بتاريخ 12-5-2011، اقرت اللجان النيابية المشتركة مشروع قانون يرمي الى معاقبة جريمة الإتجار بالبشر. ومع تسجيل اهمية المشروع في حماية الضحايا، فإن من شأن المادة 586 (8) ان تجرده من كثير من مفاعيله. فقد نصت هذه المادة "يعفى من العقاب المجنى عليه الذي يثبت انه ارغم على ارتكاب افعال معاقب عليها في القانون او خالف شروط الإقامة او العمل. يجوز لقاضي التحقيق او القاضي الناظر في ملف الدعوى، بموجب قرار يصدره، ان يجيز للمجنى عليه الاقامة في لبنان خلال المدة التي تقتضيها اجراءات التحقيق".
وبنتيجتها، يتعين على من تم استغلالها في الدعارة ان تقدم اثباتا على انها ارغمت على ارتكاب الفعل. وهو اجرائيا وعمليا امر صعب، وغير منطقي. فكيف نقول ان ثمة شخصا ضحية للإتجار به من دون ان يكون لموافقته اي اثر على تكييف الفعل ومن ثم نفرض عليه تقديم اثباتات على انه كان مرغما على القيام بما قام به في معرض استغلاله؟ ثم كيف نحفز الضحية على فضح الذي يتاجر بها اذا تعين عليها بالنتيجة ان تجابه معه الملاحقة والعقاب؟ ولذلك، يقتضي هنا القول بوجود قرينة بأن ضحية الإتجار تكون مرغمة بشكل او بآخر على القيام بأعمال معينة وبوجه خاص الأعمال التي تدخل ضمن اطار استغلالها، كالدعارة والتسول الخ.. كما انه يقتضي ان لا ينحصر الأمر بالإعفاء من العقاب انما ايضا بالإعفاء من الملاحقة.
ومن جهة اخرى، تضمن المشروع تعديلا للمادة 524 عقوبات من شأنه ان يمس مباشرة بحرية المرأة في شؤونها الخاصة. فالنص القديم للمادة 524 كان يعاقب اغواء فتاة دون سن الـ21 او اجتذابها او ابعادها لإرضاء اهواء الغير incitation a la debauche. والمقصود بذلك هو ان تنساق فتاة لرغبات شخص آخر لمصلحة شخص ثالث كأن توافق على مجامعة هذا الأخير بتشجيع من الثاني، من دون ان يكون هنالك اي بدل مالي (اي خارج حالات الدعارة). وهذا النص المستمد من القانون الفرنسي القديم انما هو مبني على فرضيتين اثنتين: الأولى، ان الفتيات تحت الـ21 سنة يعانين من ضعف نفسي ويقتضي تاليا حمايتهن ازاء اغواء الغير، والثانية، ان العلاقات الجنسية تبقى من المسائل الخطرة التي يقتضي حماية الضعفاء منها. وتاليا، ان تعديل المادة في اتجاه تعميم الفئة المحمية، فتصبح اي "شخص" بدلا عن "فتاة دون الـ21 سنة" يعني توسيع الفئة التي يقتضي حمايتها لتشمل الناس كافة، مما يؤدي حكما الى توسيع دائرة تدخل القانون في الشؤون الخاصة، وبشكل خاص تدخل الأهل في شؤون اولادهم. وهكذا بموجب هذا النص، بإمكان الأهل الإدعاء ضد من شجع ابنتهم او ابنهم (ايا كان سنه/ها) على اقامة علاقة عاطفية/ جنسية بأحد ما دون ان يكون لذلك اي صلة بالإتجار. وبالطبع، وعلى ضوء الظروف الثقافية، يفترض ان يطبق هذا النص على النساء وحدهن، وربما ايضا على المثليين والمثليات، اي في كل ما يعارض أخلاقيات المجتمع التقليدية. وتاليا، لا نخطئ اذا قلنا ان تعديلا مماثلا يؤدي الى تكريس هيمنة مفهوم معين للأخلاق العامة على حساب الحرية الشخصية، من دون ان يكون له اي علاقة بمكافحة الإتجار بالبشر.
 
نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.