نبيل الحلبي، محامٍ ورئيس منظمة حقوقية اسمها "لايف" تجهد في توثيق الانتهاكات، وبالأخصّ الإنتهاكات المرتكبة بحقّ الإسلاميين واللاجئين السوريين. و"لايف" كانت الأولى في كشف حصول أعمال تعذيب في سجن روميه سنة 2015. وإذ كذّبها بادئ الأمر وزير الداخلية نهاد المشنوق، فقد جاء تسريب فيديو مصوّر لمشاهد تعذيب هنالك في حزيران 2015 ليؤكّد صحّة أقوالها. وقد دأب الحلبي على توجيه إنتقادات لاذعة للمشنوق ولفريق عمله في غير مناسبة، آخرها اتّصل بانتقادات نشرها على صفحة "فايسبوك" لمّح فيها إلى احتمال تورّط مسؤولين في وزارة الداخلية في قضايا الإتجار بالبشر (شبكات الدعارة)، وهم المسؤولين الذين تمكنوا من جني ثروة طائلة خلال فترة وجيزة. وقد حصل ذلك تبعاً لتوقيف شبكة "شي موريس" التي تبيّن أن استمرارها لسنواتٍ ما كان ممكناً لولا تواطؤ أجهزة أمنيّة عدّة. كذلك، الحلبي هو ناشطٌ سياسيّ أيضاً، مقرّب من الوزير أشرف ريفي، وقد تعاون مؤخراً مع أجهزة أمنية لبنانية عدّة للتفاوض مع خاطفي الجنود اللبنانيين.

رغم كلّ هذه المواصفات التي تجعل الحلبي رجلاً قوياً وفق المعايير اللبنانية، فقد تعرّض تبعاً للدعويين اللتين تقدم بهما وزير الداخلية ومستشاره ماهر أبو الخدود في نيسان 2016 لضغوطٍ أمنيّة وقضائيّة، وصلت حدّ مداهمة منزله واحتجازه لأيام ثلاثة. كما أنه صرّح أنه تم تهديده بفتح ملفات أخرى ستؤدي إلى تمديد احتجازه إلى أجلٍ غير محدّد، ما لم يوقّع على الورقة التي عرضها عليه أعوان وزير الداخلية والتي تضمّنت تعهّداً واعتذاراً وتأكيداً على أحقية الوزير ومستشاره بالإحترام والتقدير. إن تفاصيل هذه القضية تجعلها مادة نموذجية للدرس بشأن كيفية استعمال المنظومة العقابية في قمع الأشخاص "المعتدين" (ولو بالكلمة) على أصحاب النفوذ. فما ينطبق على الحلبي "القوي" نسبيّا والمختصّ في توثيق الإنتهاكات ينطبق من باب أوْلى على الغالبية الكبرى من المواطنين الذين هم حكماً أقلّ معرفة وقدرة على المواجهة. وقبل المضي في عرض تفاصيل هذه القضية، من البيّن أنها تأسّست واستمدّت نهاياتها "القمعية" من قوة الوزير المشنوق ونفوذه. لا بل لا نبالغ إذا قلنا أن هذه القضية شكّلت بما فيها من مخالفات، استعراضاً لما وصل إليه نفوذ هذا الأخير، وفي الوقت نفسه تطويباً لزعامته.

وبينما تشكّل المنظومة العقابيّة عموماً أداةً لفرض سلطة الدولة وقمع الخارجين عن قوانينها، تكشف هذه القضية مرّة أخرى أن هذه المنظومة تُستخدم في لبنان، الدولة المنقسمة والضعيفة، بالدرجة الأولى لإجراء فرز اجتماعي بين المتقاضين وفق قوّتهم، وصولاً إلى تكريس سلطة زعامات ناشئة من خلال قمع الخارجين عن طاعتهم. ففي حالاتٍ كهذه، تُحدّد جديّة أجهزة الملاحقة وحماستها وكيفية تقدير عناصر الجرم ووسائل الإثبات على ضوء قوّة الأطراف المتخاصمة. ومؤدّى ذلك تالياً ليس التذكير بالقاعدة العامّة وفرضها، إنما إرساء تطبيقات إنتقائية وتمييزية لقوانين العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية، وبشكل أعمّ لمجمل التنظيمات المتصلة بالملاحقة، وتالياً التذكير بموازين القوة وتحديدها عند الإقتضاء. وهذا ما سنحاول تبيانه أدناه.
 
 
رفع حصانة المحامي: إنتقائية في التطبيق
الفعل الأول في القضية تمثّل في السعي إلى رفع حصانة المحامي. فقانون تنظيم مهنة المحاماة لا يجيز ملاحقة محامٍ في جرم متّصل بمهنته إلا بإذن من مجلس النقابة التي ينتمي إليها. وقد نصّ القانون على أن مجلس النقابة وحده يقدّر مدى اتّصال الفعل موضوع الملاحقة بممارسة مهنة المحاماة. وفيما تذرّع الحلبي بأن مهنة المحاماة لا تقتصر على عمله في المحاكم إنما تشمل نشاطه العامّ في الدفاع عن الحقوق والحريات عملا بالمادة 2 من نظام مهنة  المحاماة، سارع مجلس النقابة ضمن ثلاثة أيام من استلام الطلب إلى القول بأن الأفعال المذكورة لا تتّصل بمهنة المحاماة. وفتحت النقابة بذلك المجال أمام ملاحقة الحلبي. وقد عادت واتخذت قراراً مماثلاً بشأن الشكوى التي تقدّم بها أبو الخدود، مستشار الوزير المشنوق. وبينما تكييف الأفعال على هذا الوجه مقبولٌ من الوجهة النظرية بهدف تضييق مجال الحصانة، يبقى موقف المجلس في هذا الشأن لافتاً من حيث سرعته. كما تبدو تطبيقات المجلس لصلاحياته في هذه المسألة جدّ إنتقائية على ضوء مواقفه السابقة واللاحقة في قضايا أخرى. ونكتفي هنا بالتذكير بقضيتين حظيتا باهتمام الرأي العام: في الأولى، تأخّر نقابة المحامين في تقدير ما إذا كان اعتداء محامٍ (رئيس بلدية) على زوجته يشكّل أمراً متصلاً بمهنة المحاماة. وقد استغرق النظر في المسألة آنذاك أكثر من ..... رغم المتابعة الإعلامية المكثفة. وفي الثانية، تمسّك المجلس باعتبار محاولة صرف نفوذ فاقعة بالصوت والصورة من جانب محامييْن بأنّها عملٌ يتصل بمهنة المحاماة، لينتهي المجلس إلى حجب إذن الملاحقة. وقد برّر المجلس آنذاك قراره بشكلٍ خاطئ تماماً. فبعدما تساءل: "كيف يمكن الكلام عن هذه الجرائم (صرف النفوذ) إذا كان يقوم بها طرف واحد لا سلطة لديه؟"، انتهى إلى القول بأن "الجرائم المنسوبة إليهما (صرف نفوذ) لا تنطبق على محام". وقد فات المجلس على ما يبدو في تلك القضية أن قانون العقوبات نصّ على حالةٍ واحدة تشدّد فيها عقوبة صرف النفوذ، وهي حالة إقترافه من قبل محامٍ "بحجة الوصول على عطف قاض في قضية".

وهذه الإنتقائية في التعامل مع ملفات رفع الحصانة إنما تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول المعيار الحاسم في تقدير مدى اتصال الفعل بممارسة المهنة، وفيما إذا كان متصلاً بنفوذ المحامي كما هي حال رئيس البلدية المعتدي على زوجته أو المحامييْن المتورطين في "السمسرة القضائية"، أو نفوذ الجهة التي تلاحقه كما هي حال الحلبي. وقد شكّل تالياً تجريد الحلبي من الحصانة بسرعةٍ موصوفةٍ المؤشر الأول على مدى نفوذ الجهة المدعية.
أما المؤشر الأقوى على هذا النفوذ فقد برز في التزام النقابة الصمت طوال أيامٍ إزاء مداهمة منزل الحلبي واحتجازه في صورة مخالفة للأصول. فرغم دعوة "المفكرة القانونية" النقابة إلى وجوب إتخاذ موقفٍ فوريّ، اكتفت النقابة في بداية الأمر بإيفاد ممثلٍ عنها لحضور استجواب الحلبي، ممتنعةً عن أيّ تصريحٍ أو موقفٍ علنيّ. وكان لافتاً أن النقابة لم تصدر بيانها المندّد بعملية المداهمة وما شابها من تصرفات "مخالفة للأصول"، إلا بعد يومٍ من رضوخ الحلبي لشروط المشنوق، أيّ بعدما حقق سيف العدل مبتغاه. وإذ طالبت النقابة النيابة العامة بإجراء تحقيقات بهذا الشأن، لم يسجّل حتى الآن أيّ عمل في هذا السياق.
 
 
الإلتفاف حول ضمانات القانون:
التساهل إزاء الإفتراء
الحصانة الثانية التي توجّب إسقاطها لتفعيل المنظومة العقابيّة، هي بعض الضمانات القانونية المكرّسة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، وتحديداً قاعدة عدم جواز إحتجاز المشتبه بهم في الجرائم التي لا تتجاوز عقوبتها القصوى سنة سجن، وهي حالة جرم القدح والذم المدعى به بحق الوزير ومستشار الوزير. لكن، تشهد قصور العدل منذ فترة إجتهاداً "عبقرياً" (!) تبنّاه عددٌ من أصحاب النفوذ ومحاميّهم لتجاوز هذه الضمانة. ويتمثّل هذا الاجتهاد بإضافة جرائم أخرى تتجاوز عقوبتها السنة سجن إلى لائحة الجرائم المدعى بها. ولا بأس هنا من فبركة عناصر هذه الجرائم كيفما تيسّر، طالما أنّ لموكلي هؤلاء المدّعين كلمةٌ مسموعةٌ لدى قضاة في النيابات العامة والتحقيق، مهما كانت دعائم الإدعاء بها واهية. وعليه، أضيف في شكوى القدح والذمّ ضد الحلبي جرم التهديد بالقتل الذي تصل عقوبته إلى ثلاث سنوات. وقد استمدّ مستشار الوزير عناصر هذا الجرم المدّعى به من تعليق أرسله مواطن سوريّ على صفحة الحلبيّ، مفاده أنّ السوريّين لن يغفروا لمن أتجر بنسائهم.
وبدا ذلك كافياً لتمكين النيابة العامة من إحالة الحلبي موقوفاً إلى قاضي التحقيق الأول، ولتمكين هذا الأخير من إطالة أمد توقيف الحلبي كما نبيّن أدناه. وبالطبع، هذه الحيلة تشكل شرطاً ضرورياً لإعادة تلميع القوة الرادعة للمنظومة العقابية، وهي إمكانية التوقيف الإحتياطي. فوضع اليد على الجسد يبقى بداهةً الوسيلة الأكثر ضغطاً على المدعى عليه، لإرغامه على الرضوخ لمطالب المدعي بسرعة ومن دون الحاجة لمواصلة المحاكمة. وبالطبع، لا مجال لممارسة هذا الضغط من دون إنخراط النيابات العامة وقاضي التحقيق في إعتماد المحاباة في تفسير الوقائع لصالح المدعين أصحاب النفوذ.
 
 
النيابة العامة: الإمتياز في الملاحقة والإدعاء
إجراءات النيابة العامة أو الحاصلة بإشارة منها أو بتغطية منها هي الأخرى تميّزت في هذه القضية بقسوةٍ وصرامةٍ وعجلةٍ قلّ نظيرها، وبانحيازٍ في ممارسة حقّ الإدعاء العامّ. وقد أظهر ذلك بوضوح أنّ ثمّة أصولاً مميّزة في التعاطي مع الملفات الشخصيّة لوزير الداخلية وأعوانه. وقد تمثّل ذلك في الإشارة المعطاة بمداهمة حرمة منزل محامٍ وسوقه مقيّداً ومخفوراً، في قضية قدح وذمّ، مع ما يضفيه ذلك من أجواء ترهيبية على حرية التعبير والنقد. فما حصل للحلبي يمكن أن يحصل لكلّ من يتجرأ على توجيه انتقادات جارحة لإدارة وزير الداخلية. ويُذكر أن الوزير أعلن قبل أيام من إدعائه على الحلبي نيّته بمباشرة إجراءات قضائية بحق من يجرّح به (بيان 5-4-2016)، طالباً من النيابة العامة التمييزية اعتبار بيانه ذاك بمثابة إخبار.
ويجدر هنا التذكير بأمرين: أولاً، أن جهاز النيابة العامة يبقى أكثر الأجهزة القضائية قابليّة للاستتباع بفعل التسلسلية والهرمية. فالنواب العامّون ليسوا مستقلّين، إنما يخضعون كلهم لأوامر النيابة العامة التمييزية التي تشكل الحلقة القضائية الأكثر تواصلاً مع الجهات السياسية. وثانياً، أن ما يعزّز قدرة هذه الأخيرة في خدمة النظام السياسيّ، هو اعتياد أصحاب النّفوذ اللجوء إليها مباشرةً مهما قلّ شأن قضاياهم، ومنها قضايا القدح والذمّ، وقبولها تولّي التّحقيق في هذه القضايا. في المقابل، يتعين على الأشخاص العاديين عموماً تقديم دعاويهم إلى النيابات العامة الإستئنافية. وعليه، بدا أن معيار تدخلها المباشر في التحقيق في القضايا ليس مدى خطورة الجرم إنما بالدرجة الأولى مدى نفوذ الجهة المدعية. ما يجعل النيابة العامة التمييزية أشبه بنيابة عامة امتيازية، يزداد التزامها في خدمة القضايا المعروضة عليها بقدر ما يزيد نفوذ الجهة الشاكيّة. وهذا ما يؤشر إليه بيان "الداخلية" في 5-4-2016 بدعوتها للتحرك في كلّ ما يمسّ بـ"الداخلية" من اتهامات. 
ولم تقف حماسة النيابة العامة عند هذا الحدّ. فبنتيجة التحقيقات، ادّعت النيابة العامة الإستئنافية في بيروت على الحلبي ليس فقط بجرم القدح والذمّ إنما أيضا بالجرم الثاني المشكو منه، وهو التهديد، رغم هزالة الإدعاء به. ومؤدى توسيع الإدعاء على هذا الوجه هو، كما سبق بيانه، تجاوز موانع التوقيف الإحتياطي وتالياً وضع اليد على الجسد.
 
 
قاضي التحقيق: الإقراج مقابل الإذعان
بخلاف النيابة العامة، يفترض بقاضي التحقيق أن يكون مستقلاً. لكن هنا أيضا تكشف تفاصيل الدعوى اعتماد أساليب امتيازية لصالح الوزير المدّعي. فخلال أيام احتجازه الثلاثة، يفيد الحلبي لـ"المرصد المدني لاستقلالية القضاء وشفافيته" أن أعواناً لوزير الداخلية كانوا يفاوضونه في زنزانته على حريته. وقد تمحورت مطالبهم، بحسب الحلبي، حول توقيع ورقة إذعان تعكس مطالب الوزير، تحت طائلة فتح ملف آخر قد يؤدي إلى إطالة أمد احتجازه إلى أجل غير محدد، على خلفية اتصالاته بجهات مصنّفة إرهابية. وقد تضمّنت هذه الورقة، وهي بعنوان "إقرار وتعهد وتوضيح"، والتي انتهى الحلبي إلى توقيعها من دون شرط، الأمور الآتية:
  • تعهداً بالإمتناع عن إصدار أي افتراءات شخصية بحقّ "معالي الوزير" ومستشاره أبو الخدود وعدم التعرّض لهما مجدّدا، فضلاً عن توضيح بأنهما لم يقصدهما من قريب أو بعيد في تعليقاته المتصلة بشبكات الإتجار بالبشر،
  • إقراراً بأن كلّ ما صدر عنه بحق "معالي الوزير" ومستشاره هي نتيجة معلومات مغلوطة وردت إليه وتم توضيحها وهو يتراجع عنها، ويتعهد بسحب ما نشر عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي فوراً، ولم تكتف الورقة بهذا القدر. بل تم تضمينها أيضاً تأكيداً على أن الحلبي يكنّ للوزير ومستشاره الاحترام والتقدير، علماً أن الورقة أوردت كلمة "معالي" للدلالة على وزير الداخلية أربع مرات في أقلّ من عشرة أسطر.
وبمعزل عن مدى صحة هذه التهديدات أو فحواها، فمن البيّن أن قاضي التحقيق بدا منسجماً مع ضغوط وزير الداخلية بل جزءاً مكوناً لها: ففيما أبقى الحلبي موقوفاً رغم وهن أسناد جرم التهديد، فإن قرار إخلاء سبيله لم يتّخذ إلا بعد إتمام التوقيع عليها. وكأنما سبب التوقيف لا يكمن في حاجات التحقيق أو درء خطورة إجتماعية معينة، إنما فقط في ضمان رضوخ المدعى عليه لواجب الطاعة والإحترام. وهذا ما حصل.
وليس من المصادفة طبعاً أن يحصل هذا التطويب القضائي بعد أيام من تجوال الوزير في سيّاراته المفيّمة الإثنتي عشرة في شوارع الشمال، وسط لافتات المبايعة والخراف التي كانت تنحر هنا وهنالك. ثمة زعامة تشق طريقها إلى الأمام. انتبه/ي/ا/وا/نَ.

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة المفكرة القانونية.