تشهد الأردن منذ فترة تحركا شعبياً واسعاً للمطالبة بالغاء "محكمة أمن الدولة" لتعارضها مع المواثيق الدولية التي صادق عليها الاردن والتي تكفل حق المدنيين بمحاكمة عادلة.
ومن المعلوم أن هذه المحكمة كما المحكمة العسكرية هي محكمة خاصة بمفهوم الدستور الأردني، لرئيس الوزراء أن ينشئ واحدة منها أو أكثر في الأحوال التي تقتضيها "المصلحة العامة"[1]. وتؤلف المحكمة من ثلاثة من القضاة المدنيين و/أو القضاة العسكريين يعينهم رئيس الوزراء نفسه بناء على تنسيب وزير العدل بالنسبة للمدنيين، وبناء على تنسيب رئيس هيئة الاركان المشتركة بالنسبة للعسكريين. وبخلاف المحاكم العسكرية التي لا تنظر في قضايا مدنيين الا في حال ارتكابهم جرائم حرب، لهذه المحاكم صلاحيات واسعة بحيث تنظر في مروحة واسعة جدا من الجرائم. فهي تنظر في جرائم المس بالأمن الداخلي أو الخارجي وفي قضايا المخدرات و لبورصة، ولكن أيضا في أي جريمة ذات علاقة بالأمن الاقتصادي يقرر رئيس الوزراء احالتها اليها، فضلا عن جرائم جمعيات الأشرار والجمعيات غير المشروعة والتي من شأنها أن تطال عددا كبيرا من القوى المعارضة. لكن أشهر هذه الجرائم التي تفتح الباب واسعا أمام محاكمات الرأي هي جرائم "اطالة اللسان"الملحوظة في المادة 195 من قانون العقوبات. فوفق هذه المادة، يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات كل من ثبتت جرأته بإطالة اللسان على جلالة الملك أو أرسل رسالة خطية أو شفوية أو إلكترونية أو أي صورة أو رسم هزلي إلى جلالة الملك أو قام بوضع تلك الرسالة، أو الصورة أو الرسم بشكليؤدي إلى المس بكرامة جلالته أو يفيد بذلك وتطبق العقوبة ذاتها إذا حمل غيره على القيام بأي من تلك الأفعال أو كل من أذاع أو نشر بأي وسيلة كانت احدى هذه المواد. كما تتناول المادة من "تقوّل أو افترى على جلالة الملك بقول أو فعل لم يصدر عنه أو عمل على إذاعته ونشره بين الناس".
لا بل أن هذه الأحكام المانعة تتجاوز شخص الملك لتشمل بجنايتها الاستثنائية لفيفه، وتحديدا ولي العهد أو أحد أوصياء  العرش أو أحد أعضاء هيئة النيابة.
 
وفضلا عن ذلك، يكون للنائب العام لدى محكمة أمن الدولة أن يحيل اليها تهما أخرى تخرج عن اختصاصها في حال تلازمها مع تهم تدخل في هذا الاختصاص، مما يؤدي هنا أيضا الى توسيع نطاقها بشكل كبير.
في ظل هذا الواقع، كان من الطبيعي أن تشمل المطالبات بالاصلاح الغاء هذه المحكمة واحالة المدنيين أمام المحاكم النظامية (المدنية). ولعل أبرز هذه التحركات اطلاق حملة "أنا مدني حاكمني مدني"، في أيار 2012. وتجدر الاشارة الى أن منظمات دولية عدة أبرزها منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس واتش طالبت بالغاء محكمة أمن الدولة في الأردن.
وكانت الاصلاحات الدستورية الحاصلة في 2011 قد تجاوبت بشكل مجتزأ مع هذه المطالب بحيث عدّلت الفقرة الثانية من المادة 101 من الفصل السابع من الدستور والذي يتناول السلطة القضائية "في اتجاه منع  "محاكمة أي شخص مدني في قضية جزائية لا يكون جميع قضاتها مدنيين"، مع استثناء "جرائم الخيانة والتجسس والارهاب وجرائم المخدرات وتزييف العملة".
وانسجاما مع هذه التعديلات الدستورية وفي آب 2012، أقر مجلس الوزراء الأردني مشروع القانون المعدل لقانون محكمة أمن الدولة الذي بموجبه سيتم محاكمة الأشخاص المدنيين أمام هيئة من القضاة المدنيين لا العسكريين. الاّ أن هذه الخطوات لم تكن على مستوى المطالب لتقاعسها عن الغاء هذه المحكمة بشكل قطعي وجازم أو حتى عن نزع أي مناختصاصاتها. ووفققراءة أستاذ القانون الدستوري د. ليث نصراوين فان "تعديل القانون بهذا الشكل لن يغيّر شيئا في واقع الحال، وخصوصا أن قضاة محكمة أمن الدولة يعينهم رئيس الوزراء وبالتالي نحن أمام قضاء غير مستقل"، اذ " أن الأصل هو إلغاء محكمة أمن الدولة كونها محكمة خاصة ".
ولعل أبلغ دليل على ذلك استمرار الاعتصامات في الأردن الشهر الماضي، ومنها اعتصام لناشطين ومحامين بعنوان "نعم للحرية... لا للمحاكم العسكرية"، أمام قصر العدل رفضا لإحالة معتقلي الرأي إلى محكمة أمن الدولة[2]. كما وأصدرت نقابة المحامين بيانا[3]طالبت فيه بالالتزام بالتعديلات التي تمنع محاكمة المدنيين أمام "أمن الدولة". فالى متى الاصلاحات الصورية والمتعارضة مع روحية هذا الاصلاح لجهة صون الحريات من أي قمع للسلطة التنفيذية؟
نشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية

[1] وفق المادة (2) من القانون رقم1959 / 17.
[3]للاطلاع على البيان: http://www.jo24.net/index.php?page=article&id=14028