أثارت طقوس تجديد "البيعة" للملك محمد السادس، ملك المغرب، صيف هذا العام، جدلا واسعا بين منتقدي الطقوس التي ترافق ما يسمى في المغرب بـ "حفل الولاء" التي لاتساير عصر الحداثة والديمقراطية، وبين المدافعين عن هذه الطقوس على اعتبار أنها تراث مغربي وجزء من الخصوصية المغربية.
وما بين دعوات إلغاء هذه الطقوس التي تتناقض مع الطموح لاستكمال بناء الدولة الحديثة، وإعادة صياغة علاقة الملك بالشعب على أساس تعاقد اجتماعي قائم على الدستور، ودعوات المنافحين عن الخصوصية المغربية المغرقة في التقليدانية، احتدم النقاش الذي وصل لأول مرة إلى الشارع، عندما دعا نشطاء إلى الاحتجاج رمزيا ضد هذه الطقوس البالية فتمت مواجهتهم بالقمع والعنف من قبل القوات العمومية.
ورغم أن المغرب دأب على تنظيم مثل هذا الحفل كل سنة ومنذ عدة عقود خلت إلا أن ما حول "حفلا بروتوكوليا"، إلى موضوع جدل إعلامي وسياسي، هو السياق التاريخي الجديد الذي خلقته ثورات الربيع الديمقراطي في المنطقة العربية. فالمغرب مثل باقي الدول العربية تأثر برياح التغيير ولو بمقدار، دفعت المؤسسة الملكية في المغرب لأول مرة في تاريخها الحديث إلى الخضوع لضغط الشارع وتقديم بعض  الإصلاحات السياسية والدستورية، لذلك عندما أصر الملك على تنظيم "حفل الولاء" السنوي رأى الكثير من دعاة التغيير والمطالبين بالديمقراطية، في طقوس ذلك الحفل انتكاسة لوعود الإصلاح التي تقدم بها الملك أمام الشعب، لأنها تكرس نفس التعاقد العرفي المبني على الطاعة والولاء بدلا من التعاقد المكتوب في الدستور الجديد الذي تم التصويت عليه في فاتح يوليو (تموز)2011.
أصل "حفل الولاء"
وللتذكير، فالأمر يتعلق بحفل طقوسي رسمي يُقام كل سنة في 30 يوليو (تموز) بمناسبة تولي الملك الحالي الملك، حيث يعتلي الملك صهوة جواده ويصطف أمامه في باحة القصر، العشرات من أعيان وكبار مسؤولي الدولة ومنتخبي مؤسساتها مرتدين جلابيب بيضاء يتقدمهم عبيد القصر بطرابيشهم الحمراء، وهم ينحنون بشكل يشبه الركوع أمام الملك من أجل تقديم فروض الطاعة والولاء للملك وتجديد العهد للجالس على العرش، والتأكيد على التمسك بـ "أهداب العرش".. ويعود تاريخ هذا الطقس إلى عام 1934، ويقال إن "الوطنيين" المغاربة هم من سنوه لتحدي السلطات الفرنسية التي احتلت المغرب منذ عام 1912.
المدافعون عن البيعة
فعندما احتدم النقاش حول الجدوى من التشبث بمثل هذه الطقوس الحاطة من كرامة الشخص والمهينة لكرامة الإنسان، انبرى كبار المسؤولين وعلماء القصر وفقهائه يدافعون عنها على اعتبار أن "البيعة" كمفهوم متجذر في النظام الإسلامي، وأن تنظيم "حفل الولاء" كل سنة تعبير من المغاربة عن تجديدهم للبيعة التي في عنقهم إزاء الملك. وعبر عن هذا الرأي أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، والذي ذهب به جنوحه في الدفاع عن طقوس البيعة إلى عقد مقارنة بين بيعة محمد السادس، وبيعة الرسول محمد تحت الشجرة والتي سميت بـ "بيعة الرضوان". وبالنسبة للتوفيق فإن البيعة هي "عقد سياسي واجتماعي وروحي وديني ورباني وسماوي متكامل"، ولا يرى التوفيق أي تناقض بين هذه الطقوس المهينة لكرامة البشر مع الأنظمة العصرية التي ترفع من قيمة البشر وتصون حقوقهم وتحفظ كرامتهم، فبالنسبة إليه، فإن "المغرب يعيش في ظل نظام سياسي عصري؛ لكنه مشمول بنظام ديني وروحي متكامل ورثناه عن أجدادنا، والذي أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم". فطقوس البيعة عند وزير أوقاف المملكة ليست "مجرد حفل من الحفلات أو طقس من جملة الطقوس"، وإنما لها "مضمون قوي في مفهوم السياسة ومفهوم المدنية، أي التساكن بين الناس والتعاقد السياسي على الثوابت المعروفة التي يسمّيها المسلمون بالكُليات أو الأساسيات التي تحكم علاقة الحاكم الإمام برعيته".
وبالنسبة للتقاليد المغربية فإن عقد البيعة في المغرب يتميز بالعديد من الخصوصيات تتمثل أهمها، في أن عقد البيعة يكون مكتوبا ويكتسي صبغة تعاقد الناس على "البيعة أي المبايعة بالسمع والطاعة برضاهم وإٍرادتهم للمرشح الذي اختارته الأمة ليكون ملكا عليهم". والخاصية الثانية من حيث الأهمية هي تلك التي توجب أن يكون عقد البيعة تعاقدًا ملزمًا للطرفين، تنطبق عليه قواعد "القانون المدني والعقود"، التي تعتبر قاعدتها الذهبية مقولة "العقد شريعة المتعاقدين". وبالنسبة لعبد الحق المريني المؤرخ الرسمي للملكة المغربية فإن البيعة ترقى إلى أن تكون رابطة أساسية بين القمة والقاعدة، ولكل طرف منهما حقوق وعليه واجبات، فالطرف الأول هو "الأمة التي تلتزم بتقديم الطاعة والولاء للسلطان الملزم بالحفاظ على سلامتها وأمنها الداخلي والخارجي ووحدتها الدينية والترابية والدفاع عنها وعن قواعد الشرع، والتصدي لكل سوء قد يمسها".
لكن الإشكال الذي يطرح اليوم في المغرب هو هذه الازدواجية ما بين عقدين كلاهما يعتبر أن شرعيته تسمو على شرعية الآخر. "عقد البيعة" الذي يقول المدافعون عنه بأنه عقد شرعي  يوجبه الشرع، و"وثيقة الدستور" التي تعتبر "أسمى وثيقة" في الدولة المغربية.
المعارضون لطقوس البيعة
لأول مرة، يخرج النقاش حول البيعة إلى الشارع، وتظهر أصوات مختلفة تعارض استمرار هذه الطقوس التي تتناقض حتى مع خطاب الدولة الرسمي الذي يبشر بالديمقراطية ويدعي تبنيه للحداثة. وتمثلت المعارضة القوية لهذه الطقوس في "حركة 20 فبراير" الشبابة وسرعان ما تبعتها أصوات أخرى لمثقفين وإعلاميين وسياسيين وفاعلين مدنيين، وقعوا على بيان أسموه "بيان الكرامة" يؤكد على أن "التعاقد بين الشعب والدولة يأخذ في البلدان الديمقراطية شكل دستور ديمقراطي يزكيه الشعب عبر استفتاء حر ونزيه، بما يجعل منه عقدا يؤسس لشرعية النظام والدولة. وهي الطريقة الوحيدة لإثبات الروابط بين المواطن والدولة، في إطار من احترام كرامة المواطنين والمواطنات، بعيدا عن طقوس الإذلال والطاعة التي تتضمنها المناسبة السنوية لهذه الطقوس ببلادنا". ودعا الموقعون على البيان إلى "إصدار قرار رسمي، يضع حدا للطقوس المصاحبة للبيعة والتي تتنافى مع قيم المواطنة وتلحق أضرارا جسيمة بسمعة البلاد".
ومن داخل الأصوات المعارضة لهذه الطقوس، برزت لأول مرة أصوات معارضة من الصف الإسلامي المشارك في الحكومة. فقد اعتبر أحمد الريسوني، الرئيس السابق لحركة "الإصلاح والتوحيد"، الذراع الدعوى لحزب "العدالة والتنمية" الذي يقود الحكومة الحالية في المغرب، أن الذين يصرون على تكرار البيعة كل سنة يُشَكِّكون فيها، أو ربما يعتبرون أن المغاربة يُقدِّمون ولاء وبيعة لمدة سنة واحدة محددة الصلاحية تحتاج إلى تجديد وإلى شحن الرصيد كل سنة. وبخصوص مشاركة عدد من أعضاء حزب "العدالة والتنمية" في طقوس "حفل الولاء" الماضي، قال الريسوني إن الذين يركعون إنما هم مجبرون، ومضيفا: "أنا أعرف جيدا العديد منهم وأعرف أيضا أنهم لا يريدون الركوع ".
أما عبد العالي حامي الدين، عضو الأمانة العامة للحزب رئيس الحكومة، فيرى "أن المغرب دولة مؤسسات تمثل الديمقراطية والإرادة الحرة، وأن الوثيقة الدستورية في المغرب هي في الواقع البيعة، وأنها ليست فوق الدستور ولا تحته بل هي الدستور نفسه".
وإذا كان حزب "العدالة والتنمية" الذي يقود الحكومة يحاول أن ينأى بنفسه عن الجدل الدائر حول البيعة والدستور والملكية، في مسعى منه لبناء الثقة المفقودة بينه وبين المؤسسة الملكية، مما يجعل أعضاءه الأكثر استقلالية يعبرون عن آراء متناقضة ومبررة، فإن جماعة "العدل والإحسان" المعارضة لنظام الحكم في المغرب، تتبنى موقفا معارضا وواضحا من البيعة وطقوسها عندما تنتقدها صراحة وتصفها بالمذلة لكرامة المغاربة، وتطالب بإلغائها بدون لف أو مواربة.
ما بين البيعة والدستور
يمثل عقد البيعة رُّكنا أساسيا بالنسبة للنظام السياسي في المغرب. ويتعلق الأمر هنا بالكيفية التي أمكن بها للمؤسسة أن تستمر عبر عدة قرون وأن تلائم نفسها مع شكل النظام الحديث الذي يعتبر فيه الدستور أرقى وثيقة تنظم العلاقة بين السلط في الدولة الحديثة.
لكن نظام البيعة الذي بدأ في المغرب منذ إثنى عشر قرنا، كان نظاما طوعيا مبنيا على الخيار والرضى المتبادل بين المبايع والمبايعين. أي أن البيعة كانت إلى حد ما "بيعة ديمقراطية"، قائمة على خيار نابع من إرادة الشعب. لكن ما حصل في المغرب منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني (1961 - 1999)، هو أن البيعة أصبحت تأخذ طابعا قسريا ونخبويا. فمن يقدمون الولاء للملك ليسوا ممثلين عن الشعب بل الوزراء والولاة وكبار الضباط والموظفين الساميين والقياد والأعوان.. أي أولئك الذين يعينهم الملك وبالتالي له سلطة مباشرة عليهم، وهم من يسميهم المغاربة بالمخزن. وهذا يعني أن الملك هو من يختار من بيايعه ويقدم له الولاء دون استفتاء الشعب في ذلك ولا الأخذ برأيه في الأمر.
وحتى الأحزاب والمنتخبون الذين يشاركون في تلك الطقوس فغالبا ما تكون هي الأحزاب التي قبلت المشاركة في اللعبة بما في ذلك المشاركة في الانتخابات التي لا تمثل بالضرورة إرادة الشعب، بما أن "اللعبة فاسدة من أساسها" كما يقول معارضوها.
المعارضون للبيعة كنظام لاختيار الحاكم، يرون أنها أبعد ما تكون عن المنهجية الديمقراطية، لأنها تقوم على قاعدة "طاعة الحاكم"، وأكثر من ذلك لاتقوم على استشارة الشعب ولا تحترم قاعدة الأغلبية الديمقراطية.
وفي أدبيات التاريخ السياسي المغربي تبلور رأيان حول مسألة البيعة، أصحاب الرأي الذين يعتبرون البيعة عقدا يقوم على قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين" وبالتالي فهم يعتبرون البيعة عقدا قانونيا بين الملك والرعية.
وبالنسبة لأصحاب هذا الرأي فإن هذا العقد يعطي للمبايعين أو من يمثلونهم خلع هذه البيعة إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته، ويضربون المثل في التاريخ المغربي بالسلطان المولى عبد العزيز (1894– 1908)، الذي تم خلعه ومبايعة السلطان المولى عبد الحفيظ (1908 – 1912)، بعقد يتضمن لأول مرة شروطا وضعها المبايعون على السلطان وسميت تلك البيعة في التاريخ المغربي بـ"البيعة المشروطة" وتضمنت عدة شروط تتمثل في تخليص المغرب آنذاك من هيمنة المستعمر وتبعاتها. وهذه البيعة وصفها المفكر المغربي عبد الله العروي بـ"البيعة المضادة"، لأنها كانت أول بيعة في تاريخ المغرب يضع فيها العلماء بضغط من القبائل شروطا على السلطان.
أما الرأي الثاني، فهو ذلك الذي تبناه المعارضون للبيعة التي لم يكونوا يرون فيها سوى طقوسا شكلية لإضفاء شرعية ممن لا يملكها على سلطة تمنح لغير صاحبها. أو في أحسن الحالات طقسا شكليا لإعلان مالك السلطة الجديد عن نفسه وإضفاء شرعية دينية وسياسية على سلطته. وفي تحليله لهذا النوع من البيعة يقارنها العروي بـ "العقد الاجتماعي" الذي تحدث عنه توماس هوبز (1588 - 1679)، الذي يجعل الجماعة تقبل بشرعية السلطة التي تفوض لها حقوقها، حتى لو كانت هذه السلطة ظالمة ومستبدة، المهم هو أن تحافظ لها على أمنها واستقرارها.
 
مناسبة لإهانة الشعب
لكن المشكل في المغرب، في العصر الحديث، هو أن البيعة لم تعد فقط مجرد "طقس" لتجديد شرعنة سلطة الملك، وإنما تحولت مع الطقوس المرافقة لها، إلى مناسبة لإهانة كرامة الشعب، أو هكذا أصبح يرى معارضوها، من خلال إجبار من يفترض أنهم يمثلون الشعب على الركوع تحت حوافر الفرس الذي يمتطيه الملك لإعلان سموه ورفعته عن بقية أفراد الشعب. فالبيعة في المغرب في العصر الحاضر، بشكلها ورمزيتها والإيحاءات المرجعية التي تحيل عليها طقوسها، لم تعد فقط أداة لتزكية وشرعنة السلطة القائمة وإنما مناسبة سنوية لتذكير الشعب بأنه تنازل عن سلطته، وفاقد الشئ لا يعطيه، لذلك يتحول طقس الركوع أمام الملك إلى نوع من الإقرار المذل بالمهانة وفقدان الكرامة ليس إلا!
 
نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية