"يكشف الفيلم الطابع الشعريّ للسينما. إمرأتان أميركيّتان من أصولٍ عربيّة تلتقيان في نيويورك وتغرمان ببعضيهما. يخوضان في جدلٍ حول مسألتيّ البيت والهوية، فتدفع بهما لعبة شطرنج إلى التعبير عن نفسيهما عبر قوّة الكلام المحكي". هكذا يصف "مهرجان السينما اللبنانيّة" فيلم I Say Dustللمخرجة دارين حطيط، الذي مُنع من العرض. وفقاً للمسؤولة الإعلامية للمهرجان ريتا باسيل، ما كان من الممكن أن يقع المنظمون على "فيلمٍ شاعريّ عظيمٍ، مكرّمٍ في العديد من المهرجانات خارج لبنان، ومشترى من قبل شبكة "بي بي سي" ومهرجان "صندانس" من دون أن نحاول عرضه في لبنان".

بعيداً عن تقدير المهرجان لقيمة الفيلم الفنيّة، قرّرت "لجنة الرقابة على الأفلام" منع عرضه كونه "يضع الشذوذ الجنسيّ في إطارٍ رومنسيّ، ما يشكّل ترويجاً له"، أيّ أن الإطار الرومنسي هو "ترويجٌ" للمثليّة الجنسية، وفق ما قاله المسؤول الإعلاميّ للأمن العام نبيل حنّون لـ"المفكّرة القانونيّة". أمران لا بدّ من التوقف عندهما قبل التوسّع في رأي حطيط من جهة، وأبعاد التبرير الذي قدّمه الأمن العام للمنع من ٍجهة أخرى: الأول، منْح لجنة مهرجان السينما اللبنانية تنويهاً خاصاً للفيلم ضمن فئة "أفضل فيلم روائيّ قصير". ما يشكّل وفقاً لحطيط "تحدياًٍ ورفضاً لقرار الأمن العام". أما الأمر الثاني فهو إجتياز الفيلم نفسه لرقابة طالبان في أفغانستان، حيث تم عرضه ونال جائزة أفضل قصة قصيرة.

2016: منع 3 أفلام بتهمة "المثلية"

تشرح باسيل أن المنع أتى متوقّعاً و"محاولة عرض الفيلم على الرغم من ذلك تأتي في إطار توجه عام لرفض الرقابة الذاتية". والحال أنI Say Dust  ليس الفيلم الوحيد الذي تم منعه هذا العام لتناوله مشاهد المثلية الجنسية في سياقاتها الحياتيّة، أو كما يحلو للرقابة أن تسمّيها: "أطر رومنسية". فأيضاً، فيلم "My name is" للمخرج اللبنانيّ كارل حداد منع من العرض في إطار مهرجان "كابريوليه" (Cabriolet)، الذي ينظّم في بداية شهر حزيران الحالي. ويتمحور الفيلم حول قصّة شاب يشعر بالخوف من إعلان مثليّته، الا أن مشاهدته لفيلم "ميلك" ((Milkالذي يؤرخ سيرة الناشط في حقوق المثليّة في أميركا هارفي ميلك، قادته إلى الإعلان عنها[1]. وقد أعلن المنع على شاشة العرضخلال المهرجان، بالصيغة التالية: "هذا العرض ألغي إذ اعتبر الامن العام اللبنانيّ موضوعه غير متوافقٍ مع القانون". أما حداد فقّد صرح لـ"مهارات نيوز" "أن الرقابة اعتبرته "ترويجاً للواط"[2].

تمّ هذان المنعان على صعيد مهرجانات الأفلام. أما على مستوى صالات السينما التجاريّة، فقد تم أيضاً منع عرض فيلم "Carol"(بطولة كايت بلانشت وروني مورا) المأخوذ عن رواية "the price of salt" أو "ثمن الملح" للروائيّة باتريسيا هايسميث. يروي الفيلم قصة حبّ بين سيّدتين، إحداهما شابة تبحث عن فرصتها كمصوّرة فوتوغرافيّة والأخرى تكبرها سنّاً وتمرّ في مرحلة طلاقٍ ومعركة حضانة مع زوجها. وقد برّرت لجنة الرقابة منعها في مطلع العام الحالي عرض "كارول" الذي ترشّح لعشرات الجوائز منها خمس جوائز أوسكار، وخمس جوائز "غولدن غلوب" وتسع جوائز "بافتا"، بأنه "يضع الشذوذ الجنسيّ في إطار رومنسيّ لا يتآلف مع مبادئ وقيم المجتمع اللبنانيّ"، بحسب رئيس مكتب الإعلام في الأمن العام العميد نبيل حنّون. 
 
المخرجة:

في حديثها مع "المفكرة"، تروي دارين حطيط، مخرجة فيلم "I Say Dust" عن كلّ تفصيلٍ من تفاصيل فيلمها برؤيةٍ لا تلتقي مع فهم الرقابة له، بأيّ شكل. فـ"أزمة الهوية والشتات لامرأتين عربيّتين - أميركيّتين في نيويورك" هي محور القصة. علاقة الحب هي "الإطار" الذي يحتويها. و"ما الذي يصنع الوطن؟"، هو السؤال المحوريّ للفيلم وفقاَ لحطيط.

عند إنجاز الفيلم، "لم أرغب بتحدّي الصورة النمطيّة للعرب الأميركيّين، ولا لمثليّي الجنس". وقتها، "لم أنظر أبداً إلى الفيلم كفعل مناصرة، ومقاربتي لم تأتِ في إطار قضيّة إجتماعيّة أو كسر المحرّمات، إذ كلما نظرنا الى الأمر على أنه محظور سيبقى كذلك". كلّ ما توقعته حطيط على الصعيد الإجتماعيّ خلال عملها على الفيلم، أنه "سيحفّز النقاش على عدّة مستويات، وفي موضوعات أعتقد أن الجمهور اللبنانيّ سيقبلها. ما يجعل العرض في بيروت بغاية الأهمية بالنسبة إلي". فخلال جولته على 30 مهرجاناً سينمائياً حول العالم، "لاقى الفيلم ترحيباً بين الجماهير الأجنبيّة، كما عبّرت جماهير العرب في المهجر عن إرتباطٍ بالقصة، أما الجماهير العربية الأخرى فكانت تعارض تقديم الفتيات العربيات وهن يتشاركن لحظات حميمة على الشاشة". وهي ترى أن النقاش، في حالات التلقّي الثلاث، "كان "تقدمياً ومثيراً للإهتمام".

تبلور حطيط وجهة نظرها في ما يخصّ مناصرة القضايا الإجتماعية عبر صناعة الأفلام، فتظهّر مستوى القمع الذي تستهدفه الرقابة، على أنه "قمع لمحاولة فتح النقاش في القضايا الحياتيّة" من دون أن يكون الفرد الذي تعرّض للقمع، أي صانعة الفيلم، قد اتخذ موقفاً صريحاً في المناصرة حتى. فحطيط لا تحبذ تقديم صانعي الأفلام كناشطين. الفرق بالنسبة إليها يكمن في "إننا فنانون وقد نحدث تغييراً من خلال ما نقدّمه ولو في شخصٍ واحد. أما الناشط فيعمل على حلّ للقضيّة التي يناصرها بطريقة أكثر مباشرة ومحدّدة". بالنتيجة، تعتبر حطيط أن "الأمن العام رأى الفيلم من زاوية مخالفة كلياً لما أردته منه". وهي، وإن كانت على يقين من أن "المتلقي بكل الأحوال سيرى الفيلم من الزاوية التي تناسبه وتحفزه"، تراها لا تجد في ذلك مبرراً لتصرّف الرقابة تحديداً: "الرقابة هي أداة قديمة لممارسة القمع، والأنظمة التي لا تزال تستخدمها هي أنظمة تؤكد ضعفها وتحاول بجهد إبقاء الحال على ما هي عليه لتبقى راكدة تحت يدها".

لكن الحال لن تبقى على ما هي عليه. "لن ألجأ إلى الرقابة الذاتيّة أبداً"، تجزم حطيط، قبل أن تختم كلامها بالقول: "لا أرى سبباً يجعل صنّاع الأفلام يقبلون سجن أنفسهم في حالة قائمة وجامدة. في أيامنا هذه، جميعنا لدينا رفاهية صنع الأفلام التي نريدها وعرضها للجمهور بالطريقة التي نريدها، من دون الحاجة إلى التعامل مع الرقابة بكلّ مستوياتها، سواءً النظامية أو الذاتيّة".
 
الرقابة: تناغمٌ مع الدين

عند زيارة الرقابة لاستبيان قراءتها في قراراتها السينمائية، اتضح أن التبرير الذي تقدّمه للمنع يبدو أكثر قمعاً من المنع نفسه. المستوى الأول من القمع يظهر في تصنيف المثليّة الجنسيّة على أنها "شذوذ"، ضاربةً بعرض الحائط تصنيفات حقوق الإنسان والحريّات الشخصيّة، في العالم كما هنا في لبنان خاصةً بعدما سجّل قضاة لبنانيون مواقف متقدّمة في هذا المجال في تفسيرهم للمادة 534 من قانون العقوبات اللبناني، التي تجرم "المجامعة خلافاً للطبيعة": ثلاثة أحكام قضائية عالجت إشكالية أساسية حول تحديد مفهوم الطبيعة، لتحكم بإخراج العلاقات الجنسيّة المثليّة من إطار ما هو "مخالف للطبيعة".[3]

أما المستوى الثاني من القمع فيتجلّى من خلال منع عرض المثليّة في إطارٍ "رومنسيّ". بناءً عليه، يبدو من البديهي الخروج باستنتاج يفيد بأن الرقابة كانت لتوافق على عرض فيلمٍ يظهر المثليّة على أنها مشكلة أو علة إجتماعية: "نعم"، يؤكّد حنون، مشدّداً على أن لجنة الرقابة هي التي توصي بالمنع، وليس الأمن العام. غير أن آلية الرقابة تسير باتجاهين: إما يجد الأمن العام الفيلم مقبولاً فيرخّص عرضه، أو يجده إشكالياً فيحيله إلى اللجنة لترفع توصية بشأنه إلى وزير الداخليّة. بالتالي، يمكن فهم إجابة حنّون على الشكل التالي: نعم، الأمن العام يسمح بعرض الأفلام التي تظهر المثليّة الجنسيّة على أنها علّة إجتماعيّة، وهذه الأفلام تصل إلى صالة العرض من دون أن تمرّ باللجنة حتى.

يلتقي موقف الرقابة هنا مع الموقف الذي أعلنه "المركز الكاثوليكي للإعلام" في مؤتمرٍ عقده في 27 أيار الماضي. والربط بين التوجهين ليس ربطاً عبثياً، بل يستند إلى سوابق. إذ "لطالما بدا الأمن العام شديد الحرص على مراعاة المراجع الدينية والطائفية المعنية وعلى رأسها دار الإفتاء والمركز الكاثوليكي للإعلام."[4] وقد أبرزت الندوة مدى التناغم بين آراء "المركز" وتوجّهات الرقابة في ابتكار الأساليب لتكريس صورة منفرة عن المثليّة.

هذا "التكاتف" والتناغم لمواجهة قبول خيارات الإنسان الشخصيّة على إختلافاتها، بما فيها الهويّة الجنسيّة، لا يأتي من عدم. فبعدما بدأ القضاء بمساءلة القمع الممارس على الحياة الواقعية للمثليين /ات والتصدّي له أحياناً، يبدو أن السلطات وجدت في المجالات الثقافيّة والفنيّة الخاضعة لرقابتها المساحة الأكثر هشاشة في تثبيت القمع. وهشاشة المساحات الفنية تنتج أولاً عن خضوعها لرقابة إستنسابية واسعة، وهي، في المقابل، ليست محصّنة بعملٍ نقابيّ صلب أو إهتمامٍ حكوميّ يرمي إلى تعزيزها.

وهذا التوجه ليس حديثاً أو مستجدّاً. ولعلّ واحداً من أبرز القرارات دلالة على هذا التوجه هو قرار منع عرض The Walker(إنتاج 2007)، إذ تم تحديد أسباب المنع بالتالي: "الفيلم يظهر علاقة الحب بين شابين، ويصوّرها على أنها أمرٌ طبيعيّ، وهو يشجّع على اللواط". هنا، نلحظ أن أسباب المصادرة تتصل بشكلٍ خاص بتصوير علاقة الحب بين الشابين على أنها أمر طبيعيّ. وما يؤكد ذلك هو أن "القبلة بين رجلين" لا تشكّل إجمالاً، وبحسب معايير الأمن العام، سبباً للمصادرة، بدليل تجربة فيلمUn Fils – A Son  (2004) الذي تم السماح بعرضه رغم تضمنه مشاهد فيها "شاب يداعب عورة شاب آخر"، و"قبلة بين رجلين".[5]
 
"حلم": الحبّ رومنسيّ

يعلّق العضو في جمعية "حلم" طارق زيدان على تبريرات الأمن العام بسخرية، فوفقاً لمعرفته بالقانون اللبناني: "الرومنسية ليست جرماً يعاقب عليه". كذلك، "المثلية ليست مسحوق غسيلٍ لتكون قابلة للترويج". وبينما يلفت زيدان إلى أن الكلام قد يصحّ في إدعاء "الترويج لقبول المثلية"، يحدّد أن قبول المثليّة بحدّ ذاته لا يمكن أن يكون جرماً.

ويرى زيدان في موقف الأمن العام هذا، "محاولةً لإبعاد المجتمع اللبنانيّ عن واقع العلاقات المثليّة، وعن القبول بأن هذه العلاقات تستطيع أن تكون علاقات "طبيعية" شأنها شأن أيّ علاقةٍ عاطفيّةٍ أخرى، فهي مبنية على المشاركة في الحياة ومكان السكن والمشاعر، وهي تتضمن حبّاً وصداقة ودعماً". في المقابل، تريد السلطات، برأي زيدان، "تصوير العلاقات المثلية على أنها جنسيّة بحتة، وجسدية فقط، لحصرها في إطار الخطيئة الدينية والخروج عن القانون، وكذلك ربطها بجريمة التحرّش". ويكمل زيدان رابطاً المنع بالسياق السياسي للأنظمة: "الصورة الحقيقية لحياة المثليين قد تشكّل خطراً على الأنظمة القائمة بالشكل التي هي عليه".

العديد من العناصر تشي بأن لهذا الإعتقاد مكانه. أبرزها هو الإختلاف في تبرير الأمن العام لمنع فيلمٍ أجنبيّ يتناول العلاقات المثلية Carol))، وآخرين لبنانيّين (I Say Dustو My name is). ففي الحالتين اللبنانيتين، يأتي المنع على خلفية "وضع الشذوذ في إطار رومنسي" و"الترويج للواط". أما في الحالة الأجنبية فتضاف في تبرير منعه جملة: "لا يتآلف مع مبادئ وقيم المجتمع اللبناني". وتبقى هنا الأسئلة معلّقةً ولا تنتظر إجابتها من رقيب وإنما من المشرّعين: كيف لا تتآلف المثلية مع مجتمعٍ يودّ أن يروي قصصه مع المثليّة؟ وعن أيّ مجتمع تتكلم السلطة في هذه الحالة؟ هل للسلطة مجتمع خاص بها، منسقٌّ بطريقةٍ تبقيه خاضعاً لها؟ إن كلام زيدان يعيدنا إلى كلام المخرجة حطيط عن ضعف سلطةٍ قائمةٍ على الرقابة.

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة المفكرة القانونية.
 


[1]- مهارات نيوز، المثلية الهاجس الأكبر للرقابة في مهرجانات الأفلام السينمائية، 6 حزيران 2016، رابط المقال
[2]- المقال نفسه
[3]- مراجعة مقال لمى كرامة، المادة 534 سقطت: المثلية الجنسية ليست مخالفة للطبيعة، 8 حزيران 2016، نشر في العدد 39 من مجلة المفكرة القانونية.
[4]- نزار صاغية، نائلة جعجع ورنى صاغية، "أعمال الرقابة" قانوناً، ص39. يمكن الإطلاع على الكتاب على الرابط التالي
https://lb.boell.org/ar/2010/12/15/ml-lrqb-qnwn-thrk-mn-jl-d-lnzr-fy-qwnyn-lrqb-fy-lbnn
 
[5]-نزار صاغية، نائلة جعجع ورنى صاغية، "أعمال الرقابة" قانوناً، ص 109