قضت يوم 22 سبتمبر 2012المحكمة العسكرية الابتدائية الدائمة بتونس بسجن المستشار الإعلامي المستقيل لرئيس الجمهورية التونسية أيوب المسعودي مدة أربعة أشهر مع إرجاء تنفيذ العقاب وتغريمهرمزيابدينار واحد لفائدة القائم بالحق الشخصي، بالإضافة إلى رفع منع السفر الذي كان مفروضا عليه منذ منتصف شهر أغسطس/آب الماضي. صدر الحكم على خلفية اتهامه بالمس بهيبة المؤسسة العسكرية عملاً بالفصل 91 من مجلة القضاء العسكري والتشهير بموظف عمومي عملاً بالفصل 128 من المجلة الجزائية. وتولى المحكوم عليه وفريق دفاعه استئناف الحكم المذكور مع إعلانهم تمسكهم باعتبار المحاكمة سياسية بامتياز. وكان القضاء العسكري قد تعهد المسعودي بعد أن تقدم قائد الجيوش الثلاثة التونسي الفريق رشيد عمار ضده بشكوى للنيابة العامة العسكرية تظلم فيها من تصريحات كان أدلى بها على خلفية تسليم الحكومة التونسية للوزير الأول الليبي الأسبق بغدادي المحمودي للسلطات الليبية. واعتبر الشاكي أن تلك التصريحات تضمنت اتهاما لشخصه بإخفاء المعلومات التي تتعلق بإجراءات تسليم المسؤول الليبي على رئيس الجمهورية اتهاما خطيرا يؤدي بزج المؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية، وأضافأن انتقاد القيادة العسكرية يضعف الروح الانضباطية لمنظوريها.
وتذكر محاكمة المسعودي أمام القضاء العسكري بالادعاء ضد الرئيس السابق للهيئة العليا لحقوق الإنسان فرحات الراجحي على خلفية تصريحات أدلى بها الى أحد المواقع الالكترونية ذكر بمناسبتها أن الجيش أعد خطة سرية للقيام بانقلاب عسكري في صورة فوز حركة النهضة في الانتخابات، والذي تنظر فيه المحكمة العسكرية الاستئنافية في الأيام القليلة القادمة[1]. وكانت تلك المحاكمة قد تعطلت إجراءاتها بعد أن رفض مجلس القضاء الأعلى رفع الحصانة القضائية عن فرحات الراجحي بحكم أنه كان بتاريخ المحاكمة يشتغل قاضيا.
وتتم محاكمة المدنيين الذين تنسب لهم تهم التعرض للمؤسسة العسكرية أمام المحاكم العسكرية. وتتمسك النيابة العسكرية بكون محاكماتهم ليست محاكمات للرأيوإنما هي أداةلحماية المؤسسة العسكرية من أي ادعاء يمس بمصداقيتها وقيمتها الاعتبارية ويمكن أن يسبب اضطرابات كذلك الانفلاتالأمني الذي أعقب ادعاءات فرحات الراجحي حول وجود مؤامرة انقلابية موفي شهر ماي من سنة 2011. يذكر العسكر أنهم لا يستهدفون حرية التعبير انما يسعون الى حماية مؤسستهم من فوضى الإشاعات السياسية التي يغذيها الانفلات الإعلامي والى تجنب الأخطار التي قد يتسبب فيها التساهل مع من يشككون في المؤسسات العامة وينزعون عنها الثقة التي تتمتع بها بشكل غير مسؤول.
تسببت فوضى الحرية التي تميز المرحلة الانتقالية في تونس وما صاحبها من تصريحات غير مسؤولة صدرت عن مسؤولين سياسيين يفتقرون للحكمة السياسية ويعانون من إسهال في تسجيل المواقف في الساحة الإعلاميةبإيجاد مناخ شبه رسمي يتفاعل ايجابيا مع موقف النيابة العسكرية. إذلا يخفي عدد من أنصار استعادة هيبة الدولة إعجابهم بصرامة القضاء العسكري الذي نجح في خلق رهبة لدى الجميع منعت من التعرض للعسكر صراحة أوتلميحا، في وقت أضحت فيه مؤسسات الدولة تتعرض لانتقادات تتجاوز في كثير من الأحيان حدود اللياقة.
وبعيدا عن توصيف المحاكمات والبحث في مدى مساسها بحرية التعبير، ورغمأهمية السؤال حول المخاطر التي قد يؤدي لها تواتر مثل هذه المحاكمات على حرية التعبير، فان النظر في محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وتغول اختصاص المحكمة العسكرية يطرح إشكالية المحاكم الاستثنائية في تونس ما بعد الثورة وتأثير ذلك على استقلالية القضاء.
فمباشرة اثر الثورة وفي خضم الإشكالياتالإجرائية التي رافقت النظر في قضايا شهداء وجرحى الثورة وتحت غطاء إصلاح منظومة القضاء العسكري، بادرت الإدارة العسكريةبتوسيع صلاحيات مجلس قضائه في اتجاه جعل ولايته الحكمية تشمل المدنيين وجعل كل القضايا التي يتورط فيها عسكريون ولو تمت خارج عملهم العسكري من أنظار المحاكم العسكرية. فبعد أن كان الاتجاه التشريعي ينحو في اتجاه تضييق مجال نظر المحاكم العسكرية بجعله يقتصر على المحاكمات العسكرية دون سواها، أتىالمرسوم عـدد 69 لسنة 2011 مؤرّخ في 29 جويلية 2011 ليقطع مع ذلك ويوسع بشكل غير مسبوق في اختصاصات المحاكم العسكرية.
وأضحت بعد توسيع الاختصاص الحكمي للمحاكم العسكرية صفة العسكري فيالمتهم تكفي بذاتها لإسناد الاختصاص للمحكمة العسكرية بقطع النظر عن موضوع التهمة وعلاقته بعمل المتهم من عدمه ونظم هذا الاختصاص بضوابط إجرائية تلزمالقاضي العدلي الذي يتعهد بقضية أحد الذين تورطوا فيها عسكري بإفراد العسكري بإجراءات خاصة والتخلي عن نظر التهمة في حقه مع مواصلة نظر الدعوى في حق غيره من المتهمين. وهو أمر أفضى إلى إرباك الإجراءات الجزائية العادية وجعل المنتسبين للجيش يتمتعون بحصانة فعلية تخرجهم عن ولاية القاضي العادي لفائدة محكمة استثنائية عسكرية وأثر سلبا على مفهوم المساواة بين المتقاضين أمام القضاء. كما تم بمناسبة ذات التنقيح التوسع في صلاحية محاكمة المحاكم العسكرية للمدنيين: فعلاوة على ما كان يجيزه لها القانون سابقا من مقاضاتهم في القضايا العسكرية، باتت المحكمة العسكرية تقاضي المدنيين الذين يتهمون في قضايا تضرر منها عسكريون اذا قامت رابطة بين الجرم وصفة المتضرر. ويعد إسناد اختصاص محاكمة المدنيين للقضاء العسكري انحرافا عن الاختصاص الأصلي للمحاكم العسكرية. فنظر المحاكم العسكرية في قضية أيوب المسعودي أو غيرها من القضايا التي توجه فيها التهمة الى مدنيين يخرق شكلا قواعد المحاكمة العادلة: فمتى انتصب العسكري ولو كان قاضيا في نظر الدعوى، فان ذلك يجعل المتهم لا يثق في حيادية المحكمة التي يعدها لصفتها العسكرية طرفا في الادعاء أكثر من كونها جهة محايدة تطبق القانون. وفي هذا السياق، أصدرت المنظمة الحقوقية هيومن رايت واتش بيانا أدانت فيه محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في تونس.
ويحرص العسكر على مقاضاة سامي المسؤولين الذين تعرضوا في تصريحاتهم لمؤسستهم أمام المحاكم العسكرية في محاكمات ألبستها الانضباطية العسكرية رمزية خاصة. فقد بدت المحاكمات العسكرية لأيوب المسعودي وفرحات الراجحي من قبله بهذا المنظور رسائل مضمونة الوصول لمن كان دونهما شهرة ولا عصبية تحميهم تنبئبسوء مآل من ينتقد الجيش الوطني. وقد يكشف ذلك على أن توسيع اختصاص المحكمة العسكرية لم يكن في واقع الأمر إلا مدخلا لتمتيع المؤسسة العسكرية بحصانة قانونية تجعلها فوق النقد.
حرصت القيادة العسكرية على التصدي لاتجاه المشرع التونسي الذي برز قبل الثورة وأفضى الى الحد من صلاحيات القضاء العسكري، فأعادت بناء محكمة عسكرية ذات اختصاصات متسعة واستغلت في تحقيق ذلك  آلية المراسيم التي اعتمدت  خلال المرحلة الانتقالية الأولى في ظل تعطل المؤسسات التشريعية بما منع من مناقشة توجهها قبل تحوله الى قانون نافذ.
وكان ينتظر من المجتمع المدني والأوساط الحقوقية أن تضغط في اثر ذلك من أجل إعادة الأمور لنصابها والقطع مع تنامي مكانة القضاء العسكري في المنظومة القضائية بشكل يضر بشروط المحاكمة العادلة. كما كان ينتظرمنأعضاء لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية ولجنة شهداء وجرحى الثورة وتفعيل العفو التشريعي العام بالمجلس الوطني التأسيسي عقب زيارتهم الميدانية إلى المحكمة العسكرية بتونس بتاريخ 6 جويلية  2012 أن يوصوا بمراجعة اختصاص المحكمة العسكرية لجعله لا يشمل غير العسكريين فيما يتهمون باقترافه من الجرائم ذات الطابع العسكري.
إلا انه بعيدا عن الانتظارات والتوقعات، لم يبادر النواب باقتراح مشروع قانون يراجع التشريع ولم يتولوا دعوة الحكومة لتقديم مشروع في الغرض. كما لم يضغط الحقوقيون في اتجاه تصحيح مسار صلاحيات المحاكم العسكرية. وظل الحديث عن المحكمة العسكرية حديث مناسباتيقترن بمحاكمة بعينها ولا يتجاوز نطاقها. وكان في غالب الحين حديث تقييم للأحكام بحثا عن مزيد من الشدة في حق المتهمين في قضايا شهداء وجرحى الثورة.
يجب أن يتم طرح السؤال لماذا يراد للمحكمة العسكرية أن تكون محكمة تمتاز دون غيرها بمحاكمة العسكر وتحاكم زيادة على ذلك المدنيين؟ هل أنالأمر تصور تشريعي مبني على عقلانية معينة أمأنه تأسيس لمنطق مجموعة نفوذ كان ذلك حكمها لأنها تحكم؟
نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية


[1] المقال كتب في 13-10-2012.