عند مدخل عدلية بيروت، يشير الدركي إلى الشاب الواقف أمامه: "ما فيك تفوت بالشورت". وبينما همّ الشاب للتفاوض مع الدركي بشأن حقه البديهيّ بالدخول إلى قصر العدل، تصل شابةٌ بفستانٍ متوسّط الطولأيضاً. لكن الشابة أتت بمهمة عمل. تتولى الدركيّة لفت إنتباهها إلى أنه يمنع الدخول بفستانها، "رغم كونه عاديّاً"، على حدّ وصف الدركية. ثم تنتقل إلى مكتبٍ آخر، لتعود مع رجل أمنٍ آخر، ربما يعلوها رتبةً، في محاولةٍ منها لتسهيل مرور الشابة. في أثناء إنتظار قرار الأمن بحقّ الفستان، تهمس الدركيّة للفتاة: "أنا ما خصّني، كلّ شخص يلبس اللي بيناسبه، بس القضاة بيعملوا لنا مشكل". (أنا لا أتدخّل، لكلّ شخصٍ أن يلبس ما يناسبه، لكن الأمر يسبّب لنا بمشاكل مع القضاة).

الوضع في بقية المناطق ليس مختلفاً، وفقاً لما وثقته "المفكّرة القانونية". ففي جبل لبنان، عُلّق على باب عدلية بعبدا: "الرجاء إلتزام اللباس اللائق". لا وجود لهذا الإعلان "الأخلاقيّ" في الشمال، على الرغم من أن الدخول بالـ"شورت" و"المشاية" ممنوعٌ. فيؤكد مراسل "المفكّرة" في الشمال أنه التقى قبل أيامٍ بمجموعة من الأشخاص تجمّعوا أمام العدلية بعدما مُنعوا من دخولها بسبب لباسهم. الأمر ذاته ينسحب على "عدليّة" زحلة، إلا أنه يحضر بشكلٍ أكثر تحديداً. فالتدقيق على اللباس يتمّ حصراً على مستوى الأشخاص الذين سيقابلون قضاة. في صيدا، الوضع مختلفٌ قليلاً، ويستحق التوقّف عنده. فتفيد مراسلة "المفكّرة" في صيدا نقلاً عن عناصر من قوى الأمن الداخليّ بأن الرئيسة الأولى في صيدا رلى جدايل أعطت تعليماتٍ شفهية تقضي بمنع الأشخاص (نساءً ورجالاً) الذين يرتدون "شورتاً قصيراً" من الدخول. المفارقة أن الدرك رفضوا الإلتزام بهذه التعليمات، لا سيّما أنّ "الموضوع لا يؤثّر على الأمن". ولا ينفي هذا الرفض تعرّض الأشخاص لمضايقاتٍ على خلفية لباسهم داخل العدلية. فبعض القضاة - المحدّدين بالأسماء - سواءً في النيابة العامّة أو في محكمة البداية، يوجّهون ملاحظات للأشخاص الذين يرون أن لباسهم "غير لائق".

هكذا يحدّد القيمون على قصر العدل شروط وصول الفرد إليها، إنطلاقاً من معاييرهم ورؤيتهم الخاصة لعلاقة المواطن بالقضاء. ولكن مَن يقرّر، بالضبط؟ وما هي المعايير التي تعمل قصور العدل على ضوئها؟ وهل هي موحّدة، أم تتصل بتعليمات رئيسٍ كلّ محكمة؟
حملنا أسئلتنا هذه إلى أمانة سرّ مجلس القضاء الأعلى، لكن لم نلقَ أيّ جواب.

وفي ظلّ هذه الممارسات، نجد أنفسنا أمام بعدين:
البعد الأول يتمثّل بقيم التبجيل المتصلة حكماً بإرادة تظهير السلطة والرهبة. بفعله، تظهر قصور العدل حيث الحكم للشعب، أيّ لمواطنين متساوين، وكأنها في حال تماهٍ مع الأماكن المقدّسة (المعابد، الأديرة، دور الصلاة، إلخ)، فتُفرض الحشمة فيها إظهاراً لرهبتها.
أما البعد الثاني، وهو البعد الأخطر، فهو البعد الطبقيّ. يتبلور في إقصاء من يلبس "المشّاية"، من يستغلي شراء حذاء، أو لا يرغب بلبسه، حيث يطرد من أمام قصر العدل كما يطرد من أمام المنتجعات والمطاعم.

بذلك، لا تكون المحكمة مكاناً عاماً يتفاعل فيه الناس بحثاً عن قيمٍ ناظمةٍ لحيواتهم، بل تظهر كأنها مكانُ القاضي وحصنُ هيبته. فكأنما سلطة القاضي تتخطّى حدود القضية المعروضة أمامه، نحو التحكّم بمظهر الأطراف فيها.
كذلك، لا يشعر القاضي عند تدخّله بملابس الماثلين أمامه أنه يستمد حدوده في العلاقة معهم من النصّ القانونيّ أو المبادئ العامّة. على العكس، تراه يستمدّ هذه الحدود إنطلاقاً من فهمه لـ"هيبته" كقاضٍ وهيبة القضاء كسلطة. يرتّب هذه الحدود، ثم يفرضها على الأفراد بكلّ ما تحمله من رسائل لهم: عليكم أن تقلقوا، فأنتم أمام هيبة قضائيّة. عليكم أن تقلقوا من أحوالكم الإجتماعية، ومن عدم قدرتكم على تلبية الذوق المحافظ للقاضي. عليكم أن تقلقوا من نظرة القاضي الشخصيّة لكم، حكمه الشخصيّ على أفكاركم وملابسكم، وعلى مدى إحترامكم له. وأخيراً، وبشكلٍ مرتبطٍ، عليكم أن تقلقوا من ردّ القاضي عليكم، لو اعتقد نظراً لملابسكم أنكم لا تحترمونه، وستتخوفون عندها من الحكم الذي ستنالوه.
في كلّ ما تقدّم، تتوارى العدالة خلف جدارٍ مرتفعٍ من المخاوف، وتصبح هشّةً بالمعنى الفعليّ. إذ يصعب على الأفراد الوصول إليها بعد أن يغلّفها القاضي بكمٍّ من الأحكام المسبقة المتعلّقة ليس بمن يمثل أمامه فقط، بل بذاته وبمكامن سلطته وهيبته.

نشر هذا المقال في العدد 42 من مجلة المفكرة القانونية