Le roi s’amuseأو "الملك يتسلّى" مسرحية من تأليف فيكتور هوغو، عرضت للمرّة الأولى بعد مرور عامين على ثورة 1830، حيث لم يعد المس بالملك مدعاة لأقسى العقوبات وباتت الحرية من ركائز القانون العام. وفيما برر الكاتب روايته كنقد للمجتمع الفرنسي برمته، رأت السلطة في النص إشارات مهينة تجاه الملك لويس فيليب بحيث قالت إحدى شخصيات المسرحية للمواطنين "كانت أمهاتكم عاهرات للخدم، أنتم كلكم أوغاد"، فاعتبرت هذه الجملة تلميحا الى سيرة والدة الملك التي كانت موضوع إشاعات كثيرة آنذاك. منعت الإدارة عرض المسرحية، فتقدم هوغو بدعوى ضد المسرح الفرنسي الذي تقدم بدوره بدعوى رجوع ضد وزير الأشغال العامة الذي أصدر قرار المنع. فكانت جلسة محاكمة شهيرة، رسّخت موقع هوغو كمدافع أوّل عن حرية التعبير في فرنسا، بالرغم من خسارته للقضية.
بدأت الحشود بالوصول في الساعة التاسعة صباحا من يوم التاسع عشر من شهر دسمبر/كانون الأوّل 1832. فقهاءورجال قانون ونوّاب ومواطنون من مختلف الفئات ضاقت بهم قاعات المحاكم. دخل فيكتور هوغو، وعلا التصفيق في المحكمة وخارجها. بدأت الجلسة بأجواء طغا فيها الحماس على جمهور صاخب أجبر القاضي على التوقف مرارا لإسكاته.
في مرافعته، أعلن محامي هوغو أن تخلّي موكّله عن حقه هو بمثابة تخل عن حرية الفكر والتعبير، بل أيضا بمثابة تخل عن حقوق الآخرين عليه، معتبرا أن التصدي للرقابة والإجراءات التعسفية هو في صلب موجبات مواطن ما بعد الثورة وميثاق 1814 الذي نص صراحة: الرقابة ألغيت، هي التي ولدت للترهيب، ماتت مع انقضاء عهده.
وقد رافقت مرافعة المحامي ضجة عارمة، فدخل الحرس الوطني إلى القاعة. وكان المشهد مؤثرا إذ عمد الجنود إلى إزالة الحراب من فوهات البنادق الخاصة بهم احتراما للصرح القضائي، فصفّق الحضور طويلا وتمتم المواطنون ألحان النشيد الوطني الفرنسي (La Marseillaise)إحياء لأهم منجزات الثورة ألا وهي استقلالية السلطات ومن بينها القضاء.
 
ومع بدء هوغو مداخلته أصبح من شبه المستحيل سماعه، بحيث طغا حماس الحضور على المشهد. دافع هوغو عن حقه منتقدا الحكومة بأسلوب لاذع ومباشر. "أدافع عن حقوقي الأساسية، عن حقي في الامتلاك وحقي في التفكير، أدافع عن حقوق الجميع... في هذه المحكمة التي تمثل فكرة نبيلة، هناك عدالة، أما أنا، فلدي الحرية". وأشار هوغو إلى غياب أي قانون للرقابة على الأعمال المسرحية، معتبرا أن هذا الإجراء تعد على حقوقه من ناحيتين: "هو تعسفي لجهة القانون وغير معقول لجهة المنطق". ومن هنا، فإن المسألة هي رهينة تقدير القضاء. فلم تخل مداخلته من التعويل على دور السلطة القضائية في مراقبة تعسف السلطة خاصة في فرض حرية التعبير فهو من قالإن العدالة والحرية مترابطتان: فالحرية عادلة والعدالة حرّة.
وتوجّه للمحكمة قائلا: "حكمكم سيعلّم السلطة أن أصدقاءها أنفسهم يلومونها... أن حق كل مواطن مقدّس تجاه أي وزير، أن المسرح يجب أن يحترم كوسيلة تعبير للرأي العام ضمن شروط السلامة العامة، أن الصحافة والمسرح والمنابر لا يمكن أن تلتزم الصمت من دون أن يؤدي ذلك الى الاضرار بالمجتمع". والقاضي بالنسبة للكاتب هو الحكم الطبيعي لهذه المبارزات بين القانون والتعسف التي يتواجه فيها المواطن العادي مع الحكومة بأسلحة غير متكافئة. "المواطن قوي عندما يكون له أن يلجأ إلى قوسكم لمجابهة إجراء غير قانوني ومخجل ولدحض مشروعيته علنا، كما أفعل، استنادا لبنود الميثاق". وقد اعتمد محامي هوغو التوجه نفسه مذكّرا المحكمة بمواقف ريادية سابقة لها حيال قضايا الرقابة، حين تحدّت السلطات وأعلنت عدم شرعية مراسيم يوليو/تموز الشهيرة، وقد شكل حكمها شرارة لثورة 1830، فكانت تاليا أحد المحرّضين الأساسيين على قيامها.
وأكمل هوغو كلامه متوعدا "أن تتم استعادة الرقابة على المسرح بأمر غير قانوني، أو بقانون غير دستوري، أقر بأنني لن أخضع لها إلا كما نخضع لسلطة الأمر الواقع: احتجاجا". معتبرا أن الحكومة "تفتقر الىالعظمةوالصراحةوالشجاعة"، متهما إياها بالقبض على منجزات الثورة من خلال "استبدال الدستور بالتعسف والحرية بالاستبداد." وبالرغم من اعلانه أنه يتمسك بحقه بانتقاد الملك في كل لحظة، صرح هوغو أن انتقاداته في المسرحية كانت تطال الوزراء فقط، واصفا إياهم "برجال الدولة الصغار" الذين وضعوا فرنسا تحت أقدامهم.وأكمل هوغو وسط هتافات وحماس الجمهور: "اليوم تسلب حريتي كشاعر من قبل الرقابة، وغدا تسلب حريتي كمواطن من قبل الدرك"، منبها مرة أخرى من العودة إلى أحضان الإمبراطورية. كما كشف عن محادثات جرت بينه وبين الوزير قبل بدء عرض المسرحية حيث حذّر هذا الأخير من الرقابة على مسرحيته معلنا أن أي نية في مراقبة النص ستؤدي إلى سحب المسرحية بأكملها.
 
أما مداخلة محامي المسرح الفرنسي، فرافقها غضب عارم في المحكمة، فبات يعلو الصراخ كلما تلفّظ هذا الأخير بعبارات morale et outrages aux moeurs”"، إذ كانت هاتان العبارتان المطاطتان مدخلا لقمع السلطة للحرية الفردية في عهد ما قبل الثورة. أمّا محامي وزير التجارة والأشغال العامة، فقد ذكر في مرافعته – ولو من باب السخرية - أن هوغو كان قد خفف من صخب الجماهير من خلال مقالات صحافية دعت الشباب إلى عدم الانجرار إلى أعمال الشغب الآيلة إلى الدفاع عن مسرحيته.
انتهت الجلسة الساعة السادسة مساء. الحشود التي لم تقبل إخلاء المحكمة منذ الساعة التاسعة صباحا، أبت إخلاء القاعة قبل خروج هوغو وسط صيحات التهليل والتصفيق.
 
مصادر:
 Journal des Débats, 20 décembre 1832
نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية