1946، مظاهرات حاشدة تطالب بتعميم النتائج التي توصلت اليها محكمة العمل في قضية "حسن الدرزي" ومفادها عد الشركات الاجنبية ملزمة باحترام الحد الادنى للاجور والزيادات القانونية الطارئة عليه. وكانت هذه الشركات قد ادعت ان المحكمة الصالحة للنظر في الدعاوى المقامة ضدها هي المحاكم المختلطة في سعيها للتحرر من الموجبات المفروضة قانونا على اصحاب العمل العاملين في لبنان (مقال لما كرامه). فجاء قرار "الدرزي" ليجردها من هذا الامتياز.
والصورة تنقلب تماما مع الانتقال من الانتداب الى الاستقلال؛ فالاجير الذي يحرم من حقوق مكتسبة وفق قانون العمل والضمان الاجتماعي، هو الاجير الاجنبي العامل في اغلب الاحيان لدى صاحب عمل لبناني. وهكذا لا يستفيد هذا الاجير من الضمان الاجتماعي ولا من تعويض نهاية الخدمة الا في حال المعاملة بالمثل (فقط 5 دول). كما يخضع هذا الاجير لنظام الكفالة الذي يؤول الى ربط علاقة العمل مع صاحب عمل معين (كفيل) بحق الاقامة، مما يولي هذا الاخير سلطات ادارية واسعة الى جانب سلطاته الاقتصادية.
والرابط بين الحالتين المعروضتين اعلاه، هو استخدام "معيار الجنسية" كمعيار لحرمان الاجير من بعض حقوقه، وتاليا لتبرير استغلاله: ما تغير هو فقط جنسية المستغل (وقد كان اجنبيا فاصبح لبنانيا) وجنسية المستغل (وقد كان لبنانيا فاصبح اجنبيا). ربما تساعد هذه المقارنة في فهم ان هذا المعيار ليس موفقا تماما، بل انه هو مجرد ذريعة تقنية للايحاء بوجود اوضاع مختلفة تبرر تجاوز القواعد العامة في قضايا العمل وعمليا الاستغلال من دون تحمل الاتهامات بانتهاج التمييز. معيار تقني، نعم، لكنه لا يعدو كونه خدعة!
 

نشر هذا الخبر في العدد الثالث من مجلة المفكرة القانونية.