حلّ وقع خبر إقفال جريدة "السفير" في آذار الماضي 2016 مدوياً، إذ ليس من السهل على الناس تقبّل غياب الجريدة التي لمع نجمها منذ العام 1974، وكانت من روافد الحركة الفكرية والثقافية والسياسية. تقرّر ان يكون الإصدار الأخير للجريدة الورقية في 31 آذار 2016، إلا أن ذلك لم يؤكّد ولم يحدث، وتمت تسوية ليس واضحاً ما إذا أفضت إلى إستمرارية مؤقتة أم مستدامة، فحال الصحافة في لبنان ليست بخير.
جاء تعثّر "السفير" بعد الحديث مطوّلاً عن ازمة مالية أصابت وتصيب تلفزيون وجريدة "المستقبل"، ثم جريدة "النهار". وإن كان البعض قد ربط أزمة وسائل إعلام "المستقبل" بالأزمة الماليّة التي تضرب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، فإن ما تمرّ به "السفير" ومن قبلها "النهار" أتى بمثابة ناقوس خطر يدلّ على أن الأزمة ذات طابع عام، تصيب المؤسسات الإعلاميّة والصحافيّة معاً.
 
تلفزيون "المستقبل": الموظفون يناضلون للبقاء.. والإدارة بلا رقم
شكّلت الأزمة المالية التي ضربت تلفزيون وجريدة "المستقبل" محطّ حديث وسائل الإعلام مؤخراً مع تصاعد الأخبار عن تعثر شركة الحريري، "أوجيه"، في السعودية، إلا أن المشاكل لم تظهر بين ليلةٍ وضحاها. بدأت المشاكل منذ العام 2014، لمّا باشرت إدارة التلفزيون بإغلاق مكاتبها في المناطق، وتخفيض عدد المراسلين فيها. ومن الأمثلة على ذلك، إغلاق مكتب تلفزيون "المستقبل" في طرابلس. يروي أحد المراسلين فيه لـ"المفكّرة القانونيّة" أنه أُعْلِم فجأة بنيّة إغلاق المكتب، وبالتالي الإستغناء عن خدماته. فترك الشغل، وله في ذمة التلفزون راتب شهرين، ومبلغ 2000$ كناية عن مالٍ صرفه من ميزانيته الخاصة على إستئجار معدّات ومواصلات التغطية الإخبارية، وهو حتى اليوم لم يحصل على فلسٍ واحد من مستحقاته.
ومع ذلك، حافظ معظم الموظّفين على صمتهم لفترة، قبل أن يضع الأصبع على الجرح في ما يخصّ وضع الزملاء في "المستقبل"، مداخلة على "فايسبوك" كتبها الزميل والفنان محمد عقيل، الموظف في تلفزيون "المستقبل"، على صفحته الخاصة في الأول من رمضان المصادف في السادس من حزيران الماضي. ضاقت الحال بعقيل حدً الإختناق، إذ يقف أمام عتبة بيع المنزل ليؤمن مدخولاً يغطّي تحصيل إبنه العلميّ. تسلح عقيل بالجرأة الكافية والظلم المتراكم لينقل واقع ما يعيشه، هو ورفاقه. فكتب في المداخلة: "فكّرت أكتب شي عن إنو كيف بشغلي (بالمستقبل) مش عم نقبض رواتبنا صرلنا فترة طويلة (الأزمة صار عمرها سنة تقريباً أو أكتر)، وإنو كيف البنوك (بما فيهن بنك البحر المتوسط) عم يتكالبوا علينا بدهن يحصّلوا منا القروض تبعهن (اللي سلّفنونا ياها أصلاً بضمانة رواتبنا اللي ما عم نقبضها). لا وهددونا إنهن رح يبعتوا أسامينا "بلاك ليست" ع البنك المركزي...كان ع بالي أكتب بمناسبة إنو اليوم بدأ الصيام، عن زميل لإلنا (خضر) حمّلوه ع الطوارئ بعد ما أبلغوه من البنك بإنو لازم يترك بيتو فوراً (عطيوه 15 يوم إنذار ت يخلي البيت) لأن مش عم يدفع السندات المستحقة عليه للإسكان.. زميلة إلنا (غيدا) عارضة عفش بيتها للبيع، منشان عيلتها تقطّع هالشهر الفضيل.. عن صديق وزميل إلي بالشغل (وسام)، وأوصف قديش بيوجع، لمّا زلمة مترين ب متر بتنزل دمعتو قدامك هوي وعم يحكي عن بنتو الزغيرة وإنو حلمها تاكل هي وبيّها قطعتين بيتزا بمطعم وهو مش قادر ياخدها لأنو مش عم يقبض.. عن أكتر من زميل، أبلغوهن بالمدارس(مدارس الحريري ضمناً) إنهن ما رح يقبلوا يسجّلوا ولادهن للسنة القادمة بحجة إنهن مش دافعين السنه الحالية..
كان عبالي قول إني عرضت بيتي للبيع (لأني مضطر) كرمال إبني يقدر يكمّل علمو ب كندا".
عقيل وفي حديث معه، أكد لـ"المفكّرة" أن ما قاله هو نموذج بسيط عمّا يعاني منه الموظفون في التلفزيون، وأشار إلى أننا إن أردنا أن نعرف المزيد من التفاصيل عن واقع أزمة التلفزيون، فيجب التوجه إلى رئيس الإدارة رمزي جبيلي. لم يعطنا عقيل الرقم الخاص لجبيلي، لأنه لا يملكه أصلاً: "هو لا يعطي الموظفين رقمه الخاص، وحتى رقمه الداخلي لا نعرفه". وعلى مدى اسبوع كامل امتد من 12/6/2016 وحتى 21/6/2016، حاولنا الاتصال بجبيلي مراراً من دون جدوى. فمرة يأتي الجواب بأنه غير موجود، ومرة أخرى بأن خطه مشغول، وفي أحسن الأحوال أخذت سكرتيرة مكتبه رقمنا ووعدتنا بمعاودة الإتصال لاحقاً، و"هذا وجه الضيف". حتى أن عامل الهاتف أخبرنا عندما طلبنا رقمه الداخليّ بأنه لا يعرفه، وأنه يقوم بالتحويل إليه تلقائياً بلا طلب رقم.
 
هدوءٌ في دايلي ستار، ويأسٌ في النهار:
 
ليس بعيداً عن "المستقبل"، بدأ منذ فترة الحديث عن وصول الأزمة المالية إلى صحيفة "دايلي ستار" التي تصدر باللغة الإنكليزية. الموظفون فيها لا يتقاضون رواتبهم بشكلٍ منتظم منذ قرابة العشرة أشهر، وقد أوجز لنا أحد الصحافيين العاملين فيها واقع الحال بالقول: "لم تصل الأزمة بالجريدة بعد حدّ طرد الموظفين، فعدد العاملين في جريدتنا لا يتعدى 32 شخصاً، والإدارة لدينا تتعامل بشكل جيد مع الموظفين. إلا أننا لا نقبض رواتبنا بشكل منتظم، وهذا ما يخلق حالة تململ بين الصحافيين. ومع ذلك، فإن الإدارة تقابلنا بالصبر لأنها تعرف أننا نشعر بالضيق من الوضع". ولفت إلى أن الإدارة، في كلّ فترة، تدفع للموظف راتب شهرٍ أو شهرين، "ويكون له في ذمتها نحو ستة أشهر أو أكثر". ولكن لا مجال لدفع المزيد. صحيح أنهم لا يطردون أحداً، إلا أن الناس لديهم إلتزامات مادية تدفع بكل من يجد الفرصة في مكان آخر إلى ترك العمل".
كذلك هي الحال في الزميلة "النهار". تقول الصحافية التي تركت "النهار" منذ بضعة أشهر بعدما بقيت لستة أشهر تعمل من دون راتب: "ليس من السهل على شخص يعمل في جريدة عريقة كالنهار أن يقرّر بسهولة تركها، ولكن الأزمة المالية باتت فوق قدرتنا على الإحتمال". وفي ما يخصّ مصير المتأخر من الرواتب، أكّدت: "عندما قرّرت ترك العمل، أعطوني كامل مستحقاتي من دون أي إنتقاص". الصحافيّة التي لم تودّ ذكر اسمها أكدت أن بإمكانها الحديث باسم من تركوا ومن لا يزالون يعملون في الجريدة، وقالت: "ما حدا منو مخنوق. الكثيرون باتوا على اللائحة السوداء في المصارف. وهناك أشخاص يعجزون عن دفع أقساط مدارس أولادهم، حتى أن أحد زملائنا تعطّلت سيارته مرة، ولم يكن بمقدوره إصلاحها".
تابعت: "نحن لا نعرف السبب الحقيقي للأزمة. لكن، فجأة، بتنا نواجه مشكلة في الرواتب، وبات ممنوعاً علينا الاجتماع للحديث في هذا الموضوع. كانت الإدارة تعدنا بأن الحلّ بات قريباً، ولكننا لا نلمس ذلك". وأردفت قائلة: نحن نعلم أن الإدارة لا تستغني عن موظّفيها بسهولة، ولكن الوضع في الفترة الأخيرة بات غير محمول بالنسبة لمن لديه إلتزامات مالية".
 
 
أزمة صحافة أم أزمة بلد؟
في حديث مع "المفكّرة القانونيّة"، حاول مدير التحرير في جريدة "النهار" غسان حجّار توصيف أسباب الأزمة التي تضرب الوسائل الإعلامية بشكلٍ عام، وسبل الخروج منها بأقل أضرار ممكنة، وبما يحمي هذه الوسائل من الإقفال ويحفظ حق العاملين فيها. عزا حجّار الأزمة التي تضرب وسائل الإعلام في لبنان إلى تراجع الوضع الإقتصاديّ، ما انعكس تراجعاً في الإعلانات التي تشكّل مصدر الدخل الرئيسيّ لمعظم الجرائد والتلفزيونات: "منذ العام 2011، تراجعت الإعلانات بنسبة تقارب الـ 60 في المئة، في حين أن المصاريف اتجهت إلى إرتفاع. هذا هو السبب الحقيقي والأساس لهذه الأزمة".
ورفض حجّار اعتبار حجب "المال السياسي" سبباً أساسياً وراء الأزمة في "النهار"، معتبراً أن هذا المال يُعطى "حجماً أكبر مما هو". وقال: "المال السياسيّ ممكن أن يخدم الجريدة لشهر أو شهرين/ ولكن ماذا بعد ذلك؟ المداخيل الثابتة هي التي تتحصّل الصحف عليها من الإعلانات وهي التي تعود بالربح على الجريدة".
أما تراجع الإعلانات فأعاده الى أسباب عدة، منها "الثورات العربية والفوضى الحاصلة في الدول التي لحقت بالإعلام الإقليمي"، معتبراً أن "اليوم، عندما نرى في دول الخليج تراجع الإعلانات بنسبة 20 و30 في المئة، فليس من الغريب ان تتراجع في لبنان. ناهيك عن غياب السواح عن لبنان، لا خليجي ولا أجنبي، فمن أين ستأتي الإعلانات؟". وأعطى مثالاً فندق "فينيسيا"، وقال: "إذا كان أهم الأوتيلات في لبنان يعاني من العجز، فكيف سأطالبه بإعلانات؟".
وأكد حجّار أن "جميع المؤسسات الإعلامية في لبنان عاجزة اليوم. وهذه الأزمة لا يمكن فصلها عن الأزمة التي يمرّ بها البلد. اليوم، هناك قطاع مهدد بأكمله، والمشكلة أن العلاج يكون في أغلب الأحيان بتخفيف المصاريف حتى نتمكن من الصمود".
وعن الحلول التي تعتمدها "النهار" في محاولة الصمود، قال: "المشكلة لم تتفاقم اليوم بل بدأت منذ نحو الأربع إلى خمس سنوات، وقد تراجعت المداخيل، ما اضطرنا أحياناً إلى رفع الرأسمال، وأحياناً أخرى الى الاستدانة، حتى لا نقع في هذه الأزمة وأملاً بالتعويض في السنوات المقبلة. نحن حتى لا نتجه نحو صرف الموظفين. بدأنا اولاً بالتخفيف من الطباعة والورق، فكنا نصدر 28 صفحة، صرنا نصدر 16 صفحة". ولا ينفي أن إستمرار الوضع على هذا النحو سيؤدي حكماً إلى الوصول إلى "صرف موظفين على قاعدة مكره أخاك لا بطل".
وبالسؤال عن الحل للأزمة بشكل عام، أجاب: "الحلّ يكمن بانتخاب رئيس للجمهورية، وتحسين الوضع الإقتصادي في البلد، وعودة السياح والمغتربين. فعندما يرتاح البلد نوعاً ما، تنتشر الإعلانات. ولكن عند وقوع أيّ تفجير أو خضة في البلد، تلغى الإعلانات". ورأى حجّار أن المنافسة ما عادت تفيد المهنة: "الإعلام اللبناني لن يكون كما السابق لأن كل شيء تغير، فقد أصبح هناك العديد من المؤسسات الإعلامية، والمنافسة بينها شديدة، فيما سوق الاعلانات لا يتحمل ذلك كله"
وختم، رامياً عتبه الحاد على المواقع الإلكترونية التي يبدو أنها ستتلقى جزءاً من مسؤولية أزمة المؤسسات الصحافية في لبنان: "لو كان هناك قانون في لبنان، لكانت معظم هذه المواقع الالكترونية قد أغلقت. فالبعض منها يفتح صباحاً، ويقوم بسرقة مقالات لأشخاص ندفع نحن رواتبهم لكتابتها، فيما هم يكتفون بالقصّ واللزق لوضعها لديهم. لو كان هناك قانون حقيقي في هذا البلد لأجبرت هذه المواقع على أن تدفع النقود بدل ذلك، أو لكان من واجبها توظيف كتّاب تدفع لهم، ولكان مصير معظم هذه المواقع الإغلاق. ولكن في ظل الفوضى العارمة، فإن كلّ واحد يجب أن يتكيف مع السوق ويأمل بتحسّن الوضع الإقتصادي".
 

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة المفكرة القانونية.