في كلمة القاها سامر يونس (مدعي عام في بيروت) في 29-4-2011 في معهد الدروس القضائية بشأن قانون الإتجار بالبشر، ذكر ان قانون العقوبات الحالي يعاقب بعض الأفعال التي قد تشكل اوجها للاتجار بالبشر حتى ولو لم يكرس المفهوم بذاته بعد. وفيما نوه القاضي بالأحكام القضائية التي ادانت مواطنين لبنانيين على خلفية ارتكاب اعمال عنف ضد العاملات الأجنبيات لديهم، فقد عبر عن قلق عميق ازاء الاستسهال بتخفيف العقوبات في حالات مماثلة. "فالأسباب المخففة تمنح لمستحقيها ممن اعلنوا توبة وأشهروا ندما وطلبوا صفحا، لا لمن يستبدون ويستكبرون ويتجبرون ويدوسون على من هم دونهم قيمة وقدرا". وتنشر "المفكرة" مقتطفات من هذه الكلمة التي تدعو الى التفكير ابعد من التشريع، بكيفية تطبيق القانون في المحاكم.
ولكن، كيف تعامل القضاء اللبناني مع هذه الظاهرة؟ لا سيما ان المستغلين والمعتدين هم عادة من اللبنانيين، في حين ان المستغلين والمعتدى عليهم هم اجمالا من جنسيات اجنبية "مستضعفة"؟
اليكم حكما اصدره القاضي المنفرد الجزائي في جبيل، بتاريخ 24-6-2010، وقد صدقته محكمة الاستئناف الجزائية في جبل لبنان في 31-1-2011، انتهى بموجبه الى ادانة مواطنته اللبنانية، لإقدامها على ضرب فتاة سريلنكية تعمل في خدمتها، فحبسها شهرا، سندا للمادة 554 من قانون العقوبات، رافضا منحها اية اسباب مخففة لم تستحقها لتفيد منها، وذلك نظرا لعدم اقرارها بما اتته من جريمة تستأهل العقاب، "لأن الإقرار بالجرم هو اول طريق الندم"، حسبما جاء في احدى حيثيات هذا الحكم، مانعا اياها، في الوقت عينه، من "الدخول طرفا في عقد استخدام عامل او عاملة في الخدمة المنزلية بصفة ربة عمل او كفيلة منذ تاريخ صيرورة هذا الحكم مبرما، لمدة خمس سنوات، وذلك سندا لأحكام المادة 94 من قانون العقوبات اللبناني"، "وبإبلاغ نسخة عن هذا الحكم من المديرية العامة للأمن العام اللبناني ومن وزارة العمل"، وبتضمين المدعى عليها "عشرة ملايين ليرة لبنانية بدل عطل المدعية وضررها".
وإليكم ايضا، حكما آخر اصدره القاضي المنفرد الجزائي في البترون، بتاريخ 9/12/2009، ادان بموجبه سيدة لبنانية دأبت على ضرب خادمتها الفيليبنية وتعنيفها وأساءة معاملتها، فحبسها لخمسة عشر يوما وغرمها خمسين الف ليرة لبنانية، سندا للمادة 554 من قانون العقوبات، وضمّنها عشرة ملايين وثمانمائة الف ليرة لبنانية بدل عطل المدعية وضررها ودرّكها رسوم الدعوى ونفقاتها.
ولكنّ المفارقة ان محكمة الإستئناف في لبنان الشمالي قد قررت تخفيفا، في 21-10-2010، استبدال عقوبتي الحبس والغرامة المحكوم بهما بداية، بغرامة اجمالية قدرها مليون ليرة لبنانية، دون ان يطرأ اي جديد يبرر افادة هذه السيدة اللبنانية من اسباب لم تستحقها، تخفف مسؤوليتها عن جرم يقتضي التعامل معه بحزم وشدة.
وما نخشاه في هذا الصدد، هو ان تشتد عزيمة الضاربين والضاربات، المعتدين والمعتديات، فيستسهلون سلوكا اجراميا عدائيا، يرونه عاديا مألوفا ومشروعا، لا سيما اذا ما احسوا بضعف الوازع وهزالة الرادع!
فالأسباب المخففة تمنح لمستحقيها ممن اعلنوا توبة واشهروا ندما وطلبوا صفحا، لا لمن يستبدون ويستكبرون ويتجبرون ويدوسون على من هم دونهم قدرة وقدرا، وإن كان هؤلاء يفوقونهم قدرا!
وهل تكفي غرامة، ايا يكن مقدارها، لتردع مجرما ولتهدئ خاطرا ولتبلسم جرحا ولتكفكف دمعة ولتعيد توازنا، ولتزيل آثار سيجارة اطفأها رب عمل او ربة منزل، .. في جسم فتاة، عيبها لونها، جرمها فقرها، ذنبها غربتها وتشردها عن اهل ودار!

نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.