منذ تأسيس الدولة اللبنانية والمحامي يدخل إلى دوائر المديرية العامة للأمن العام عن ومع موكليه بشكل طبيعي ويراجع فيها بكافة الأعمال القانونية استناداً لصلاحياتها وعملها المحدد في القانون والى قانون أصول المحاكمات الجزائية والموجبات والعقود والقوانين المرعية الاجراء، الى أن عمدت المديرية تدريجياً منذ حوالى عام 1997 إلى منح ذاتها صلاحيات غير دستورية وغير منصوص عليها بأي قانون، وذلك باتخاذ قرارات تتعلّق بالمحامين ومنعهم من دخول دوائر المديرية العامة للأمن العام، ومؤخرأ بإصدارها مذكرات، آخرها المذكرة الصادرة بتاريخ 5-4-2012  رقم 27/أ ع/ص/م ذ، موضوع هذا التعليق.
 
مخالفة الاتفاقيات الدولية والدستور
تبنّى لبنان في مقدمة دستوره الجديد الشرعة العالمية لحقوق الإنسان والاتفاقات الدولية، بحيث أصبحت جزءا لا يتجزأ من الدستور، ومنها حق الدفاع المقدس وحق كل إنسان بمراجعة القضاء والدفاع عن نفسهأمام المحاكم وحق مقابلة المحامي وتمثيله والدفاع عنه والمساواة في كافة الحقوق والحريات الشخصية أكان أجنبياً أو وطنياً.
وإن هذه الحقوق مكرسة أيضاً في القوانين اللبنانية، خاصة أن لبنان قائم على النظام الديمقراطي والحفاظ على الحقوق والحريات العامة في بنيته التأسيسية والتشريعية ولا يمكن تجزئتها أو فصلها عن بعضها البعض، بحيث أن مخالفة الدولة لهذه المبادىء في قوانينها يجعلها باطلة بطلاناً مطلقاً، فكيف لو ذكرت بمذكرات ادارية؟
وقد جاءت مذكرة الأمن العام لتخالف مباشرة هذه المبادىء والقوانين من خلال منع المحامين من تمثيل موكليهم على أكثر من صعيد وتطال الحقوق والحريات الشخصية للأشخاص الثالثين الذين يدافعون عنهم، وتضمنت الكثير من المغالطات القانونية في الشكل والأساس التي تجعلها باطلة بطلاناً مطلقاً.
فقد نصّت المادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية صراحة على تراتبية القوانين، وتأتي المذكرات الإدارية ومنها المذكرة الإدارية الحاضرة في أسفل سلّم التراتبية، بحيث لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تخالف الاتفاقيات الدولية والدستور اللبناني والقوانين الملزمة.
ومن هذه المخالفات أن هذه المذكرة أدخلت أحكاما جديدة تتعلّق بتنظيم عمل المحامين ودفاعهم عن الأشخاص الثالثين وتمثيلهم لهم، وصولاً إلى منعهم من دخول الأمن العام ومنعهم من تمثيل شريحة واسعة من اللبنانيين والأجانبوحصرتها بـ13 مراجعة، مع العلم إن هذه المديرية هي مرفق عام وحيوي يتقاطع فيها معظم أعمال اللبنانيين وكافة معاملات الأجانب من النواحي الإدارية والقانونية والتحقيقية. وبالتالي يضطلع المحامون فيها  بدور أساسي لا غنى عنهيتعلّق بتمثيل الأجانب واللبنانيين على السواء في هذه الإدارة، فضلاً عن أن هذه المخالفات هي غير دستورية وغير قانونية، فإنه لا يمكن الإتفاق أو المساومة أو التنازل عن هذه الحقوق والحريات من أية إدارة أو مؤسسة وحتى من المحامين أنفسهم سواءً بطريقة منفردة من الإدارة أم ثنائية حتى مع المحامين أنفسهم، وهو دور نقابة المحامين الريادي في المحافظة عليها.
 
انعكاسات المذكرة على اللبنانيين والأجانب
إن لهذه المذكرات انعكاسات سلبية عدة تضرّ بشكل مباشر باللبنانيين والأجانب على السواء وتبرز اثناء تأديتهم مهنتهم في أي من المهام الآتية:
  • تمثيل أصحاب العمل اللبنانيين الطبيعيين والشركات والمؤسسات في بعض الحالات ومكاتب الاستخدام بقضايا تتعلّق بعمّالهم وعاملاتهم الأجانب وفي الأمور المدنية والإدارية والجزائية،
  • تمثيل شركات الإعلانات والمؤسسات الإعلامية،
  • تمثيل المدعين اللبنانيين والأجانب المتضررين في التحقيقات الأولية (المادة 27 أ.م.ج)، ومقابلة الموقوفين ومتابعة اوضاعهم القانونية في التحقيقات الأولية التي يرعاها قانون اصول المحاكمات الجزائية (المادة 47 أ.م.ج) وغيرها من القوانين، والمراجعة من المحامي مباشرة أمام دائرة التحقيق وليس عبر مكتب شؤون العمليات ،
 
  • تمثيل اللاجئين والعمال والعاملات في المنازل والطلاّب والمعلّمين الأجانب وأصحاب العمل الأجانب والسواح العرب والأجانب إلخ. والدفاع عنهم في أغلبية الأمور المدنية والإدارية والجزائية والتوقيفات والتحقيقات والترحيل...
  • تمثيلاللبنانيين والأجانب في قضايا الأحوال الشخصية من الجنسية الى التبني وغيرها من المعاملات.
- تمثيل عناصر الأمن العام الموقوفين والدفاع عنهم، بحيث اشترطت المذكرة موافقة المدير العام للأمن العام على توكل أي محام عن أي منهم، وذلك بموجب تفسير خاطئ للمادة 32 من المرسوم 2873/1959 التي تحدثت عن الموافقة حصرًا في المحاكمة التأديبية. إن هذه القضايا القانونية الشائكة تتطلب حضورا للمحامين، وبإمكان مطلق ادارة شلّ المرفق العام وعرقلته والتعرض لمهنة المحاماة، إذا تمّ تقييد هذا الحضور بحجة او أخرى.
مخالفة قانون أصول المحاكمات الجزائية
إن الضرر الأول سيقع على الأجانب الموقوفين من كافة الفئات وهم بالآلاف، وذلك لحرمانهم من حق الدفاع المقدس، خاصة أن المادة 47 أ.م.ج نصّت على حق الموقوف بالاتصال ومقابلة محام وبسلسلة حقوق وإجراءات لا يمكن أن تتم بمعزل عن ذلك ومباشرة أمام دائرة التحقيق والإجراء، حتى بدون وكالة حيث سهّل المشرّع تنظيمها وذلك بتدوينها على محضر التحقيق تسهيلاً لعمل المحامين وحفاظًا عليه وعلى حقوق الموقوفين، بعكس ما جاء في مذكرة الأمن العام.
 فمثلاً إن ترحيل 14 مواطنا سوريا في الأشهر الماضية ما كان ليحصل لو تم احترام حقهم بالدفاع وحق تمثيلهم بواسطة محامين وجرى التواصل القانوني الصحيح أمام هذه المديرية. ففي هذه الحالة، لكان تم ّ الإدلاء باتفاقية مناهضة التعذيب التي وقعها لبنان وصادق عليها والتي تمنع ترحيل أي أجنبي الى بلده أو أي بلد قد تتعرض فيه حياته للخطر أو التعذيب.
وقس على ذلك العمّال وقضاياهم والموقوفون واللاجئون وفي مقدمهم العراقيون والسودانيون إضافة الى غيرها من الحالات القانونية،
والأمثلة على الحالات التي يتوجب فيها احترام حق التمثيل القانوني وحق الدفاع امام القضاء والإدارات المعنيّة  كثيرة ولا تحصى من حق الإدلاء بالاتفاقيات الدولية وبالقوانين اللبنانية وحق الاعتراض على قرارات التوقيف والترحيل الصادرة عن المديرية وتجاوز مدّة التوقيفات والتأخر في الترحيل وغيرها من تقديم دعاوى وسواها من الأمور القانونية.
عدم الصلاحية والاختصاص وتجاوز حد السلطة والبطلان المطلق
كما لا يتبين من مراجعة القوانين المتعلّقة بالأمن العام، سواء تلك الصادرة في تأسيسها أو في عامي 1962 و1964 أي صلاحية أو اختصاص لها بمنع عمل المحامين أو تنظيمه، خاصة أن الأسباب الموجبة لهذه القوانين ومناقشات المجلس النيابي تبيّن الصلاحيات المحددة التي يجب أن تمارسها الإدارة[1]، وليس من ضمنها إصدار هكذا مذكرات أو قرارت إخضاع أو منع بحق المحامين.
كما أن الأمر متشعب الأبعاد، فمجرد منع المحامين مثلاً من الاتصال فوراً بالموقوفين والدفاع عنهم وتمثيلهم، الذي حدد القانون الطرق والأصول الدقيقة لتنفيذها في المادة 47 أ.م.ج وتتعلّق كلها بحق الدفاع المقدس، يبطل التحقيقات خاصة إذا كان مقصوداً. فليس لأية هيئة أو إدارة أن تقوم بتعديل القوانين الذي هو عمل السلطة التشريعية. وإن مبدأ فصل السلطات أساسي في نظامنا ومنصوص عليه في الدستور ومتعلّق بالنظام العام، وكل ذلك يعتبر تجاوزًا لحد السلطة ويجعل هذه المذكرة باطلة بطلانًا مطلقًا لهذا السبب ايضا.
مخالفات قانون الموجبات والعقود والمبادئ والأحكام القانونية
إن عقد الوكالة المنصوص عليه في قانون الموجبات والعقود في المواد (769- 822 م.ع) على سبيل المثال هو قانون ملزم لكل الإدارات ويعطي الحق للوكيل المحامي بتمثيل موكله في كافة المحاكم والدوائر وخاصة أمام الأمن العام، فضلا عن مراجعة ملفه أمام الدائرة المعنيّة مباشرة وليس من خلال غرفة مراجعات. ولا تضع هذه المواد مدّة لانتهاء الوكالة، فلا يمكن أن تأتي الإدارة بطريقة منفردة وتخالف أحكام عقد الوكالة والقوانين المدنية وتشرّع وتعدّل عقد الوكالة ومدّتها بجعلها سنتين، مما يجعل قرارها لهذه الجهة باطلاً.
وما يفاجىء أكثر أنها منعت على سبيل المثال المحامين من تقديم طلبات الإقامة السنوية والمؤقتة للمواطنين العرب والأجانب (الرجال) وحصرتها بالإناث حسب التعبير المستخدم (ومنهم الخادمات الأجنبيات) وفقاً لما جاء في مذكرتهم الإدارية تحت بند 3233. وهنا، وفضلاً عن مخالفته الدستور وكافة القوانين المذكورة وحق الدفاع المقدس وعقد الوكالة وتنظيم مهنة المحاماة وغيرها، فانه يؤدي إلى التمييز بين المواطنين والعمّال الرجال والنساء علما أن لبنان وقع الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التميّيز العنصري والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التميّيز ضد المرأة مما يجعل هكذا قرارات إدارية باطلة.
وقد ذكر موقع الأمن العام الإلكتروني من بين الأشخاص الذين يحقّ لهم تقديم المعاملات للعمال الأجانب أصحاب العلاقة وأقرباءهم والسائقين والمرافقين حاملي وكالة قيادة. فمنع المحامين من تقديم الطلبات المذكورة أعلاه مثلاً في حين سمح بها للسائقين والمرافقين، مما يشكل مسًّا بكرامة المحامي فضلاً عن كونه غير قانوني.
بل أكثر من ذلك، فقد سمح بقبول معاملات فئة خاصة من الشخصيات السياسية الرسمية من وزراء ونواب حاليين وقضاة وضّباط في الخدمة الفعليّة ومرجعيات دينية بموجب كتاب موقع منها ودون حاجة لوكالة رسمية ودون توكيل محام، متجاوزًا بذلك حتى عقد الوكالة وقانون الموجبات والعقود والتمثيل الرسمي الملزم. فأصبح هناك صيف وشتاء تحت سقف واحد ومخالفة بذلك لأبسط القوانين ولمبدأ شمولية وتطبيق القانون على الجميع بالتساوي ومهما علا شأنهم.
المخالفات لقانون تنظيم مهنة المحاماة
إن تدخل هذه المذكرة برسالة المحاماة وتركها في نهايتها صلاحيات لمدير الأمن العام باتخاذ قرارات بحقّ المحامين يشكلان مخالفة اضافية لقانون تنظيم مهنة المحاماة حيث يتمتع المحامون كالقضاة بالحصانة عند ممارسة مهنتهم ويخضعون حصرًا لنقابتهم وقوانينها. وهذا تاليا سبب اضافي لإبطالها.
فالمحاماة مهنة ينظّمها قانون تنظيم مهنة المحاماة وتهدف إلى تحقيق رسالة العدالة بإبداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق (المادة 1 محاماة) ولا يمكن لأي قانون أو مذكرة أن تخالف مبدأ الدفاع عن حقوق الأجانب واللبنانيين على السواء أكانت متصلة بالمديرية العامة للأمن العام أو غيرها، وإبداء الرأي القانوني بوكالة وبدون وكالة.
والأهم ان رسالة المحاماة تهدف إلى تحقيق رسالة العدالة. إذا كان القاضي يحكم بالعدل فالمحامي يدافع عن العدل والعدالة.
إن المحاماة تساهم في تنفيذ الخدمة العامة أينما كان سواء في الإدارات أم أمام القضاء، ولهذا تولي من يمارسها الحقوق والحصانات والضمانات التي ينصّ عليها القانون بحيث لا يمكن التعدّي عليه أو منعه من ممارسة مهنته. بل إن أي تعد جرمي عليه يكون مرادفا من حيث خطورته  للاعتداء على قاضٍ (المادة 2 و76 محاماة).
وقد نصّت المادة 74 من تنظيم مهنة المحاماة على أن حقّ الدفاع مقدّس وأعطته الضمانات بحيث لا يسأل المحامي ولا يترتب عليه من جراء ذلك أي مسؤولية، ويمنع على أي كان التدخل في تتميم هذه القداسة القانونية أثناء ممارستها.
لماذا هذه القداسة؟ لأن المحامي أولاً ملزم بالدفاع عن الأشخاص الثالثين وهي تدخل بصلب واجباته القانونية (المادة 80 محاماة)، وثانياً لأن المحامين يقسمون اليمين عند ممارستهم عملهم. صحيح أن قسم اليمين ليس حكرًا على فئة المحامين لكنها سباقة في هذا المجال.
تم تأسيس نقابة المحاميين عام 1919 أي قبل إنشاء لبنان الكبير وقبل استقلال لبنان الديمقراطي وذلك من أجله وبهدف المحافظة على كيانه وعلى الحقوق والحريات.
ونذكّر هنا بالقسم الذي يؤديه المحامي في المادة 60 من قانون تنظيم المهنة: "أقسم بالله العظيم، وبشرفي أن أحافظ على سرّ مهنتي وأن أقوم بأعمالها بأمانة وأن أحافظ على آدائها وتقاليدها وأن أتقيّد بقوانينها وأنظمتها..."
فمثلما يدخل المحامي والقاضي إلى قصر العدل وإلى كافة الإدارات دون تفتيشهما، يجب بالتالي أن يدخلا بالطريقة المشرّفة ذاتها إلى الأمن العام، ومثلما تؤدى التحيّة إلى الضبّاط ينبغي تقديم التحيّة إلى المحامي، بالطريقة ذاتها التي منحه إياها القانون من حصانات وضمانات.
فأدّوا التحية للمحامي عند دخوله الأمن العام وكافة الإدارات ولا تمنعوه من مراجعة أعماله والقيام بواجبه بالدفاع المقدّس عن الأجانب واللبنانيين وفقاً للقوانين، وإبطال هذه المذكرة فوراً كونها مخالفة لجميع الإتفاقات الدولية والدستور، وللقوانين المرعية الإجراء وتلحق ضرراً كبيراً بالأشخاص الثالثين المؤتمنين الدفاع عنهم ابتداءً من إلتزامنا بتحقيق رسالة العدالة وتنفيذ الخدمة العامة وبالقسم المرتبطين به، واستناداً لحق الدفاع المقدّس ولقانون تنظيم مهنة المحاماة.
 
نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية