بتاريخ 2-6-2012، نُشر في الجريدة الرسمية - قرار يحمل عنوانا لافتا: "حصانة المفتين المحليين وعلماء الدين المسلمين". ولم يصدر هذا القرار عن المجلس النيابي كما قد يتوقع عند قراءة عنوانه انما عن المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى.
والواقع أن هذا القرار لافت من زوايا عدة: 
من حيث توقيته، فقد حصل بعد ايام من مقتل رجلي دين (من الطائفة السنية) أثناء عبور سيارتهما  لحاجز الجيش اللبناني في عكار (20 أيار) وما أعقبها من ردود فعل غاضبة بلغت مناطق عدة في بيروت. كما أتى بعد توقيف الشاب شادي المولوي لفترة 10 أيام، على خلفية إنتمائه إلى تنظم القاعدة وما أعقبها من احتجاجات غاضبة في طرابلس، تقاطعت مع الاحتجاجات على مقتل الشيخين المذكورين.
من حيث مضمونه، أنه يفرض على النيابات العامة المولجة بسلطة الملاحقة والادعاء، استئذان مفتي الجمهورية قبل مباشرة أية ملاحقة بوجه المفتين المحليين أو علماء الدين المسلمين. وقد جاء هذا النص في اطلاقه: فهو يشمل جميع هؤلاء، الذين يعتبرون موظفين في الدولة ومن هم ليسوا كذلك. وهو يشمل جميع الجرائم التي قد يشتبه ضلوعهم بها، بما فيها الجرائم التي لا صلة لها بوظائفهم أو بأعمالهم كعلماء دين. وهذا الأمر يؤدي الى منحهم حصانة تتجاوز ما نص عليه قانون الموظفين الذي اشترط الحصول على الموافقة المسبقة للادارة لملاحقة هؤلاء فقط اذا كان الجرم ناشئا عن وظائفهم. وأخطر من ذلك، فان القرار لم ينص على امكانية تجاوز رفض المفتي اعطاء الاذن، بخلاف الحال بشأن الموظفين بحيث يمكن للنيابة العامة التمييزية أن تسمح بالملاحقة وأن تتجاوز رفض الادارة المعنية بهذا الشأن. وانطلاقا من ذلك، يتبدى علماء الدين وكأنهم باتوا أعلى من القانون أو بكلام آخر محصنين بدار الافتاء في وجهه.   
من حيث مصدره، فقد اتخذه المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى خارج أي صلاحية أو اختصاص، بل على نحو يشكل تعديا على صلاحيات المشرع الذي بامكانه وحده أن يمنع الحصانات أو أن يدخل أي استثناء أو قيد على الملاحقات الجزائية. واللافت أن المجلس أسند قراره على المرسوم الاشتراعي 18/55 الذي يعلن المفتي الرئيس المباشر لجميع علماء الدين مما يجعل المرجع الصالح لاعطاء الاذن بملاحقة علماء الدين الموظفين بما يتصل بوظائفهم ولكن من دون أن يعطيه أي صلاحية من أي نوع كانت بخصوص ملاحقة من هم ليسوا، وبكلام أخرى من دون اعطائه أي صلاحية خاصة بما يختص بالحصانة الجزائية. واللافت أكثر أنه رغم وجود هذه المخالفة الواضحة والتي تجعل القرار بحكم غير الموجود، فان القيمين على الجريدة الرسمية لم يجدوا مانعا من نشره فيها.
   
فما عدا ما بدا؟ وأليس بامكان الدولة ارضاء الممتعضين منها أو العصبيات على اختلافها من خلال اجراءات تنتظم ضمن
قوانين الدولة وأجهزتها؟ أمام ردود الفعل الغاضبة لمقتل الشيخين، أعلن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي بأن "لا حصانة لأحد وأن القانون يبقى فوق الجميع"، طالباً من وزير العدل شكيب قرطباوي "متابعة التحقيقات وإعادة الوضع الأمني إلى طبيعته".بالطبع المقصود من اشارة ميقاتي الى أن "لا حصانة لأحد" هم عناصر الجيش الذين أطلقوا النار على الشيخين في عكار، لكن أن تقود الحادثة الى تكريس حصانة علماء الدين كافة في اي أمر، فهذا أمر لم يكن بحسبان أحد..