بتاريخ 27-5-2016، عقد "المركز الكاثوليكي للإعلام" ندوة تحت عنوان الشذوذ الجنسي، بحضور رجال دين وطبيب نفساني وقاض عُرّف عنه أنه يمثل رئيس مجلس القضاء الأعلى، ما نفته أمانة سر المجلس لـ"المفكرة". وبدا واضحاً أن هذه الندوة انعقدت على عجل كردّ فعل على التطوّر الإيجابي الحاصل على صعيد الطبّ النفسيّ والقضاء في السنوات الأخيرة، وآخرها حكم رائد صدر عن القاضي المنفرد في جديدة هشام القنطار صدر في 5-5-2016. فتم دعوة طبيب نفسي وقاض في مسعى لنسف هذا التطور الإيجابي أو كبحه. وعنوان الندوة خير دليل على ذلك. ما يهمّنا هنا هو موقف القاضي والذي سنتناوله حصراً من زاوية مدى انسجامه مع شرعة أخلاقيات القضاء، وتحديداً مع بنودها المتّصلة بوجوب احترام مبدأ المساواة بين المتقاضين والإمتناع عن أي آراء مسبقة. وبالطبع، الهدف من هذا التعليق هو تعميق التفكير بالأخلاقيات القضائية من دون أيّ انتقاص من قدر القاضي المحاضر.

فقد نُقل عن القاضي المحاضر على صفحة "المركز" وفي موقع "الوكالة الوطنية" أنّه صرح في سياق شرحه لمفهوم "خلاف الطبيعة" الوارد في المادة 534 من قانون عقوبات: "هنا نعود لساعة الخلق، وقد خلق الله الحياة بكلّ فئات كائنيها ذكرا وأنثى، وأشرك خليقته بالخلق من خلال التنامي والتكاثر، فهذا كان قصد الله الأساسي من خلقه الأعضاء التناسلية. فكلّ ما لا يشبه هذه الطبيعة (علاقة بين رجل وامرأة) في الفعل الجنسي يأتي خارجا عن الطبيعة. وكما أن الله ثابت لا يتبدل في خلقه ومقاصده، هكذا الطبيعة لا تتغيّر من زمن لآخر بحسب تبدّل الأهواء. فيكون فعل المجامعة الواقع خلافاً للطبيعة بين مثليين مجرّما." كما نقل عنه: "نحن كقضاة علينا حماية المجتمع من خلال إحقاق الحق في تطبيق القوانين المرعية الإجراء. فعندما تُطرح علينا قضية من هذا النوع يقتضي بالقاضي المنفرد الجزائي المختصّ تجريم فعل المجامعة المثلية وتطبيق العقوبة بحسب كلّ حالة وظروفها الموضوعية، الشخصية والإنسانية." وقد بدا بذلك القاضي المحاضر وكأنه يعمد إلى جبه توجهات أحكام قضائية (2009-2014-2016) إلى شرح مفهوم "خلاف الطبيعة" على نحو يخرج المثلية منه. وإشكالية هذا الموقف لا تتأتى عن اختلافه مع هذا التوجه (وهذا حقه ويدخل ضمن حريته في التعبير) ولكن عن الأسناد التي ارتكز إليها وهي أسناد دينية ما ورائية تستعيد الآراء المسبقة الأكثر رواجاً وتحديداً قصة التكوين واللقاء بين آدم وحواء. وما يزيد الأمر قابلية للإنتقاد هو مؤداه المتمثل في إدانة شريحة واسعة من المواطنين ووضعهم موضع الخارجين عن القانون. وعليه، بدا القاضي المحاضر وكأنه يدحض الحجج القانونية والإجتماعية التي أوردتها الأحكام الثلاثة والقابلة بطبيعتها للنقاش ليس بحجج من النوع نفسه، إنما بحجج ما ورائية هي بطبيعتها غير قابلة لأي نقاش. فهي لا تحدد فقط ماهية الطبيعة، لكن تجعلها غير قابلة للتغيير تماماً كما أن الله غير قابل للتغيير.

وتعليقاً على هذا المنطق، نكتفي بالتذكير ببعض ما جاء في شرعة أخلاقيات القضاة المنشورة في 2005: "التجرّد حالة ذهنية تعكس الصفاء النفسي لدى القاضي وتنم عن استعداده لممارسة وظيفته مجتنبا الأفكار المسبقة"، "لا عدالة حيث ينطلق القاضي من الأفكار المسبقة قبل تحليل الواقع وتمحيص القانون"، "يتجلى مبدأ المساواة عندما يدرك القاضي أن مجتمعه يضمّ أفراداً وجماعات يفرق بينهم الدين أو المذهب أو العرق أو اللون أو الجنسية أو العمر أو الحالة المدنية أو القدرات الجسدية والنفسية أو منازع أخرى شتى، ... فيمتنع لدى ممارسة وظائفه القضائية سواء عن طريق الكلام أو التصرف أو القرار، عن الانحياز إلى هذا دون ذاك منهم". ومن هذه الزاوية، وفيما يسجّل للقضاة الذين حاولوا تفسير مفهوم "المخالف للطبيعة" على ضوء التطور الاجتماعي وتطور منظومة حقوق الإنسان سعيهم إلى تجاوز الآراء الاجتماعية المسبقة، يؤخذ على القاضي المحاضر تماهيه مع هذه الآراء، مع ما يستتبع ذلك من تيئيس لشريحة اجتماعية واسعة من عدل القضاء.

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة المفكرة القانونية.