يشكل القرار الإعدادي الصادر عن دائرة التنفيذ (انظر ادناه) مثالا جديدا على دور القضاء المدني والوسائل التي يتمتع بها في مراقبة الأحكام الصادرة عن المحاكم الدينية. فقد استحصل شخص من المحكمة الشرعية الجعفرية في جويا على حكم بمنع سفر ابنته الراشدة الى الولايات المتحدة الأميركية على خلفية خوفه من زواجها من رجل غير كفؤ من غير دينها (غير مسلم). وتبعا لطلب تنفيذ القرار المذكور امام دائرة التنفيذ في جويا، كلف رئيس هذه الدائرة القاضي بلال بدر طالب التنفيذ (اي الوالد) بمناقشة ما تضمنه القرار الشرعي موضوع طلبه وما استند اليه في ضوء مبادئ النظام العام (اللبناني) لا سيما ما تكرس منها في نصوص الدستور. وعلى الرغم من ان طالب التنفيذ اهمل هذه المعاملة وامتنع عن التجاوب مع التكليف المذكور، يبقى القرار بحد ذاته، وبصيغته المنشورة اعلاه، ذات اهمية فائقة من زوايا عدة: 
اولا، انه يضيئ على قضية اجتماعية هي: مدى تدخل المحكمة الشرعية في الشؤون الخاصة لامرأة راشدة، بناء على طلب والدها والإنعكاسات القانونية والإجتماعية لهذا التدخل. فقد بررت هذه المحكمة قرارها بتقييد حق الإبنة الراشدة بالسفر بصلاحيتها بتقييد حق آخر هو حق المرأة الراشدة في اختيار زوج لها، حرصا "على سلامة الأعراض" وضمانا للتكافؤ بين الزوجين. فضلا عن ذلك، لا تجد المحكمة حرجا في سياق تعليل تدخلها، في القول بأن القرار لا يسبب اي "ضرر مباشر". وكأنها بذلك تؤكد في موازاة اعلان حرصها على الأعراض (وعلى القيم العائلية التقليدية)، لامبالاة شديدة، بل ازدراء لحقوق فردية اساسية كحق السفر والزواج، وهي حقوق لا يتسبب تقييدها والمس بها بأي ضرر مباشر! وأبعد من ذلك، واذا تم التسليم بصلاحية المحكمة في هذا الاطار، فما الذي يمنع شيوع احكام تمنع تنقل المرأة الراشدة من منطقة الى اخرى، من حي الى آخر، من البيت الى المدرسة او الجامعة، بحجة الحرص على الأعراض ومنع زواجها من شخص غير كفؤ او من شخص من غير دينها (وربما غدا من غير مذهبها)؟ وألا يهدد ذلك حق المرأة بالمشاركة بالحياة المدنية بشكل عام بحجة احقية والدها، والمحكمة الشرعية، بالتدخل بحياتها الخاصة؟
ثانيا، ان القاضي المدني بدا شديد التحيّط في التعامل مع القرار الشرعي نظرا لحساسية المسألة. فإن يكلف القاضي طالب التنفيذ  بمناقشة مضمون القرار الشرعي على ضوء مبادئ النظام العام ولا سيما ما جاء منها في الدستور، يعني امرين: الأول ان للقاضي قناعة بتعارض الحكم مع هذه المبادئ او على الأقل انه ميال الى الاعتقاد بذلك او ان لديه تساؤلات عميقة بهذا الشأن، والثاني انه، بدل الاعلان عن موقفه او حسم تساؤلاته بشأن ذلك على نحو قد يظهر تصادميا، آثر الاكتفاء بطرح الأسئلة داعيا طالب التنفيذ الى مشاركته في استشراف الأجوبة. والواقع ان لهذا التكليف (الدعوة) بحد ذاته، وبمعزل عما قد تنتهي المعاملة التنفيذية اليه، اهمية فائقة: فسواء تم تنفيذ القرار او لم ينفذ، يبقى التكليف علامة استفهام تمهد ربما لنقض المسلمات واستشراف احتمالات التغيير، بأسلوب يغلب فيه التباحث والحوار على التصادم والفرض. وهو يتحول من هذه الزاوية، من سؤال موجه الى طالب التنفيذ الى سؤال موجه الى مجمل القوى المسؤولة او المؤيدة للقرار الشرعي المطلوب تنفيذه.  
ثالثا، ان القاضي المدني اكد من خلال قراره على وجود مبادئ معينة (مبادئ النظام العام) يتعين على المحاكم الشرعية الإلتزام والتقيد بها، وان من شأن عدم الإلتزام بذلك ان يجعل اعمالها غير قابلة للتنفيذ.وهذا الأمر يفسر تكليف طالب التنفيذ بمناقشة مدى توافق مضمون القرار الشرعي مع هذه المبادئ، تمهيدا للنظر في طلبه. والواقع ان لهذا الموقف ابعاد قانونية وإجتماعية فائقة الأهمية.
فهو يعيد ترتيب العلاقة بين الطوائف والدولة: فأمرت الطوائف بتنظيم الأحوال الشخصية للمنتسبين اليها تخضع لمبادئ النظام العام المستمدة من المنظومة القانونية للدولة. ورغم ان هذا الأمر يتماشى مع نص المادة 9 من الدستور التي تخضع ممارسة الشعائر الدينية للإنتظام العام، فإن الحالات التي تم فيها استبعاد احكام طائفية او الحد من مفاعيلها عملا بالإنتظام العام تبقى نادرة (يذكر منها تدخل القاضي المدني لاتخاذ تدابير حماية لقاصرين معارضة في مفاعيلها للقرارات الصادرة عن قضاة الشرع كاتخاذ قرار بابقاء طفل في رعاية والدته رغم انتقال حق الولاية الى الوالد بحكم شرعي، يراجع، نزار صاغية، «الطفل في حال الخــطر»: القضاء يكرّس نظاماً ملزماً للطوائف، الأخبار، 13 آب 2009).
وما يزيد هذا القرار اهمية، هو انه احال، ليس الى نصوص معينة، انما الى مبادئ النظام العام. وهذه العبارة انما تفتح الباب ليس فقط امام تطبيق نصوص صريحة معينة، انما ايضا امام اعلاء مكانة بعض الحقوق ورفعها الى مصاف قواعد النظام العام، بل ايضا وايضا، امام استنباط المبادئ العامة من مجموع التوجهات التشريعية المدنية السائدة. فما هي مرتبة الحقوق الفردية الممنوحة للأفراد؟ وهل يرقى حق السفر او حق الزواج او حق التعلم او حق التنقل الى مستوى الحق المحمي بمبادئ النظام العام ام لا؟ ثم ما هي المبادئ التي نص عليها الدستور؟ وهل هي تشمل المبادئ المستمدة من مقدمة الدستور، بما فيها تلك المستمدة من العالمي لحقوق والمواثيق الدولية كالعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية وللحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية؟
رابعا، ان القول بوجود مبادئ ملزمة للنظام العام انما يشكل بحد ذاته بابا لتعزيز الوظيفة الاجتماعية للقضاء المدني وادواته. فليس على القاضي ان يبقى اسير النصوص الوضعية، بل له صلاحية استنباط مبادئ ملزمة ، بل ربما عليه التحري عن مبادئ مماثلة كلما تبين مسا خطيرا بحق اساسي.
 
القرار الصادر عن القاضي الشرعي الجعفري السيد حسين تفاحة بتاريخ  9-4-2011:
"حيث ان البنت موضوع الاستدعاء ما تزال عزباء حسب البيان العائلي المرفق،
وحيث ان الأب هو الولي الجبري على البنت طالما هي عزباء، وحيث ان خوف الوالد من زواج ابنته من غير الكفؤ فكيف اذا كأن من غير دينها وعدم أنتمائه الى الاسلام بحسب ما صرح المستدعي،
وحيث ان المطلوب منع سفرها لها الحق بالاعتراض على القرار اذا كانت الأسباب المدلى بها غير واقعية،
وحيث ان المحكمة تحرص على سلامة الأعراض والحفاظ عليها،
وحيث ان المحكمة لا ترى ضررا مباشرا في اصدارها القرار،
لذلك، وسندا للمادتين 20 و21 من ق م ش (قانون المحاكم الشرعية)، تقرر منع سفر ... التي تحمل الجنسية الأميركية، قرارا شرعيا معجل التنفيذ نافذا على أصله صدر بتاريخ 9-4-2011".
 
القرار الصادر عن رئيس دائرة التنفيذ في جويا القاضي بلال بدر بتاريخ 14-4-2011:
"بعد الاطلاع على طلب التنفيذ المقدم من المنفذ ...،
وعلى الصورة الصالحة للتنفيذ عن الحكم الشرعي الصادر بتاريخ 9-4-2011،
وحيث ان القرار موضوع التنفيذ قد تضمن منع المنفذ عليها، ابنة المنفذ، من السفر مستندا الى ان هذه الأخيرة تنوي الزواج من شخص غير كفؤ وليس من دينها،
وحيث يقتضي تكليف طالب التنفيذ بمناقشة ما تضمنه القرار الشرعي موضوع طلبه وما استند اليه في ضوء مبادئ النظام العام لا سيما ما تكرس منها في نصوص الدستور،
لذلك نقرر تكليف المنفذ بما سلف، على ان ينظر لاحقا بالمقتضى".  

نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.