أقلق نمو صوفي البطيء والديها. صورةٌ لرأسها بيّنت أنها مصابة بتلفٍ في دماغها، إثر العملية التي أخضعت لها قبل أشهر. فولادة صوفي أتت مبكرة، وسرعان ما ظهر ورمٌ غير خبيثٍ في أسفل ظهرها. قرّر الطبيب أن يخضعها لعملية استئصال الورم فوراً، وكانت تبلغ شهراً من عمرها في ذلك الوقت. خرجت من العملية بشللٍ في أطرافها وفقدانٍ لكامل حواسها، بالإضافة إلى خللٍ في عمل الكلى. إثر ذلك، سارع والداها إلى مطالبة المستشفى بالملف الطبيّ الكامل لابنتهما. وتبعاً لرفض المستشفى إجابة طلبهما، لجآ إلى قاضية الأمور المستعجلة في بيروت زلفا الحسن التي أصدرت أمراً على عريضةٍ كلفت بموجبه طبيباً شرعياً بالحصول على نسخة عن ملف صوفي الطبّي، والتقرير عن العمليّة الجراحيّة والبنج، وكافة التدوينات التي أجراها الأطباء قبل العملية وأثناءها وبعدها.[1]
 
الوزراة والنقابتان: أيّ علاقةٍ بينها؟
عند حصولهم عليه، تمكّن الأهل من عرض الملف على مجموعةٍ من الأطباء، ليتبين بشكلٍ أوليّ أن تأجيل الجراحة كان ممكناً ما دام الورم غير خبيث. كما ظهر أن التلف في الدماغ ناتجٌ عن هبوطٍ حادّ في ضغط الدم. هذا الهبوط لم يلاحظه الطاقم الذي أجرى العملية كونه لم يقم بقياس الضغط طيلة مدة الجراحة.[2]"التحقيق جارٍ الآن في نقابة الأطباء في بيروت، وقد تم الاستماع الى الأهل"، يقول وكيل الأخيرين المحامي جورج خوري لـ"المفكرة القانونية". وعليه، لم يتقدم الأهل بشكوى جزائية حتى اللحظة. لكن "اذا لم تنتهِ النقابة إلى إصدار تقريرها قريباً سنتقدم بشكوى جزائية". ويبدو أن مردّ التريّث بالإدّعاء الجزائي هو الممارسة التي اعتمدتها النقابة بتعليق الإجراءات التأديبيّة بحق الطبيب في موضوع معين، فور تقديم دعوى جزائية ضده في الموضوع نفسه[3]. ومن شأن هذه الممارسة أن تثني الكثير من المتضررين عن اللجوء إلى القضاء. الشكوى الوحيدة المقدّمة من قبل عائلة صوفي اليوم، مسجّلة أمام وزارة الصحّة التي باشرت تحقيقاتها في الموضوع.
في سياقٍ موازٍ، ترزح قضية الطفلة إيلا طنوس أمام السلطات القضائية منذ حوالي العام. مؤخراَ، تمّ تأجيل جلسة الإستجواب التي كانت محدّدة في 14 تموز إلى 19 أيلول من العام الجاري حتى يتمكن وكيل أحد الأطباء المدعى عليهم من الإطلاع على الملف. قبل بدء جلسات الاستجواب، بقي ملف إيلا عالقاً لفترةٍ طويلة لدى اللجان الطبيّة. أولاً، تحضر اللجنة التابعة لوزارة الصحة. وفقاً لوكيل عائلة ايلا المحامي نادر عبدالعزيز شافي، "كان اهتمام الوزارة كبيراً بالقضية، وقد أكّدت وجود أخطاءٍ بالتشخيص والعلاج". لكن نتائج هذه اللجنة "غير ملزمة ومقتضبة جداً".  كذلك، فتحت نقابة الأطباء تحقيقاً في القضية، توصّلت بنتيجته إلى "نفي وجود أي أخطاء طبية". وأخيراً، إنتقل الملف إلى اللجنة التي عيّنها قاضي التحقيق في بيروت جورج رزق، والتي أكّدت وجود أخطاءٍ من قبل الطبيبين والمستشفيات الثلاث المدعى عليهم.
القضيتان تطرحان تساؤلاتٍ عديدة حول طبيعة العلاقة بين الجهات الثلاث المعنية بشكلٍ ما بالحفاظ على حياة الإنسان وصحته، والمقصود هنا هي وزارة الصحّة، إلى جانب كلّ من نقابتي المستشفيات والأطباء. هل من تعاونٍ قائمٍ أصلاً بين هذه الجهات؟ كيف تمارس رقابتها، وهل هي تتبادل المعلومات؟ ثم، ما هي الإجراءات التي تتخذها بحقّ من ينتهك حقوق المرضى وكلّ من يحتاج إلى عنايةٍ طبية أو إستشفائية؟
 
رقابة الوزارة استشارية
يشرح مدير العناية الطبية في وزارة الصحة الدكتور جوزيف حلو لـ"المفكرة القانونية" طبيعة الرقابة التي تمارسها وزارة الصحّة على عمل المستشفيات. وتقوم هذه الرقابة على عمودين: طبيبٌ واحدٌ مراقبٌ لكلّ مستشفى، يقوم بالرقابة على الملفات التي تغطي المستشفى نفقاتها، ولجنة الأخطاء الطبية التابعة للوزارة التي تجري التحقيقات التقنية في شكاوى الأخطاء الطبية وأخطاء المستشفيات. يمارس الأطباء المراقبون وظيفتهم "ضمن دوامٍ رسميّ من الثامنة صباحاً إلى الثانية ظهراً". ويقع في إطار صلاحياتهم "التوقيع على دخول المريض وخروجه والفحوصات المطلوبة في المستشفى، بالإضافة إلى التقارير والصور". ويتبيّن من حديث حلو أن هذا الدور ينحصر بـ"مراقبة مستحقات المستشفيات بشكلٍ دقيق". بكلامٍ آخر، لا تشكّل طبيعة الخدمة الطبيّة المقدمة للمريض النقطة المحورية في عمل المراقب، بل القيمة المادية لهذه الخدمة ومدى ضرورتها. وبما أن هذه الرقابة تتعلق حصراً بملفات المرضى الذين تغطي الوزارة نفقات علاجهم، فإن أوضاع سائر المرضى تبقى خارج دائرة رقابة الوزارة المباشرة. وبهذا المعنى، يبقى علم الوزارة بوجود مخالفات أو أضرار معلقاً على "الشكاوى المقدّمة من قبل أصحاب العلاقة أو من خلال ما ينشر في الإعلام". ويؤكّد حلو أن الوزارة، فور علمها بوجود أضرار، تسارع إلى "تكليف لجنة الأخطاء الطبية لإجراء التحقيق". وفيما تبقى هذه التقارير ذات "طبيعة إستشارية"، فإنها تبقى مرتكزاً للإجراءات المتخذة، والتي تتراوح ما بين "تعليق عقد المستشفى مع الوزارة طوال أشهرٍ وسحب الرخصة منها نهائياً".
 
الإمتناع عن استقبال المرضى مخالفة
لكن ماذا لو امتنعت مستشفى عن استقبال مريض في حالة طارئة؟ يؤكد حلو أن "المستشفيات ملزمة بتقديم العناية الأولية". ويقول: "العقد الموقع بينها وبين الوزارة واضحٌ لناحية أنه لا يتم رفض أيّ مريضٍ في حالةٍ طارئة حتى لو تجاوزت المستشفى السقف المالي المتفق عليه". وفي حال مخالفة المستشفى، "يجري الوزير اتصالاته مباشرةً لإدخال المريض". هذا لو علم بالأمر مباشرة. "أما في حال عرف الوزير أن المريض تمّ نقله الى مستشفى أخرى، فإنه يتخذ الاجراءات المناسبة بحق المستشفى التي امتنعت عن استقباله". في المقابل، في حال استقبلت المستشفى المريض في حالة طارئة على الرغم من "تخطي السقف المالي المحدد من الوزارة، يتم توقيع الملف من قبل الوزير (أي رصد مبلغ اضافي لتغطية ما تكلفته)".
لا بد هنا من التوقف عند تدخّل الوزير شخصياً لقبول إدخال أحد المرضى في حالةٍ طارئة. ولا يعوّل طبعاً على هذا التدخّل الشخصيّ، إنما يقتضي وضع آليةٍ متكاملةٍ تؤدّي إلى إلزام المستشفيات باستقبال المرضى بصورةٍ لا تقبل التفاوض.
هكذا تتم الأمور من جهة الوزارة. أما بالنسبة إلى نقابة الأطباء فيوضح النقيب الجديد ريمون صايغ لـ"المفكرة" أن "المقاربة الجديدة للأخطاء الطبية"[4] ترمي إلى "بناء شبكة عملٍ مع القضاء والإعلاميين، من خلال تنظيم ورش عمل تتعلق بالنشاط الطبي والمسؤوليات المترتبة عليه". يؤكد صايغ أن ما تريده النقابة ليس "أن تتوقف الشكاوى ضد الأطباء الذين يسبب عملهم ضرراً ما، بل أن تتوقف الاستنتاجات والأحكام المتسرعة لا سيما أن العمل الطبي معقد". لقد بات ملحاً إتجاه نقابة الأطباء لاعتماد مقاربةٍ جديّة للأخطاء، على ضوء عددٍ من الأحداث الحاصلة أخيراً. في كلّ الأحوال، يبقى أيّ إجراء أحاديّ الطرف في هذا المجال ناقصاً. فالتطوير المنتظر على صعيد نقابة الأطباء يحتاج إلى نظيرٍ له على مستوى نقابة المستشفيات، التي لا تزال بعيدةً عن هذه المقاربة.
 
ما هي الآداب الإستشفائية؟
يوضح وكيل نقابة المستشفيات المحامي ناجي الهاني لـ"المفكرة" طبيعة عمل النقابة في مجال الرقابة على المستشفيات المنضمة إليها. تقوم "لجنة الآداب الإستشفائية" بمهمة الرقابة. وهذه اللجنة "ليست تأديبية، فتنحصر صلاحياتها بمراقبة تطبيق المستشفيات للآداب الإستشفائية. تنظم تقارير وتصدر تنبيهاً أو لوماً الى المستشفى بناءً عليها". أما أقسى الإجراءات التي يمكن للنقابة اتخاذها تجاه المستشفى المخالفة فيكون بإلغاء عضويتها في النقابة". ويؤكد الهاني على وجود "تعاونٍ دائم بين نقابة المستشفيات من جهة وكل من نقابة الأطباء ووزارة الصحة من جهة أخرى". إلا أن وزارة الصحة على ما يبدو لا تأخذ بمضمون تقارير اللجنة. يقول الهاني: "لا أذكر أن الوزراة بادرت تلقائياً لاتخاذ اجراءات بحق مستشفيات على خلفية تقارير النقابة". كذلك، لم تطلب النقابة من الوزارة إتخاذ أيّ إجراء ضد أيّ مستشفى.
لكن ما هي الآداب الإستشفائية من منظور نقابة المستشفيات؟ وفقاً لوكيل النقابة التي تضم "حوالي 120 مستشفى"، فإن "بديهيات" هذه الآداب هي "تلبية الإستغاثة، قبول الحالات الطارئة وإزالة الخطر عنها، تمكين المرضى من الحصول على الملف الطبي، الالتزام بادخال المريض الذي يصل الى المستشفى في حالة طارئة الى العناية ما دام يحتاج إليها وما دامت الأسرّة متوفرة بغض النظر عن قدرته المالية". وإذ نسأل الهاني عمّا إذا كانت المستشفيات قد انتهكت بعض هذه القواعد في قضيتي إيلا وصوفي، تراه يفضّل ألا يخوض في ملفاتٍ ما تزال معروضة على القضاء.
خلاصة اللقاءات التي أجرتها "المفكرة" مع الجهات الثلاث تبرز غياب آلية تعاونٍ واضحة فيما بينها. فتقوم كلّ منها بدورٍ يكاد غالباً أن يكون شكلياَ في مجال الدفاع عن حقوق المرضى والمتضررين من السلوكيات المنتشرة بين المستشفيات. وتتجلى شكلية هذا الدور في الإستحقاقات الكبيرة، كفقدان طفلةٍ لأطرافها أو تعطّل دماغ طفلةٍ أخرى. ما يحيلنا من جديد نحو القضاء، حيث لا تزال قضية إيلا في بداياتها. أما قضية صوفي فيبدو أن اللجوء إلى القضاء سيكون قريباً فيها، فوفقاً لخوري، ما لم تصدر نقابة الأطباء تقريرها من دون تأجيل.

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة المفكرة القانونية

يمكنكم/ن أيضاً قراءة: عدم إغاثة شخص على باب مستشفى في حكمٍ قضائيّ: تمّ جبرُ ضررِ الضحيّة.. لكن العقوبات لا تردع

[1]- الوكالة الوطنية للاعلام، "القاضية الحسن طالبت باعطاء الملف الطبي لوالد طفلة اصيبت بضرر جسيم جراء عملية"، قضاء، الأربعاء 15 حزيران
 
[2]- نخلة عضيمة، تقرير بعنوان "مآسي الطفلة صوفي مشلب تتوالى، 11/7/2016، قناة الـ MTV.
[3]-امتناع النقابة عن اتخاذ اجراءات تأديبية ضد الطبيب عصام معلوف في قضية ايلا طنوس
[4]- فيفيان عقيقي: "العدالة لـ ايلا ... مع وقف التنفيذ"، الأخبار، مجتمع وإقتصاد، العدد 2908، السبت 11 حزيران 2016.