المسرطن وصلاحيته للإستهلاك بغموضٍ معيّن. فكيف يصنع الطحين؟ وما علاقة طريقة نقله ومنسوب رطوبته بصلاحيته؟ وعلامَ يعتمد تقييم جودته؟
طرحت هذه الأسئلة على الرأي العام أبان أزمة القمح، وبقيت من دون إجابة في ظل التراشق السياسيّ. ومن هنا، كان لا بدّ من التقاضي لجلاء المسألة تحت إشراف قضاء موثوق. ويؤمل أن يؤمّن تقرير الخبراء المعيّنين من القضاء تقارير وافية عن الإجراءات المعتمدة لضمان سلامة الغذاء، ومدى نجاعتها، والثغرات التي تحول دون ذلك. فهل تفحص جميع حمولات القمح المستورد، أم فقط بعضها؟ ومتى يتمّ الفحص؟ ومتى تخرج النتائج؟ قبل أم بعد استلامها من الإهراءات أو من المطاحن؟ وهل تؤخذ عينات بشكلٍ علميّ؟ وهل تتوفر الإمكانات التقنيّة والعلميّة للتأكد من سلامة القمح؟ وما هي الإجراءات المعتمدة لضمان سلامة القمح في إهراءات المرفأ وإهراءات المطاحن؟ يسهم في توفير هذه المعطيات أمران: أولاً، اللجوء إلى خبراء متخصصين ومستقلين، وهم مدعوون في هذه المرحلة إلى أداء دورٍ أساسيّ لتوفير معلومات مهنية وموثوقة. وثانياً: إتساع مهمة الخبراء التي تشمل الإدارات الرسمية والمؤسسات الخاصة المعنية كالمطاحن والأفران والمختبرات على حد سواء.
وتبرز أهمية الحصول على المعلومات عبر الخبرة القضائية، فيما لا يزال إقتراح قانون الحقّ بالوصول للمعلومات عالقاً منذ نيسان 2013 بانتظار مناقشته من قبل الهيئة العامة لمجلس النواب. ويهدف هذا القانون إلى تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد من خلال تمكين كلّ مواطن /ة من ممارسة الحقّ في الوصول إلى المعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارة والإطلاع عليها. وبغضّ النظر عن نقاط الضعف والعيوب الواردة في مشروع القانون، بيّنت قضية القمح أننا في أمسّ الحاجة إليه، إذ لا توجد أيّ آليةٍ قانونية واضحة وملزمة للإستحصال على المعلومات حتى عندما يتعلق الأمر بموضوعٍ معيشيّ أساسيّ كالقمح. ولعلّ هذه الدعاوى تكون حافزاً للتسريع في دراسة هذا القانون وإقراره.
 
 
نحو إنشاء "الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء"؟
تأتي قضية القمح المسرطن في سياق حملة وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور منذ أواخر العام 2014 على المطاعم والمؤسسات غير المطابقة للشروط والمعايير الصحية، والتي كُشِفت بموجبها مخالفات هائلة أدّت إلى إقفال عدد من المؤسسات. وفي ظلّ الذعر العام في البلد، وجد المجلس النيابيّ نفسه مرغماً على التعجيل في إصدار قانون سلامة الغذاء في تشرين الثاني 2015، بعد 12 عاماً من تقديم نسخته الأولى إليه[1].
وقد تمحور القانون حول إنشاء هيئة هي "الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء". فهذه الهيئة تتولى وفق المادة 29 من القانون التنسيق بين الوزارات المختصة والإدارات المعنية بسلامة الغذاء، وجمع وتحليل المعلومات العلمية والفنية المتعلقة بسلامة الغذاء. كما ونصت المادة 29 على أنه يعود للهيئة أن تتولى "عملية تتبع Traceability)) سلسلة الغذاء بكافة مراحلها للتمكّن من تحليل مخاطر سلسلة السلامة الغذائية بالتنسيق مع الإدارات المختصة لضبط كلّ مخالفة... ". كما يتوجّب على الهيئة أن تعمل على أخذ العينات الإنتقائية من المنتجات الغذائية، وتخضعها للإختبارات والتحاليل الملائمة، يالإضافة إلى إستلام الشكاوى من المواطنين والتحقق منها وإحالتها إلى الإدارات المعنية. ورغم التسليم بحيوية إنشاء هذه الهيئة التي يشكّل تفعيلها شرطاً أساسياً لحماية سلامة الغذاء، فإن مجلس الوزراء لا يزال متقاعساً عن إصدار مرسوم إنشائها وتعيين أعضائها.
ومن هنا، تكتسي المبادرة المدنية أهميتها. كأنما القاضي تولّى، بطلب من الفرقاء والمحامين، تعيين خبراء للقيام ببعض مهام هذه الهيئة تحت إشرافه، ضماناً لسلامة القمح. ومن أبرز هذه المهام، تتبّع حمولات القمح المستوردة منذ وصولها إلى المرفأ حتى توزيع الطحين على الأفران والتدقيق في الإجراءات المعتمدة بشأنها. وفيما لا يمكن التعويل على الدعاوى القضائية وحدها للإضطلاع بكامل دور الهيئة في حماية سلامة الغذاء، فإن هذه الدعاوى وما قد يأتي من دعاوى تشكّل مناسبة هامة لتذكير الحكومة بتقاعسها عن إنشاء هذه الهيئة والضغط عليها في هذا السياق.
من هذا المنطلق، تبدو قضية القمح وما تعكسه من دينامية مجتمعية وقضائية، حافزاً للضغط نحو تفعيل المؤسسات وأبرزها إنشاء "الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء" من جهة والإسراع في إقرار قانون الحق بالوصول للمعلومات من جهة أخرى. فهل تنجح هذه القضايا في إخراج الدولة من سباتها؟

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة المفكرة القانونية.
 


[1]  لمعلومات أكثر عن القانون، راجع:
مريان خاطر، "اللجان النيابية المشتركة تقر اقتراح قانون سلامة الغذاء المعدّل"، المفكرة القانونية، العدد 25، شباط 2015.