حضرت والدة رلى يعقوب بكامل حزنها المتراكم لترثي منال عاصي. "وين الحق؟ وين العدالة؟ أشهر يخرج من بعدها بريء؟" انتزع قرار محكمة جنايات بيروت في قضية منال العاصي الذي خفف عقوبة زوجها إلى خمس سنوات، من والدة رلى ما تبقى لديها من أمل.كذا فعل بعوائل باقي الضحايا من نساء معنفات. فأم رلى عانت الأمرّين عبر سنين مرت قبل أن تصدر الهيئة الاتهامية في الشمال قرارا باتهامه بالتسبب بقتل زوجته وبتوقيفه. لكن المتهم ما يزال حراً طليقاً. وقد أتى قرار الجنايات، الذي خفف عقوبة زوج منال عاصي الى خمس سنوات ليضاعف خيباتها، لا سيما أن المحكمة استندت الى غضب الزوج كعذر مخفف، وأنها أظهرت تفهماً كبيراً للغضب القاتل، الذي قدمته كردة فعل مقبولة على اكتشاف الخيانة. واللافت أن أم رلى كانت الصوت الذي لم يخرج من والدة منال. الأخيرة وقفت كالتائهة بين الحاضرين. جاءت مجردة من الأمل، وهي التي كانت تحمِّل القضاء كامل ثقتها. "لم أكن أعرف أن اسقاطنا لحقنا الشخصي سيؤدي الى هذه النتيجة"، تقول والدة منال. خافت على بقية أولادها من "الضغوطات والتهديدات".

حمّلت الوالدة ثقتها في قضية ابنتها للحق العام. ولكن ما هي مكانة الحق العام في قرار الجنايات؟ ألم يدرك قضاة هذه المحكمة الخطر الكبير الذي سينتجه هذا القرار في حياة كل امرأة معنفة، على خلفية العودة إلى نظام الشرف القاتل ولو تحت قناع الغضب القاتل؟ "ما في أكثر من هيك ظلم" تقول والدة منال للمفكرة... "إبنتي انقتلت مرتين".
كفى من جهتها لا ترفع المسؤولية بالكامل عن الأهل الذين رضخوا للتهديدات وتنازلوا عن حقهم الشخصي، غير أنها تبدي في بيانها وجوب تفهمهم. بالمقابل، لا مجال بالنسبة اليها لتفهم هذا القرار: "كيف لنا أن نتفهّم كيف ضرب القضاء بعرض الحائط روحية قانون حماية النساء من العنف الأسري والذي نص على مضاعفة العقوبة في حالات القتل داخل الأسرة، ردعا لهذا النوع من الجرائم؟ كيف لنا أن نتفهّم كيف ضرب القضاء بعرض الحائط قرار المشرّع بإلغاء المادة 562 الشهيرة المتعلقة بما كان يُسمّى جريمة الشرف، وكان الهدف من ذلك توجيه رسالة واضحة لإنهاء نظام الشرف.

المآخذ على القرار كثيرة ومتشعبة، بالنسبة لكفى. تضيء مسؤولة قسم العنف الاسري في جمعية كفى المحامية ليلى عواضة على مأخذين أساسيين. أولاً على صعيد "التراجع الذي سجله القرار في مسيرة حماية المرأة من العنف في مرحلة بدأت الأمور تتجه فيها نحو التطور بشكل ايجابي"، وعلى صعيد آخر، يرتبط "بأن القاضية هيلينة اسكندر، رئيسة محكمة الجنايات، كانت اشتركت نفسها بوضع قانون الحماية من العنف الأسري الذي ينص على تشديد عقوبة القتل بين الزوجين". والأهم أن القضاء وفقا لعواضة "أخطأ بشدة ولم يحترم المحاكمة العادلة عندما حكم على شخص ميت. فأي محكامة عادلة لمنال ما دامت روايتها لم تسمع؟".

الوقفة التي نظمتها كفى اليوم أتت لمطالبة النيابة العامة باستئناف القرار منعا لمفاعيله السلبية. "نحاول أن لا يتحول هذا القرار الى قرار يحتذى"، تقول عواضة. والتعويل اليوم على النيابة العامة التي "ان امتنعت عن تمييز القرار تكون الخيانة قد كرست كسبب مبرر للقتل من جديد". في بيان الجمعية، الهدف واضح "جئنا اليوم لنؤكّد أن تخلّي أهل الضحية عن حقّهم الشخصي لن يمنعنا من المطالبة بإعادة المحاكمة لهذه القضية عبر محكمة التمييز. فقضية منال وغيرها من جرائم قتل النساء لم تعد قضية خاصة لكي تنطفئ مع انتفاء الحق الشخصي".
أعاد القرار في قضية منال عاصي الحراك النسوي سنيناً الى الوراء. فبعد أن ألغى المشرع ما يسمى بتبرير ـ"جريمة الشرف" من قانون العقوبات، عادت الشعارات المناهضة لهذه الجريمة الى الواجهة، وكأن هذا التبرير ما يجد موجوداً، وكأن المشرع لم يفعل شيئاً. فتقدم شعار:"شرف، ضحية، وفاة" المشاركين/ات. إحدى المشاركات تحمل لافتة كتب عليها: "رجال؟ عصبي؟ حاسس شرفك بخطر؟ مبروك بتربح معنا أسباب تخفيفية". لهذه الناحية، تستعيد عواضة مضمون أحد محاضر الاستجواب لزوج منال. وينطوي هذا المحضر على "اعتراف أنه سبق أن ارتبط بعلاقة مع امرأة متزوجة، واستمرت علاقتهما  الى حين انفصالها عن زوجها، ليتزوجها المتهم بعد ذلك".

 عدم انعكاس هذه الحيثيات في متن القرار، على الاقل لتبرير خيانة منال كما برر قيامه بالقتل يؤكد أن "الشرف مفهوم نسبي يخضع لثقافة المجتمع، ما يدعو إلى تطوير عقلية القضاء بالتوازي مع تطوير القوانين، فالتطوير الأخير وحده غير كاف على ما يبدو".
التراجع الذي أدى اليه هذا القرار في مسيرة تعزيز حقوق المرأة، انعكس سلباً على نظرة الناشطين الى القضاء. وهذا ما عبرت عنه اليافطة التي وصفت حكم اسكندر بالـ"light"، أي الخفيف، أو أيضا تلك التي كتبت بصيغة عرض تجاري: "جديد القضاء: مع كل ضربة قاضية، أسباب تخفيفية، من قاضية".