أنشأت المفكّرة القانونيّة "المرصد المدنيّ لإستقلال القضاء وشفافيته" في بداية العام 2014. ومنذ نشأته، اختار تخصيص جزء من موارده لفهم كيفية عمل مجالس العمل التحكيميّة، أيّ المجالس الناظرة في نزاعات العمل الفرديّة. ولهذا الإختيار مبرّرات عدّة: عدا عن أن لهذه المجالس تركيبة خاصّة جديرة بالدراسة، فإن من شأنها أن تعطي فكرة واضحة عن كيفية مقاربة القضاء للإشكاليّات المطروحة في مجال العمل، وهو مجال تتزايد فيه الفروقات الإقتصادية والإجتماعية. كما من شأن هذه الدراسة أن تكشف طبيعة النزاعات العمّالية الحاصلة في لبنان، وأن تعطي فكرة واضحة عن شروط العمل المعتمدة فعلياً وعن طبيعة التعامل بين أصحاب العمل والأجراء. لغاياتٍ عمليّة، حصر المرصد عمله في المجالس العاملة في محافظات بيروت وجبل لبنان والشمال، ليشمل مجمل القرارات الصادرة عن هذه المجالس خلالالأشهر الستة الأولى من سنة 2014. وتمّ إدخال البيانات الخاصة بهذه القرارات في برنامج أُعدّ لهذا الغرض، بهدف استخراج الأرقام ذات الدلالة والتي ستشكّل مادّة أساسيّة لهذه الدراسة.
قبل المضيّ في تحليل الأحكام، يقتضي التذكير مجدداً بأن المجال القضائيّ يبقى مجالاً غير مؤاتٍ للبحث العلميّ، بالنظر إلى صعوبة الإستحصال على القرارات والملفات القضائية أو معرفة خصائصها، في ظل غياب المكننة. علاوة على ذلك، يعتبر تصوير الأحكام جهداً شخصياً ت/يقوم به المساعد/ة القضائيّ/ة، فيصبح الحصول على الأحكام مرتبطاً إرتباطاً وثيقاً بمدى توفّر الوقت والجهوزية لديه/ا.
 
 الأحكام موضوع الدراسة 
قبل تبيان عدد القرارات وكيفية توزعها على المحاكم، تجدر الإشارة إلى أن مجالس العمل التحكيمية، تصدر إلى جانب الأحكام النهائية التي تفصل في الدعاوى المقدمة أمامها في الشكل و/أو الأساس، نوعين آخرين من القرارات:
الأول، قرارات بتدوين شطب الدعوى، وهي قرارات تصدر عموماً بسبب تغيب الفريقين أو الجهة المدّعية عن حضور الجلسة، فيما يبقى إحتمال إعادة تدوينها على جدول المرافعات لمتابعة الدعوى وارداً بطلب من أيّ من الفريقين.
والثاني، هو عبارة عن قرارات بتدوين إسقاط الدعوى أو الرجوع عنها أو عن الحق أو المصالحة. وهي قرارات تأتي نتيجة لتسوية حصلت بين الطرفين. وفي حالات عدّة، تحصل التسوية في تاريخ قريب من تاريخ الإستحضار. فيقوم الأجراء في هذه الحالة بتقديم الدعوى أمام المجلس من أجل قطع مهلة مرور الزمن، تتبعها مباحثات تجري بينهم وبين أصحاب العمل على أن يتم الرجوع عنها في حال نجاح هذه المحادثات. وهذا ما سندرسه أدناه بالأرقام عند النظر في أمد الدعاوى المقدّمة.
وتُسجّل المجالس هذه القرارات على إختلافها في ترتيبٍ تسلسليّ، تمتزج فيه قرارات شطب الدّعاوى عن جدول المرافعات بالقرارات الآيلة إلى بتّها أو إسقاطها أو الرجوع عنها. ولحاجات هذه الدراسة، تم استبعاد قرارات الشطب، فيما أدخلنا النوع الثاني من القرارات (قرارات بتدوين إسقاط الدعوى أو الرجوع عنها أو عن الحق أو المصالحة) ضمن الإحصاء، مع الإكتفاء بإدخال الأحكام النهائية وحدها على قاعدة البيانات بسبب التفاصيل التي تتضمنها عن طبيعة النزاعات وكيفية الفصل فيها.
وعليه، رصدنا 472 قرارا صادرا عن مجالس العمل التحكيمية في المحافظات الثلاث بين تاريخي 1/1/2014 و30/6/2014 توزّعت على الشكل الآتي:
  • 139 منها (أي ما نسبته 29.45%) هي قرارات وثّقت الرجوع عن الدعوى و/أو الحق،
  • 333 منها (أي ما نسبته 70.55%) بتّت في أساس النزاع. وقد تمكنّا من توثيق ودراسة 332 حكماً منها (أي 99.70%) فقط، ولم نستطع الحصول على حكم واحد لأسباب قلميّة.
 
تتوزع القرارات الصادرة في المحافظات الثلاث جغرافياً كالآتي:
  • بيروت (286): أحكام نهائية (214) / رجوع – اسقاط – مصالحة (72)
  • جبل لبنان (145): أحكام نهائية (94) / رجوع – اسقاط – مصالحة (51)
  • الشمال (41): أحكام نهائية (25) / رجوع – اسقاط – مصالحة (16)
  • مجموع (472): أحكام نهائية (333) / رجوع – اسقاط – مصالحة (139)
 
ماهية النزاعات العالقة أمام المجالس
تبيّن أن نسبة 93.07% من الأحكام صدرت بناء على دعاوى تقدّم بها أجراء بوجه أصحاب عملهم، وقد تم تمثيل 86% منهم بمحام. اللافت أيضاً عند التدقيق في هذه الأحكام أن الأغلبيّة الساحقة منها بنسبة 95,15% (أيّ 294 من أصل 309 دعوى)، مقامة من أجراء لبنانيين[1]. أما الدعاوى المقدّمة من غير لبنانيين (وعددها 15 فقط) فهي تتوزع على النحو الآتي: أربعة منها مقدمة من عاملات في الخدمة المنزلية[2]، وواحدة من قبل عامل ورشة بناء من الجنسيّة السوريّة وعشرة مقامة من أجراء من الجنسية الفلسطينية، تسعة منهم أجراء في المؤسسة عينها. وبالطبع، تؤشر ضآلة نسبة المتقاضين الأجانب بالمقارنة مع نسبة الأجراء الأجانب من مجموع الأجراء في لبنان على صعوبة وصول هذه الفئة الى مجالس العمل التحكيمية.
كما نلحظ أن نسبة 23.62% من الأحكام موضوع الدراسة (73 حكماً) صدرت بناءً على دعاوى مقدّمة من نساء، خمسة منها فقط مرتبطة بالصرف من العمل في فترة الحمل.
كما تبين أن العدد الأكبر من الأجراء هم من العاملين في القطاع الخاص (66.99%). ونسجل هنا تعاظم أعداد المتقاضين من بين الأجراء العاملين في جمعيات غير حكومية (4.53%). فيما أن البقية يعملون لدى مؤسسات عامة (مؤسسة كهرباء لبنان، ادارة حصر التبغ والتنباك، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مصلحة سكك الحديد، هيئة أوجيرو)، علما أن النزاعات المتصلة بالعاملين في الإدارات العامة لا تدخل ضمن صلاحية مجلس العمل التحكيمي.

الدعاوى المقدمة من الأجراء العاملين في المؤسسات العامة  
بلغ مجموع الدعاوى المقدّمة أمام مجالس العمل التحكيمية ضد مؤسسات عامة 102، أيّ ما نسبته 33.01% من مجموع الدعاوى. وقد برزت ثلاث مؤسسات عامّة من حيث عدد الدعاوى المقدمة بوجهها، وهي تباعاً: مؤسسة كهرباء لبنان (66 دعوى)، إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية (17 دعوى) والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (15 دعوى). هذا وقد صدرت ثلاثة أحكام بوجه هيئة "أوجيرو" وحكم واحد بوجه مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك. ويسجّل في هذا المجال إرتفاع نسبة ردّ هذه الدعاوى، والتي بلغت 99.02%. وقد تمحورت هذه النزاعات حول إشكاليات عدة، أخطرها عدم تسجيل الأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيّ بحجة أن الرابط بينهم وبين المؤسسات العامة هو عقد إلتزام صناعة وليس عقد عمل (16 حالة).
 
الدعاوى المقدمة من الأجراء في القطاع الخاص 
تجدر الإشارة هنا إلى أن نسبة 76.81% من الأحكام المقدمة من أجراء في القطاع الخاص تضمنت مطلب التعويض عن الصرف التعسفي. إلى ذلك، تضمّنت نسبة كبيرة من هذه الدعاوى المقدّمة من الأجراء مطالب مرتبطة بالتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الإجتماعيّ.
*راجع الرسم البياني في آخر المقال
 
 
مطلب إلزام صاحب العمل بتسديد أجور مستحقة 
تكرّر مطلب إلزام صاحب العمل بتسديد الأجور المستحقة في 107 من أصل 200 دعوى مقدّمة من الأجراء العاملين في القطاع الخاص، أيّ ما نسبته 53.50%.
 
مطلب التسجيل و/أو تصحيح التسجيل لدى "الضمان الإجتماعيّ" 
درج بعض أصحاب العمل على التحايل على الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي بطرقٍ عدّة. ومن أشكال التحايل، الإمتناع عن التصريح عن الأجير/ة، أو التصريح عن راتب للأجير/ة أقل من راتبه الحقيقي، أو التأخر في التصريح عنه. ويكتشف بعض الأجراء هذا الأمر بعد إنقطاع علاقة العمل، عند توجههم لتقاضي تعويض نهاية خدمتهم. يبقى أن العديد من الأجراء لا يجرؤون على مطالبة أصحاب العمل بالإلتزام بقانون الضمان الإجتماعي خلال قيام العلاقة التعاقدية بينهم، مخافة أن تؤدي مطالبتهم بذلك إلى صرفهم من العمل.
وقد طالب الأجراء العاملون في القطاع الخاصّ في 65.50%(131) من الدعاوى المرفوعة من قبلهم بإدخال الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي في الدعوى. ما يدلّ على مدى انتشار هذه المشكلة.
 
متوسط أمد الدعاوى 
مثل ما سبق وأشرنا، تناولت دراستنا الأحكام النهائية الصادرة عن مجالس العمل التحكيمية، بالإضافة إلى القرارات التي دونت الرجوع عن الدعاوى أو إسقاطها أو المصالحة. وقد تبين لنا أن متوسط أمد الدعاوى أمام مجالس العمل التحكيمية، التي تنتهي بحكمٍ نهائيّ، يصل في المحافظات الثلاث إلى أربع سنوات وثلاثة أشهر[3]. وعدا عن أن هذه المدة طويلة بحد ذاتها، فإنها تشكّل خروجاً عن مهلة الأشهر الثلاث المنصوص عنها في المادة 50 من قانون العمل.
وتبين لنا أن أقصر دعوى في بيروت استغرقت 105 يوماً، وهي صادرة في قضية مقدمة بوجه "هيئة أوجيرو". أما أطولها فاستغرقت 4381 يوماً (وهي دعوى صرف تعسفيّ تقدمت بها أجيرة بوجه صاحب عملها، وقد طال أمدها بسبب تقدّم صاحب العمل بادعاء أمام القضاء الجزائيّ بوجه الأجيرة المدعية، وقد استأخر البتّ بها لحين صدور الحكم الجزائي عملا بمبدأ الجزاء يعقل الحقوق).
بالنسبة إلى جبل لبنان، استغرقت أقصر دعوى 355 يوما (دعوى تقدم بها أجير بوجه صاحب عمله مدعياً أنه تم صرفه تعسّفياً عن العمل). أما أطولها فاستغرقت طيلة 4041 يوماً (أيضا صادرة في قضية تقدم بها أجير صرف عن العمل، وقد توفي الأجير خلال الدعوى، واستمر الورثة في الدعوى التي كسبوها وحكم لهم بتعويض يساوي بدل 10 أشهر).
بالنسبة إلى الشمال فقد استغرقت أقصر دعوى 52 يوماً، وأطولها 3727 يوماً.
ويسجّل أن متوسط أمد الدعاوى ينخفض في النزاعات التي تنتهي بتدوين الرجوع أو الإسقاط أو المصالحة، حيث يصل في هذه الحالات إلى سنة وخمسة أشهر[4]. وهو أمر يتأتى عن حصول المصالحات عموماً في بدايات الدعاوى، ولا سيما أن عدداً من الأجراء يضطرون إلى تقديم دعاويهم خلال شهر من الصرف لحفظ حقوقهم، رغم استمرارهم في عملية التفاوض. كما يسعى في أحيان عدّة أصحاب العمل إلى إنهاء النزاعات في الفترات الأولى للدعاوى تحسّباً من إدخال الصندوق الوطنيّ للضمان الإجتماعي.
وتبلغ نسبة قرارات تدوين الرجوع عن الدعاوى و/أو الحق أو المصالحة من مجموع القرارات المنهية للدعاوى ما نسبته 25.17% في بيروت. وهي نسبة ترتفع في جبل لبنان لتصل إلى35.17%، وأيضاً في الشمال حيث تصل إلى ما نسبته 39.02%. وفيما يسجّل الشمال إرتفاعاً في عدد هذا النوع من القرارات، فإن متوسط أمد الدعوى للوصول إلى تسوية في هذه المحافظة هو أطول ممّا هو عليه في المحافظات الأخرى. وقد يرتبط الأمر بإعتماد مجلس العمل التحكيميّ في الشمال إحالة جميع الملفات التي ترده إلى دائرة التحقيق في وزارة العمل في الشمال، لتمكينها من إجراء وساطة والتحقيقات اللازمة. كما تسجّل مساعي أصحاب العمل إلى إطالة أمد الدعاوى من خلال تقديم دعاوى مقابلة.
*راجع الرسم البياني في آخر المقال
 
 نتيجة الدعاوى المقدمة من الأجراء أو مدّعي الصفة
إنتهت الأحكام النهائية ببتّ الدعاوى المقدّمة من الأجراء إلى ردّ أكثر من 50% منها. فمن أصل 309 حكماً صدرت خلال المنتصف الأول من العام 2014 بهذه الدعاوى، انتهى 165 حكماً، أيّ ما نسبته 53.40%، بردّ الدعوى. علما أن 101 حكماً من هذه الأحكام الـ 165 صدرت في قضايا مقدّمة من أجراء القطاع العام. واللافت في أحكام ردّ الدعاوى أن أكثر من نصفها (87 حكماً من 165 حكماً) انتهى إلى ردّ الدعوى في الشكل، أيّ من دون أن تفصل المجالس المعنيّة في أساس النزاع. وقد حصل الردّ شكلاً في غالبية هذه الحالات بعدما رأى المجلس أنها تخرج عن إختصاصه لكون النزاع المطروح نزاعاً جماعياً (61 دعوى)، أو لأن طبيعة التعاون لا تشكّل عقد عمل (18 دعوى).
  • نزاع فردي أو جماعي؟
    أناط قانون العمل بمجالس العمل التحكيمية صلاحية النظر في نزاعات العمل الفردية فقط، فيما أناط باللجنة التحكيمية لحلّ نزاعات العمل الجماعية صلاحية البتّ بهذه النزاعات. ويثير تكييف طبيعة النزاع المعروض أمام مجالس العمل إشكاليّة حقيقيّة على صعيد ضمان حقوق الأجراء في العمل والتقاضي. إذ أصدرت المجالس 61 حكماً برد الدعوى لعدم الاختصاص النوعيّ، بعدما اعتبرت أن للنزاع طابع جماعي.
    وتكشف مراجعة هذه الأحكام مشكلة حقيقية لجهة إمكانية تجريد الأجراء من حقّهم في التقاضي بفعل اجتهادات متناقضة في طبيعة النزاع، وتحديداً حول ما إذا كان فرديّاً أو جماعيّاً. ويتحصّل ذلك من الدعاوى المقدمة من قبل أجراء "مؤسسة كهرباء لبنان" والرامية إلى احتساب ساعات عملهم الإضافية على ضوء فروقات سلسلة الرتب والرواتب. وقد قرّرت مجالس العمل التحكيمية في بيروت ردّها على اعتبار أنها نزاعات جماعية. وكانت الأحكام صدرت على هذا الوجه بعدما كانت اللجنة التحكيمية لحل نزاعات العمل الجماعية قد ردت في 2011 مطلبهم المذكور على اعتبار أن النزاع فردي وليس جماعياً. واعتبرت اللجنة في قرارها أن "المصلحة الجماعية هي المصلحة النموذجية(interets types) التي لا تفرق بالضبط بين المستفيدين منها كائناً من كانوا، حاضرين أم مستقبليين". وتتابع اللجنة: "لكي يصبح نزاعٌ ما نزاعاً جماعياً، ليس عليه أن يكون مكوّناً من عدد من الطلبات الفردية، بل يجب أن يتناول مصالح نموذجية لا تفرق بين المستفيدين منها وإلا أصبحت الخلافات الجماعية مجموعة من الخلافات الفردية". والمذهل أن مجلس العمل التحكيمي في بيروت أصدر قراراته وهو على اطلاع تام على قرار اللجنة. بل أنه ذهب إلى حدّ استخدام التعليل عينه ليعتبر أن النزاع نزاع جماعي يستوجب الرد. وهذا ما نقرأه في أحد الأحكام الصادرة عنه: "وحيث أن موضوع النزاع بالشكل المطروح يتناول مصلحة جماعية تتعلق بتفسير كل من المرسوم (...)، وحيث أن الجهة المدعية أقرت بأن مجموع الدعاوى التي تقدمت بها بذات موضوع الدعوى الراهنة قد تجاوز الأربعمئة دعوى موزعة على هيئات المجلس كافة، وحيث أنه من الثابت أن أحد طرفي النزاع مجموعة من الأجراء، فيكون بالتالي النزاع جماعياً".
     
  • ما هي طبيعة العقود الواقعة تحت إختصاص مجالس العمل؟ 
    ردّت مجالس العمل التحكيمية المعنية 19 حكماّ (5.86% من مجمل الأحكام) القضية المعروضة أمامها لعدم الاختصاص، بعدما اعتبرت أن العقد موضوع النزاع أمامها ليس عقد عمل.
    هنا أيضاً صدرت أغلبية الأحكام (16) في دعاوى تقدم بها أجراء (جباة الإكراء المتعاقدون مع "مؤسسة كهرباء لبنان") ضد مؤسسة عامة، بهدف إلزامها بتسجيلهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ولا بد لنا من الإشارة في هذا السياق إلى إنقلاب الإجتهاد في هذا الخصوص بمناسبة نظر مجلس العمل التحكيميّ في طرابلس بالدعاوى المشابهة المقدمة من جباة الإكراء العاملين في "شركة كهرباء لبنان الشمالي" (قاديشا)، حيث رأى المجلس أن صلة التبعية ثابتة وأن العقد الذي يجمع الطرفين هو عقد عمل وليس عقد التزام صناعة. ما يفرض قبول طلبهم بتسجيلهم لدى الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي. وقد أكّدت غرفتان من غرف محكمة التمييز في 49 قراراً هذا التوجه، عبر مجموعتين من الأحكام صدرت في كانون الأول [5]2015 وشباط 2016[6].
     
  • كيف بتت المجالس بالمطالب المقدّمة امامها؟ 
    ونلحظ أن المجالس وافقت على 83 من الطلبات بإلزام أصحاب العمل بتسديد أجور مستحقة، بينما ردّت الطلب في 22 منها، ولم تبتّ في إثنتين منها بسبب ردّ الدعوى شكلاً. هذا الرقم يدلّ على أن إشكالية تمنّع أصحاب العمل عن تسديد الأجور المستحقة باتت إشكالية تطال جزءاً كبيراً من الطبقة العاملة لدى القطاع الخاص في لبنان.
    كما تجدر الإشارة إلى أن الأجراء العاملين في القطاع الخاصّ طالبوا بنسبة 65.50%(131) من الدعاوى المرفوعة من قبلهم بإدخال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الدعوى. وافقت المجالس على طلب الإدخال في 58 منها، وحفظت حق الضمان في 39 منه، فيما لم تبت في 14 منها (وهذا بسبب رد الدعوى لعدم الاختصاص)، فيما ردت 20 منها فقط.
    *راجع الرسم البياني في آخر المقال
*يقصد ب"مطلوب- غير مبتوت" : أي أن المجلس رد الدعوى شكلا وبالتالي لم يبت بالمطلب المعروض أمامه.
  • كيف تحتسب المجالس التعويض المتوجب عن الصرف التعسفي؟
    كرست الفقرة (أ) من المادة 50 من قانون العمل حق العامل المصروف تعسفاً من العمل بالتعويض عن الصرف أو الفسخ التعسفي على أن "يقدر التعويض على أساس نوع عمل العامل، وسنه، ومدة خدمته، ووضعه العائلي والصحي، ومقدار الضرر، ومدى الإساءة في إستعمال الحق، على أن لا ينقص التعويض الذي يحكم به عن بدل أجرة شهرين وأن لا يزيد عن بدل أجرة اثني عشر شهراً (...)". أيّ أن المادة 50 تركت للمحكمة تقدير مقدار التعويض محدّدةً فقط حدّيه الأدنى والاقصى.
    ولقد تبيّن معنا بعد مراجعة الأحكام الـ91 التي أقرت بالحق بالتعويض للأجير، أن متوسط هذه التعويضات التي أقرتها المجالس يصل إلى بدل أجرة 4.5 أشهر. وقد بلغ هذا المتوسط في بيروت بدل أجرة 3,7 أشهر فيما وصل إلى 4.9 أشهر في جبل لبنان، وبلغ المتوسط بدل اجرة 7 أشهر في الشمال.
    نلحظ إذاً تفاوتاً من حيث متوسط التعويض المحكوم به، حيث يقارب في الشمال ضعف ما هو عليه في بيروت. وقد يكون سبب ذلك تدني الأجور في الشمال بالنسبة إلى بيروت،  حيث يبلغ متوسّط الأجر 822.925 ليرة لبنانية في هذه المحافظة فيما يبلغ متوسط الأجر 2.682.337 ليرة لبنانية في بيروت.
    وقد اكتفت غالبية الأحكام – إن لم نقل جميعها - بذكر نص المادة 50 دون تحديد العناصر التي أخذتها بعين الاعتبار لتحديد قيمة التعويض.
    وقد تميّزت خمسة قرارات عن سواها بقيمة التعويضات التي أقرتها المحكمة للأجراء. فرصدنا ثلاثة قرارات أقرت فيها الحد الأقصى المسموح به للتعويض عن الصرف (بدل أجرة 12 شهراً) وقرارين آخرين أقرا ببدل أجرة عشرة أشهر للأجير المصروف تعسفاً.
    وفي أربع من هذه الدعاوى، يبدو أن العامل الأساسي لرفع قيمة التعويض تمثل في أقدمية الأجراء، حيث تراوحت مدة عملهم بين 13 و28 سنة.
    أما الحكم الخامس فقد صدر في إطار قضية صرف امرأة في الشهر السابع من حملها، وقد حكم لها المجلس بالتعويض عن الصرف التعسفي بحده الأقصى، بالإضافة الى بدل راتب 4 أشهر بمثابة تعويض عن الصرف خلال فترة الحمل (المنصوص عنه في المادة 52 من قانون العمل). وإذ يؤشر هذا الحكم إلى وجود توجه في استخدام تعويضات المادة 50 لردع صرف النساء في أثناء فترة حملهن، فإن التعويضات التي تم إقرارها في دعاوى أخرى مشابهة بقيت محدودة وتراوحت بين بدل ثلاثة أشهر وبدل سبعة أشهر.
    *راجع الرسم البياني في آخر المقال
نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة المفكرة القانونية.
 


[1]هذا مع العلم ان الاحكام لا تحدد بشكل تلقائي جنسية المدعي، ويظهر ذلك في متن الحكم عند ذكر تفاصيل القضية
[2]تعود ثلاثة منها الى العام 2011 وواحدة الى العام 2010. طالبت الاربعة بالتعويض عن الصرف التعسفي والزام اصحاب العمل بتسديد الاجور المستحقة. ردت المجالس مطلب التعويض عن الصف التعسفي في الدعاوى الاربعة فيما الزم اصحاب العمل في ثلاثة منها الى تسديد اجورهن المستحقة. فيما رد مجلس العمل التحكيمي في الشمال الدعوى بمجملها بسبب النقص في الاثبات بعدما ان اعتبر ان العاملة لم تقدم اي دليل على تعرضها للإساءة من قبل صاحب/ة العمل.
 
[3] تم استثناء 12 حكما من احتساب معدل مدة الدعوى بسبب عدم ذكرهم لتاريخ الاستحضار
[4]تم استثناء 27 قرار من احتساب معدل مدة صدور قرارات الرجوع بسبب عدم ذكرهم لتاريخ الاستحضار
[5]حلا نجار، بعد 9 سنوات، عمال قاديشا يكسبون حقهم بالضمان الاجتماعي، المفكرة القانونية، العدد 35، كانون الثاني 2015
[6] الهام برجس، عمال قاديشا يكسبون حقهم في الضمان الاجتماعي، المفكرة القانونية، العدد 37، آذار 2016