شهد العالم خلال آخر عشر سنوات أضخم عمليّتين لكشف الفساد، تولاهما كلّ من جوليان أسّانج، أحد مؤسسي موقع "ويكيليكس"، وإدوارد سنودن، مفجّر فضيحة "بريسم".
 
جوليان أسّانج
 
بدأ جوليان أسّانج حياته المهنية مطلع التسعينيات، حيث عمل كمبرمجٍ في إحدى شركات الاتصالات في ملبورن – أستراليا. أسّس موقع "ويكيليكس" مع مجموعة من أصدقائه في العام 2006، وهي منظّمة دولية غير ربحيّة تنشر تقارير وسائل الإعلام الخاصّة والسريّة من مصادر صحافيّة وتسريبات إخباريّة مجهولة. اعتبر أسّانج في مدونته الخاصة أن "المؤسّسات الأكثر سرية أو جوراً هي تلك التي تقلق التسريبات قيادتها وصنّاع قرارها. وبما أن الأنظمة الجائرة تغري بطبيعتها الخصوم، وبما أن لديها اليد العليا في أمور كثيرة، فإن التسريبات تتركها مكشوفة أمام أولئك الباحثين عن أشكالٍ للحكم تتميّز بالانفتاح".
نجح أسّانجفي نيل إهتمام الاعلام وتصدّر عناوين الصحف في نيسان 2010 بعدما نشر الموقع فيديو يظهر قصف بغداد في 12 تموز 2007. حينها، قامت طائرة "أباتشي" أميركية بمهاجمة مدنيين، وقتلت 11 شخصاً من بينهم طفلان وموظفان في شبكة "رويترز" هما نمر نورالدين وسعيد شماغ. ثمّ أتبعه في تموز بنشر فيديو حول الضربة الجوية على غراناي في أفغانستان. بعدها، سرب في تشرين الأول من العام ذاته 500 ألف وثيقة سرية عن حربي العراق وأفغانستان، ثم 250 ألف وثيقة من المراسلات الدبلوماسية الأميركية السرية في تشرين الثاني 2010.
وتناولت الوثائق المسربة لاحقاً دفن نفايات سامّة على سواحل بعض الدول الأفريقية، والإجراءات المتبعة في معتقل غوانتانامو، وأخرى تتعلق بحوادث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة. تمكّن الموقع من نشر حوالي 10 ملايين وثيقة بين الـ 2006 والـ 2015، ووصفه أسّانجبأنه "مكتبة ضخمة تضمّ الوثائق الأكثر تعرضاً للاضطهاد في العالم".
وتقديراً لجهوده، فاز أسّانجبجائزة "منظمة العفو الدولية" في العام 2009 لفضحه عمليات إغتيال لقضاة في كينيا. كما منح جائزة "سام آدمز" في العام 2010، بالإضافة إلى اختياره شخصية العام من قبل كلّ من "لوموند" الفرنسية و"التايمز" البريطانية، وغيرها من الجوائز.
تبيّن لاحقاً أن أسّانج حصل على هذه الوثائق بمساعدة الجندي في القوات البرية الأميركية تشيلسي (برادلي) مانينغ. وكان هذا الأخير قد تمكن من جمع هذه المواد بعدما ألحق في العام 2009 بوحدة عسكرية بالقرب من بغداد، ما سمح له بالاطلاع على قواعد بيانات تستخدمها الحكومة الأميركية لتخزين المعلومات السرية. ألقي القبض على مانينغ في أيار 2010 وحكم عليه بالسجن 35 عاماً مع تسريح غير مشرف بعدما أدين بعدة جرائم وفقاً لقانون التجسس الأميركي.

هددت الولايات المتحدة بملاحقة جوليان أسّانج رداً على نشر موقع "ويكيليكس" مذكرات دبلوماسية أميركية سرية أثارت حرجاً للولايات المتحدة والعديد من الدول.وأدرجته الشرطة الدولية "الإنتربول" على لائحة "أكثر المطلوبين" لدى منظمة الشرطة الدولية، بناء على طلب من محكمة ستوكهولم الجنائية التي أصدرت مذكرة اعتقال دولية بحق أسّانج بعد اتهامه باغتصاب سيدة في أثناء زيارته للسويد.
اعتقل أسّانج في بريطانيا في 7 كانون الأول 2010 بموجب مذكرة توقيف دولية صادرة عن القضاء السويدي بتهمة اغتصاب وتحرّش جنسي.وحكم القضاء البريطاني بتسليمه إلى السويد في شباط 2012.
عندها، قرر أسّانج، الذي أنكر التهم واعتبرها مؤامرة تهدف إلى الاقتصاص منه، طلب اللجوء السياسي في 19 حزيران 2012 إلى سفارة الإكوادور في لندن. فوافقت الاكوادور بناء على ما أورده في طلبه عن الأخطار التي قد يتعرض لها في حال تسليمه إلى السويد.
في 5 شباط 2016، مجموعة العمل على الإعتقال التعسفي في الأمم المتحدة قرّرت أن أسّانج تعرّض للإعتقال التعسفيّ من قبل حكومتي المملكة المتّحدة والسويد منذ 7 كانون الأول 2010. بحسب مجموعة اعمل، يجب إعادة لأسّانج حريّته، إلا أن احكومتين رفضتا الحكم. أسّانج مازال يحيا في سفارة الإكوادور في بريطانيا.
 
إدوارد سنودن
 
عمل إدوارد سنودن كمبرمج في قسم الأمن الالكتروني في وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA)بين الـ 2006 والـ 2009. وكشف أنه شهد ممارسات خلال تلك الفترة دفعته الى التساؤل حول "صوابية ما يفعله" في هذه المؤسسة. انضمّ ليعمل مع متعاقد من القطاع الخاص Booz Allen Hamilton، المتعاون مع وكالة الأمن القومي (NSA)عام 2009، وبقي هناك لغاية أيار 2013 حين تقدّم بطلب إجازة من عمله بحجة أنه بحاجةٍ لعلاجٍ من مرض الصرع.

كان سنودن في هذا الوقت قد سرّب الوثائق السرية التي تمّكن من جمعها خلال عمله مع الوكالتين الى كلّ من غلين غرينوالد، الصحافي في جريدة "الغارديان" البريطانية، بارتون غلمان من صحيفة "واشنطن بوست" الاميركية، ومخرجة الأفلام الوثائقية لورا بويتراس. نشرت الصحيفتان الدفعة الأولى من هذه الوثائق في حزيران 2013، وعلق سنودن يومها: "كل ما يمكنني قوله الآن هو أن الحكومة الأميركية لن تكون قادرة على تغطية هذا الأمر بسجني أو قتلي. الحقيقة آتية، ولا يمكن وقفها". وكان سنودن قد هرب في أيار إلى هونغ كونغ، ومن ثمّ إلى موسكو التي منحته حق اللجوء لمدة ثلاث سنوات بعدما وّجه القضاء الأميركي إليه تهمة "التجسس وسرقة ممتلكات حكومية".
تحدثت الوثائق عن قيام الـ NSAبجمع حوالي مئتي مليون رسالة نصية يومياً، في ما يعدّ مسحاً استخباراتياً على المستوى العالمي. وكشفت "الغارديان" أن الوكالة تستخدم هذه المعطيات لاستخراج معلومات عن مكان وجود الأشخاص، وشبكة معارفهم، ومعطيات البطاقات المصرفية الخاصة بهم. حملت الفضيحة اسم "بريسم"، وهو الإسم الرمزي لبرنامج مراقبة سرّي تديره الـNSAوأقرت بوجوده الإدارة الأميركية وأدانت الكشف عنه، في حين أنكرت كافة شركات الإنترنت الكبرى صلتها به. يؤمّن هذا المشروع وصولاً مباشراً الى الخوادم المركزية لمواقع "غوغل" و"فايسبوك" و"أبل" و"ياهو" و"سكايب" و"يوتيوب" و"مايكروسوفت"، لإستخراج رسائل البريد الإلكتروني ومكالمات صوتية ومقاطع فيديو وصور واتصالات أخرى لعملاء تلك الشركات، من دون الحاجة إلى أمر قضائي. أسّس هذا المشروع عام 2007 خلال عهد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، واعتمدت عليه إدارة الرئيس باراك أوباما بشكلٍ أساسيّ في تقديمها تقارير المخابرات اليومية للرئيس. وقد أقرّ أوباما بوجود هذا البرنامج، واعتبره جزءاً من آلية "مكافحة الإرهاب"، إلا أنه أكّد أن جمع البيانات الهاتفية من جانب السلطات الأمنية لا يتضمن أسماء ولا مضامين المكالمات، وأن رقابة مواقع الإنترنت لا تسري على المواطنين الأميركيين أو من يعيشون في الولايات المتحدة الأميركية.
أدّى نشر هذه الوثائق الى نشوب أزمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة والعديد من دول العالم، بعدما كشفت صحيفة "دير شبيغل" الألمانية التي تولّت نشر قسم من الوثائق، أن الوكالة تتنصت على 122 شخصاً على الأقل من زعماء العالم، بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
وقرّر غرينوالد،بعد تقديم استقالته من "الغارديان"، إطلاق مجلة الكترونية “The Intercept”في شباط 2014، بالتعاون مع صاحب موقع Ebay بيارأوميديار، هدفها التأسيس لـ "صحافة خصومة لا تعرف الخوف"، تشكّل مساحة معلومات مختلفة عن الإعلام التجاري.

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة المفكرة القانونية.