جيلبر ضومط
تحرَّر لبنان عام 2005 من ثقل النظام السوري لكن لم يتحرر محيط برلمانه بعد. ليس هذا فحسب، بل يبدو أن هناك قراراصدر في ذلك العام يمنع التجمعات، من أي نوع، في ساحة النجمة. خلال شهر سبتمبر/أيلول الفائت، حاولت مجموعتان من المجتمع المدني ممارسة حقهما الطبيعي بالتظاهر السلمي في ساحة النجمة، فجوبهتا بالضرب والطرد والإهانة، بالرغم من أن تجمعها كان سلمياً ومطالبها كانت محقة: المجموعة الأولى تطالب بإصلاح قانون الانتخابات، والمجموعة الثانية تطالب بقانون مدني للأحوال الشخصية ليكون أكثر تمثيلا. إن التعاطي الوحشي للقوى الأمنية المولجة حماية البرلمان مع مجموعة صغيرة من الشباب اللاعنفيين بحجة عدم الحصول على "ترخيص" يطرح مجموعة علامات استفهام حول سبب إغلاق المداخل المؤدية إلى ساحة النجمة إلا للسواح والمواطنين من رواد المقاهي. فممن يخاف البرلمان اللبناني ليحول مجلس الشعب ومحيطه إلى قلعة أمنية منيعة أمام المواطنين الذين يمثلهم؟
ساحة النجمة قصة الديمقراطية اللبنانية
البرلمان ومحيطه ملك عام. أما تحصينهما كقلعة أمنية ممنوعة على المواطن ليعبر عن رأيه ويسمع صوته فهو اغتصاب لحق هذا الأخير في حرية التعبير والتجمع المنصوص عليها في الدستور اللبناني. تختصر ظاهرة ساحة النجمة أزمة الحكم في لبنان، حيث أصبح البرلمان ناديا مخصصا حصرا بطبقة من السياسيين يتقاسمون السلطة بين طوائفهم وعائلاتهم ويحتكرونها من أجل مصالحهم الخاصة. يسمح للمواطن فقط بالمرور في محيط المجلس لكن يمنع من ممارسة أي نشاط مدني سياسي في محيطه ليعبر عن رأيه أو يحاسب من يمثله. هكذا هي الديمقراطية التوافقية اللبنانية، تختصر السلطة بزعماء الطوائف وتلغي دور المواطن وحقوقه وتجعل منه خاضعا غير مبال. 
البرلمان قلعة حصينة، عصية على الشعب
عند مرورك بساحة النجمة، من أي جهة كانت، تشعر أنك غير مرحب بك: سواتر حديدية تغلق المنافذ المؤدية للبرلمان، قوى أمنية من درك وجيش ومسلحين بزي مدني تسأل المارة عن سبب توجههم إلى الساحة. يشعر المارة أنهم غير مرغوب فيهم في محيط قلعة زعماء الطوائف، وكأن النزلاء في البرلمان اللبناني هم في حالة خوف دائمة يتحصنون من خطر داهم. ولا بد من القول هنا أن هذا التشدد ليس خوفا أمنيا فلم يحدث مرة أن حصلت عملية اغتيال في محيط البرلمان ولا يقتضي الأمن كل هذه المظاهر المسلحة لتخويف المجرمين. وإذا كان هذا خوفا عاما من الإخلال بالأمن، فعلى القوى الأمنية التدخل في أي منطقة لبنانية أخرى على السواء. وإذا كان السبب أن ساحة النجمة هي مكان خاص[1]مخصص للمطاعم والنرجيلة كما يردد البعض، فلا يجوز أن تكون باحة البرلمان ملكا خاصا والا فلينقل البرلمان إلى مكان آخر يكون عاما، تماما كما البرلمان مؤسسة عامة. فالاحتجاج أمام البرلمان يتم برفع الشعارات وليس برفع نبريج النرجيلة.
أما إذا كان للخوف من التجمع في محيط البرلمان أسباب أخرى كالخوف من رأي المواطن، فان البرلمان بذلك يعلم بسقوط مصداقيته عند الشعب ويتوقع ردة فعل رافضة لأداء أعضائه. اذا صح ذلك، جاز تشبيه البرلمان اللبناني بالأنظمة الديكتاتورية التي تخاف من شعوبها وتقمعها استدراكا لإمكان محاسبتها وإسقاطها تاليا. لذلك على المواطن والمجتمع المدني التنبه أنه كل ما زاد التحصين الأمني للبرلمان، عليه أن يعزز إدراكه للقوة التي يملكها في إخافة السلطة السياسية وأن يثبت إصراره على فرض ارادته ومصالحه عليها."رخصة" للتجمع أمام البرلمان
حاولت من خلال اتصالات أجريتها بالجهات المعنية معرفة طبيعة قرار حظر التجمع في ساحة النجمة والجهة المسؤولة، ولكني أخفقت، وكأنه قرار تجمع عليه الطبقة السياسية كلّها. فقد أجريت اتصالات بمحافظة بيروت وقوى الأمن الداخلي وإدارة مجلس النواب للاستعلام عن شروط تنظيم تجمع في ساحة النجمة. طلبت مني المحافظة توجيه رسالة إلى محافظ بيروت لأخذ "رخصة" تحدّد غاية التجمع والمكان والزمان وأسماء المنظمين وصوراً عن بطاقات هوياتهم. وقال لي أحدهم أنه يمكن للمحافظ أن يرفض المكان أو الزمان المحددين لأسباب مختلفة. عندما سألت عمَّن يعطي "الرخصة"، كان الجواب أنها محافظة بيروت التي سترفع الطلب إلى قوى الأمن الداخلي التي يمكنها أن ترفض وتبلغ المحافظ بذلك. فاتصلت بقوى الأمن الداخلي مستفسراً عن أسباب منع التظاهر في ساحة النجمة، جاءت الإجابة أن أمن البرلمان لا يخضع لأمن منطقة بيروت ولديه أمنه الخاص. عندها، اتصلت بإدارة البرلمان التي أعادتني إلى المحافظ بحيث اشترطت وجود إذن خطي من المحافظة للسماح بالتجمع.
السؤال هو: من يعطي "رخصة" بالتجمع في محيط البرلمان؟ أولاً، لا يحتاج المواطن إلى "رخصة" للتجمع والتظاهر فهو حق يكفله الدستور. وثمة قرار وزاري يشترط تقديم علم وخبر قبل القيام بأي تجمع وتتولى القوى الأمنية حماية المشاركين فيه. إن أي منع لحق التظاهر غير مبرر بحجة ظروف استثنائية مثل تهديد السلم الأهلي، يشكل اذا مخالفة للدستور والقانون ويكون باطلا لتجاوز حد السلطة.
ترميم البرلمان من مال الشعب
تمً ترميم البرلمان خلال السنة الفائتة بفضل ضرائب الشعب اللبناني ليتمتع نوابه بمجلس مجهّز ومريح. ولكن هذه الضرائب لا تخول المواطن أن يجتمع أمام مبنى يدفع هو ثمن ترميمه: هل يموّل المواطن من خلال دفع الضرائب كلفة قمعه وسوء أداء ممثليه؟ لقد طالب بعض النواب بزيادة قدرها حوالي 40% على رواتبهم علماً أن أداءهم غير مقبول. وتجدر الإشارة إلى أن التكلفة المباشرة لكل قانون خلال عام 2011 كانت حوالي 187000$ (كلفة رواتب النواب عام 2011 على عدد القوانين المنجزة، 60 قانونا حسب موقع مجلس النواب الالكتروني في عام 2011) وذلك دون احتساب كلفة المخصصات والتكاليف الأخرى المباشرة وغير المباشرة. ومن اللافت أنه خلال قمع التجمعات المدنية خلال الشهر الماضي، مرّ عدد من النواب غير مبالين بالعنف الذي تعرض له شباب لاعنفيون وفي بعض الأحيان أكملوا طريقهم مستهزئين. ولم يصدر إلا عن قلة من النواب وبشكل عرضي موقف من الأحداث القمعية ولم يطرح أي منهم سؤالاً للحكومة لمعاقبة المخالفين للدستور والقانون. لذلك يحتاج البرلمان إلى ترميم علاقته بالمجتمع بدلاً من ترميم الحجر.  
رمزية محيط البرلمان في الحياة الديمقراطية
إن محيط البرلمان هو الفسحة العامة الأهم لالتقاء المواطنين، بغض النظر عن الفروقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بينهم، للمشاركة في صنع القرار عبر نقل مطالبهم لممثليهم. إن المشاركة في الحياة السياسية أساس النظام الديمقراطي حيث يلتقي المواطنون لطرح قضاياهم ومناقشتها وابتداع الحلول والمساءلة المباشرة لممثليهم حول أدائهم في ضمان الحقوق والمصالح الوطنية. ولمحيط البرلمان تحديدا رمزية سياسية محورية في العملية الديقمراطية، لأن البرلمان هو السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب لسن القوانين وضمان تطبيق الدستور وحكم القانون ومساءلة السلطة التفيذية. إن تحويل البرلمان الى قلعة منيعة عصية على المواطنين هو مصادرة لحقوقهم وقمع لحريتهم وحقوقهم في المشاركة.
على صعيد آخر، لا تقتصر عملية التشريع على سن القوانين، إنما هي عملية تشاركية يتفاعل فيها المواطن مع من يمثله لتحديد الأولويات وطرح الأفكار والتأثير على السياسات. إن محيط البرلمان والتعبير في هذا المضمار جزء لا يتجزأ من العملية التشريعية. لا تكتمل ديمقراطية التشريع إذا لم تخرج من الأروقة السياسية للبرلمان وتشمل محيطه ليتبناها المواطنون. وما دامت ساحة النجمة مغلقة، فسيتزايد الشك وعدم الثقة في صدقية العملية التشريعة ومدى تلبيتها لحاجات المواطنين. ولأن منع استخدام محيط البرلمان كفسحة عامة هو تعبير عن إرادة سياسية باحتكار السلطة، تتحمل الأطراف السياسية كافة هذا التعدي على الدستور إذ أن جميعها ممثل في البرلمان وشريك إذاً في هذا القرار.
كما أن لمحيط البرلمان رمزية أخرى. فإذ تتوزع حول ساحة النجمة دور عبادة للطوائف الدينية كافة، يكتسب البرلمان رمزية الفسحة المدنية الجامعة التي يلتقي ويتساوى فيها المواطنون كافة على اختلاف معتقداتهم بحيث يصبح منع التجمع فيها بمثابة كبح لأي التقاء من خارج العصبية والزبائنية.
تحويل ساحة النجمة إلى فسحة مدنية لتطوير النظام الديمقراطي
بالطبع، ليس المطلوب أن يكون محيط البرلمان مفتوحاً للتظاهر والالتقاء وحسب، بل أن يصبح أيضا ساحة للنقاش وعرض الأفكار الجديدة والمساءلة المباشرة. لن تصلح الديمقراطية اللبنانية إذا لم يعترف النائب بحق المواطن في التعبير أمام برلمانه. وفي حال لم يلغ قرار منع التجمع "غير المعلن" في ساحة النجمة، فعلى المواطنين أن يحاسبوا النواب على ذلك في الانتخابات التالية. لن يصلح النظام اللبناني حتى تصبح هذه الفسحة الهوية الوطنية الجامعة خارج التبعية الطائفية التي عززتها ساحتا الشهداء ورياض الصلح في السنوات الماضية. خرجت مؤخرا أصوات جديدة من المجتمع المدني، مثل حملة "مشاع" لاسترجاع الأماكن العامة وحملة "استرجاع البرلمان" لاستعادته سياسياً، فهل تنجح في تحرير ساحة النجمة وكبح هذا الانزلاق في التخاطب الديمقراطي؟

مستشار ومدرب في مجال الإدارة والسياسات العامة

نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية

 
[1] لتواجدها ضمن منطقة "سوليدير" وهي الشركة التي تملكت وسط بيروت بعد الحرب وتولت اعادة اعماره.