لو بحثنا في الحراك الرافض للمحاكات العسكرية في لبنان، فإن السجل الذي نقع عليه محدود للغاية، وفيه يبرز اسم نور مرعب، صاحب القضية رقم 2769 \ 2008.
القصة بدأت بخلاف يبدو "تقليدياً" في بلد كلبنان، ولكنه اتخذ منحى غير تقليدي لأن المدعى عليه شاب راديكالي درس الحقوق وقرر أن يناضل من أجل قضايا متعددة، على رأسها رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين. كان مرعب صادقاً في كل خياراته، انحاز لحرية الفرد بشكل مطلق، وذهب في احتجاجاته الى حد وضع حد لحياته احتجاجا ودفاعاً عن حريته، في عيد مولده في 14 سبتمبر/أيلول 2011، بما يذكر بمواقف الذين أضرموا نار الثورات العربية، وكتب كلماته الأخيرة "أموت كما عشت، حراً، أناركي، لا أدين بالولاء للحكام، سماويين كانوا أم أرضيين، ليسقط كل قادة القطعان، والقوة للشعب، ولكل ولأي إنسان".
قبل نحو أربعة أعوام، وقع خلاف حول ترتيبات في بناية في نيو روضة كان مرعب يعمل في أحد مكاتبها، ولما ترك العمل وقع خلاف بينه وبين عسكري تطور إلى تلاسن ومشادة، وادعى خلالها العسكري أن نور مرعب كان يحمل سكينا ينوي استخدامه للاعتداء عليه.
نظر القضاء العسكري في القضية، ومثل مرعب أمام المحكمة العسكرية. دخلها بداية للتعرف إلى ما يجري داخلها، لم يكن مقتنعا بـ"صلاحيتها" في النظر في قضيته، ولكنه أراد أن يعرف ويرى ليوثّق ما تشهده قاعتها، خاصة أن "المحاكمات ليست علنية" بالشكل المنصوص عنه في المواثيق الدولية.
القضية 2769 شكلت مادة تناولتها وسائل الإعلام، خاصة أن مؤتمرات صحافية عقدت بمشاركة ناشطين ضد المحاكمات العسكرية لإعلان تطوراتها، كما أن أصدقاء المدعى عليه أنفسهم ما زالوا يحفظون الكثير من تفاصيلها، لكن نور مرعب الذي رحل عن الدنيا قبل شهور، ترك بنفسه أفضل توثيق لروايته الخاصة عن القضية، وذلك في مواقع إلكترونية أطلقها وجمع فيها مستنداته وأوراق المحاكمة وقدم شهادته الخاصة عن القضية (أبرزها case2769.wordpress.com).
يقدم نور نفسه أولاً كـ "مواطن لبناني" و"ناشط حقوقي لاعنفي" و"مدافع عن حقوق الإنسان"، صديقه شادي معوض يذكر أنه خلال سنواته الأولى في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، الكلية التي انتسب إليها الشابان ليتعرفا بشكل علمي على حقوقهما، كانا يحلمان بيوم يقفان فيه أمام المحاكم والمخافر، يصرخان للمظلومين الذين لا يجدون من يدافع عنهم، ويتوليان معا مهام الدفاع عن الفقراء والمظلومين، لكن نور الأناركي الراديكالي لم يرتح للإطار الأكاديمي "الصلب" في الجامعة، خاصة أن مضايقات زملاء الكلية كانت كثيرة ضد شاب يُعلن الحاده، ويظهر في مظهر مختلف عن السائد.
لم يكمل نور دراسته، لكن أيامه في كلية الحقوق أفادته في رسم دفاعه عن ذاته، عرف كيف يربط بين توجهاته الإنسانية في الدفاع عن قضيته والحجج القانونية وما نصت عليه المواثيق الدولية ومواد الدستور اللبناني. هذه الحجج جعلها مرتكزا لتصرفاته الراديكالية في إطار نضاله ضد المحاكمة العسكرية. فعند الساعة العاشرة صباحاً من يوم 27 مايو/أيار 2010، جلس أمام شاشته، ودون أي تردد كتب رسالته إلى القضاة في المحكمة العسكرية "معلناً عدم شرعية" المحكمة و"القرارات والإجراءات الصادرة عنها"، ودعاهم إلى "الاستقالة من مناصبهم". كانت الرسالة موجهة إلى "مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية" وقضاة ثلاثة آخرين. يروي شادي معوض أن نور كان يعرف ما يريد فتجاهل نور يومها كل "النصائح" التي مده بها قانونيون بعدم الكتابة للقضاة.
في هذه الرسالة ذهب نور بعيداً في رفضه للمحكمة العسكرية، ورغم اللهجة القاسية التي اعتمدها فإن قراءتها ممتعة، حيث استعادات لأقوال مناضلين عالميين من أجل كرامة الإنسان، يستهلها مرعب مذكراً بما قاله مارتن لوثر كينغ "للإنسان مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية لأن يطيع القوانين العادلة. بنفس الوقت، للإنسان مسؤولية أخلاقية بأن يعصي القوانين الظالمة".
ذكّر مرعب بأنه مثل في بداية القضية أمام المحكمة العسكرية ليثبت براءته رغم "أن القاعدة توجب على الادعاء العام أن تثبت أنني مذنب بما لا يقبل الشك"، ثم كرر قوله بعدم شرعية المحكمة العسكرية استناداً إلى "القوانين والمعاهدات الدولية" كتوصية لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في أبريل/نيسان 1997، حيث أعربت عن قلقها "إزاء النطاق الواسع للولاية القضائية للمحاكم العسكرية، كذلك يساورها القلق إزاء الإجراءات التي تتبعها المحاكم العسكرية، فضلاً عن انعدام رقابة المحاكم المدنية على إجراءات المحاكم العسكرية وأحكامها"، وفي الملاحظة الأخيرة "بيت القصيد"، فالمناضلون ضد المحاكمات العسكرية يشددون على صلاحية المحاكم المدنية للنظر في القضايا المتعلقة بالمدنيين.
ارتكز مرعب في رسالته ورأيه بعدم شرعية المحكمة العسكرية إلى قراءته لمواد الدستور اللبناني ولقانون أصول المحاكمات المدنية، حيث الصدارة في مجال التطبيق لأحكام المعاهدات الدولية على أحكام القانون العادي، وذكّر بما صدر عن المجلس الدستوري في تفسير المادة 20 من الدستور أنه يُستفاد من نص هذه المادة "أن ثمة ضمانات يجب حفظها للقضاة والمتقاضين من أجل تأمين متطلبات استقلال القضاء وصون حق الدفاع، وحيث أن الانتقاص من هذه الضمانات يؤدي إلى مخالفة المادة الدستورية التي تنص صراحة على وجوب توافرها"، وذكر مرعب أن "المحاكم العسكرية منظمة وفقاً للقانون رقم 24 تاريخ 13 أبريل/نيسان 1968... وهي تابعة لوزارة الدفاع التي تمارس عليها نفس الصلاحيات التي تمارسها وزارة العدل على المحاكم المدنية"، ورأى أن القانون المذكور - خلافاً لما نصت عليه قرارات صادرة عن المجلس الدستوري - جاء "ليلغي الضمانات الأساسية المتاحة للمواطن في قوانين أخرى مثل أصول المحكامات الجزائية القديم والدستور اللبناني والمواثيق والمعاهدات الدولية التي وقع عليها لبنان"، كل ذلك جعل قانون القضاء العسكري (وفق ما كتبه مرعب) قانوناً غير شرعي "ولا يجب تطبيقه وبالتالي لا شرعية للمحكمة العسكرية" خاصة أن "المادة 7 من قانون القضاء العسكري تنص على أنه يتولى القضاء العسكري المنفرد قضاة من ملاك القضاء العدلي، غير أنه يمكن تعيينهم من الضباط المجازين في الحقوق من رتبة ملازم أول فما فوق وإذا تعذّر ذلك فمن غير المجازين"، وفي ذلك وفق ما كتب نور ما يدفع إلى الشك بكفاءة بعضهم "بسبب نقص الدراسة والتدريب وعدم الاختصاص".
أهمية الرسالة التي كتبها مرعب مطالبا القضاة بالاستقالة، تكمن في أنه حشد فيها مجموعة هائلة من الحجج التي استند إليها هو – وغيره من مناضلين ضد المحاكمات العسكرية- لافتا إلى أن قضاة المحاكم العسكرية يتم تعيينهم من قبل السلطة التنفيذية "بما يجعل استقلاليتهم موضع شك".
أما الحجة الأخرى في مواجهة المحكمة العسكرية فتتمثل بأن "الجلسات هي علنية في الظاهر، ولكن كيف تكون علنية ويُمنع الناس والإعلام وجمعيات حقوق الإنسان والمحامون من حضورها" كما "يمكن للقاضي أن يمنع المحامي من الدخول إلى المحكمة العسكرية لمدة شهر كامل وذلك "لأسباب تأديبية" غير محددة وواضحة، كما يمكنه تعيين عسكري يأتمر به للدفاع عن متهم دون أن يقرأ ملف من يفترض به تمثيله ويستمع إليه"، ويذكر مرعب في رسالته إلى القضاة أن "حقوق الدفاع في المحكمة العسكرية مقيدة على نطاق واسع إذ يحق للنيابة العامة العسكرية ان تستأنف قرار قاضي التحقيق بمنع المحاكمة عن المدعى عليه، في حين لا يمكن للمتهم أن يستأنف قرار الاتهام الصادر ضده".
في أوراق مرعب وفي رسالته إلى المحكمة نقرأ تطرفه في معاداته للمحكمة العسكرية التي رأى فيها شيئا من الشر، فقد كتب مستذكراً أدموند بيرك حين قال "كل ما هو مطلوب لينتصر الشر هو أن لا يفعل الخيّرون شيئاً". كانت هذه الرسالة خطوة - جذرية بالطبع - في مسيرة مرعب ضد المحاكمات العسكرية التي بدأها عام 2008 عندما مثل هو كمتهم في قضية عمل جاهداً ليثبت براءته فيها. حين وقع الخلاف بين مرعي والعسكري ادعى الأخير في تحقيق أجرته الشرطة العسكرية أن نور شهر سكيناً عليه، لكن المدعى عليه نفى ذلك، ونشر مرعب في موقع "القضية 2769" صورة عن سطور من أوراق التحقيق وقال إن المعاون أحمد إسماعيل من الشرطة العسكرية كتب في تقريره أن المدعي (وهو عسكري برتبة معاون) "تدخل في خلاف لا يعنيه... ولم يتبين من التحقيق إقدام الأخير (مرعب) على شهر السكين عليه". رغم ذلك نقرأ في اوراق مرعب أنه في 7-7-2008، "قررت قيادة الجيش وأركان العديد والانضباط والقضاء العسكري... وبعد مراجعة النيابة العامة العسكرية تحصيل مبلغ مصارفات وبدل تعطيل المعاون" وتم أمر نور بدفع مبلغ 2468000 ليرة. فرفض الأمر، واعتبر أنه هو المجنى عليه واعترض على القرار، ورأى أن الاتهام بشهر سكين على المعاون صدر من دون أي دليل، كما تضمن القرار اتهامه بتعطيل المعاون عن العمل بسبب كسر في إصبعه، واستند القرار إلى المواد 556 و573 عقوبات و73 أسلحة، و"هي تهم تصل عقوبتها إلى 3 سنوات سجن" وفق ما نقل مرعب في موقعه الالكتروني.
أخذت القضية طريقها إلى المحكمة العسكرية، وقد رضي مرعب بالمثول أمامها في البداية، ولكن خطوته هذه جاءت بدافع التعرف إلى ما يجري داخل المحكمة كما ذكرنا، وكتب أنه شهد الكثير من التجاوزات والانتهاكات وتعرض لها أيضا ولكنه "استطاع بعد طول عناء أن يثبت أن (المعاون) لم يرَ سكيناً في يده". قرار المحكمة العسكرية النهائي صدر في 1 سبتمبر/أيلول 2010 وقضى بحبس نور مرعب لمدة شهرين وتغريمه مئة ألف ليرة.
لا تكمن أهمية قصة القضية 2769 في تفاصيلها أو قدرة المدعى عليه (الراحل) وأصدقائه على إثبات أن ثمة تدخلات حصلت لتصدر قرارات ضد مرعب، بل إن ما يهمنا من هذه القصة هو المسار الذي سلكه مرعب، كنموذج متقدم (راديكالي) لرفض المحاكمات العسكرية، وقد كان سلوكه هذا من المحطات النادرة التي دفعت بعض وسائل الإعلام وجمعيات حقوق الإنسان إلى تسليط الضوء على ما يرونه من "عدم شرعية المحاكم العسكرية" للنظر في قضايا مدنيين، ولنقل ما شهدوه من "تجاوزات لحقوق المتهمين" في تلك المحاكم.
فمرعب كتب أنه حين نجح في إثبات براءته، ولمس (كما كتب) "معاملة العسكري بشكل تفضيلي" ونظراً "للظلم الذي تعرض له وبسبب عدم ثقته بالمحكمة العسكرية وبحياديتها وبعملها"، قرر عدم حضور الجلسة المقررة في تاريخ 28-5-2010، وأعلن أنه لن يهرب من لبنان ولن يختفي، بل كان عنوان سكنه موجودا في ملفات القضية.
يحكي أصدقاء مرعب، أنه كان يجلس في منزله، معلناً عدم نيته تنفيذ الحكم، ولكن مكوثه في المنزل كان دليلاً على أنه لن يهرب، بل يمضي في "معركته" ضد المحاكمات العسكرية.
خلال سنوات "المحاكمة" ومواجهتها، أطل مرعب عبر الإعلام وفي مؤتمرات صحافية يدافع فيها عن موقفه في قضيته، وقد خرج من "الإطار الفردي" ليكون حاضراً في نشاطات هدفها "رفع الظلم وفرض حقوق الإنسان"، أطلق "استراتيجية" لا تزال موادها منشورة عبر مواقع الانترنت. كانت دعوته الأبرز تشكيل "مجلس مواطنين" كرقيب حاد على عمل المؤسسات الحاكمة، لكن ما سماه بـ"الاستراتيجية" تلخيص لرؤيته حول دفاع الإنسان عن نفسه وكيفية بناء قوته، وفي هذا الإطار يمكن قراءة رحلته في مواجهة المحاكمات العسكرية.

نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية