بعد نشر "الوكالة الوطنية للإعلام" وقائع ندوة "المركز الكاثوليكي للإعلام" الحاصلة في 27-5-2016 تحت عنوان الشذوذ الجنسيّ، وجّهت المفكرة القانونيّة لأمانة المجلس استفساراً حول ما إذا كان القاضي المحاضر أو ما نقل عنه يمثل حقيقة رئيس مجلس القضاء الأعلى أو وجهة نظره كما ورد في الخبر المنشور على "الوكالة الوطنية". وقد جاء الجواب مركّبا، نعرضه أدناه في سياق نقده. وتسجّل "المفكرة" على خلفية تعامل مجلس القضاء الأعلى مع حادثة المركز الكاثوليكي أربعة أسئلة هي الآتية:
أولاً، أن المجلس أوفد فعلاً قاضياً إلى ندوة ينظمها مرجع ديني تحت عنوان: "الشذوذ الجنسي". ونسأل هنا: "ألم يكن من الأحرى بالمجلس أن يمتنع عن المشاركة في ندوة يعكس عنوانها بحد ذاته رأيا مسبقا وإدانة لفئة اجتماعية تعاني من غبن اجتماعي وفقا لما تمليه شرعة أخلاقيات القضاة؟

ثانياً، أن أمانة السر أكدت لـ"المفكرة" أن القاضي المحاضر تم إيفاده من المجلس "لحضور المؤتمر وإفادة المؤتمرين من خبرته القانونية"، لكنها نفت بالمقابل أن يكون ممثلاً لرئيس مجلس القضاء الأعلى. فـ"كل قاض مستقل بآرائه وبحكم هذه الاستقلالية لا يمكن أن يكون رأيه ممثلاً لآراء باقي القضاة أو حتى لرئيس مجلس القضاء الأعلى". ومع تدوين ذلك، يجدر التساؤل: ألم يكن من الأحرى بعدما نقل الإعلام ما نقله على لسان القاضي المذكور أن يبادر المجلس إلى تصحيح الخبر المنشور على صفحتي الوكالة الوطنية والمركز، نفياً لأي ربط بين آرائه ومسؤوليات المجلس الذي يقتضي طبعا أن يبقى بمنأى عن الآراء المسبقة؟
ثالثاً ورابعاً، أن جواب أمانة سر المجلس على أسئلة "المفكرة" تضمن تفسيراً محدّداً للمادة 534 من قانون العقوبات يتناقض مع القرارات الرائدة الصادرة عن عدد من القضاة اللبنانيين. فقد جاء فيه "إن تفسير العبارات الواردة في القوانين الجزائية تخضع لوسائل التفسير القانونية المنصوص عليها في قانون، وأهمها أن لا يكون التفسير معطلاً للنص الجرمي، مع التشديد على أن القاضي لا يحوز على حق القياس في الميدان الجزائي أو حق التفسير بشكل يؤدّي إلى توسيع أو تضييق النصوص القانونية الجزائية وإلا اعتبر متعدّياً بذلك على الإختصاص التشريعي الذي يعود بحسب الدستور اللبناني إلى المجلس النيابي". وقد ذهب هذا الموقف أبعد من ذلك إلى حدّ فرض تفسير معين للمادة 534 وتحديدا لعبارة "المجامعة على خلاف الطبيعة". فـ"المشترع قصد من إدراجها في قانون العقوبات تجريم نوع من الأفعال الجنسية في المجتمع اللبناني وحدّد العقوبات التي وجدها مناسبة لردع أفراد المجتمع عن اقترافها. إن القضاء لا يملك سلطة تفسير هذه العبارة بشكل يؤدي إلى تعطيل نصّها الجزائي". وعدا أنّ هذه الإجابة مبنيّة على فرضيّات غير مثبتة طالما أن الأعمال التشريعية خلت من أي تفسير لمفهوم "مخالفة الطبيعة"، فإنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول أمرين اثنين: ألا يشكل سعي أمانة السرّ إلى فرض قراءة معينة لهذه المادة بما لها من صلاحيات، عاملا مؤثّرا على أعمال القضاة وتاليا تدخّلاً ولو غير مباشر فيها؟ ثم، ألا يعكس الإدلاء بهذا الرأي مسعى إلى إغلاق أبواب الإجتهاد في هذا المضمار فيمنع على القضاء إعطاء تفسير مختلف للمادة أو درس مدى توافقها مع الإتفاقيات الدولية؟ وألا يعكس ذلك تصوّرا قوامه تحجيم دور القضاء، وتصويره على أنه مجرّد خادم للقانون وعملياً خادم للقوى المهيمنة التي تضعه، من دون أن يكون له أي دور في تطوير المنظومة الحقوقية أو في أقلمة القوانين مع حاجات المجتمع وضمان الإنسجام بينها وبين العهود الدولية لحقوق الإنسان والتي أقرها هذا المشرع بذاته وجعل جزءاً لا يتجزأ من دستوره؟ بالطبع، قناعات "المفكرة" بشأن دور القضاء تذهب في إتجاه مخالف، علماً أن تأدية هذا الدور وتشجيعه يبقى مدخلاً أساسياً لإقناع القوى الإجتماعية بالدفاع عن القضاء واستقلاله.
 
 نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة المفكرة القانونية.