"مذكرة الإخضاع"، مذكرة أصدرتها المديرية العامة للأمن العام بحق محامين ومواطنين عدة، أحدهم المدير المسؤول عن هذه المطبوعة. وهي تتميز بأمور عدة: أولا تسميتها التي تشكل علامة لافتة بالنسبة الى أي نظام يعلن انه ديمقراطي، فتعبير اخضاع يفترض أن ثمة مواطنا تمرد فتوجب اعادته الى بيت الطاعة وبكلمة اخرى اخضاعه، وثانيا، مصدرها، فهي لا تستند الى اي قانون وتشكل تعديا اداريا لا أساس له اطلاقا (voie de fait)، وثالثا، وهنا ربما العنصر الأهم، طابعها غير المعلن: فهي عقوبة تتخذ ولا يعلن عنها بل لا يبلغ المواطن "المراد اخضاعه" بها فيكتشفها صدفة، كمن يكتشف اصابته بفيروس، عند القيام بمعاملة أو من خلال المعلومات التي تظهر على حواسيب الأمن العام على مخارج المطار وأسئلة عناصره كـ"شو عامل؟". ومن هذا المنطلق، من الطبيعي أن يكون الشخص المعني في غالب الحالات عاجزا عن اثبات ما يعرفه من دون أي ريب. عقوبة مهينة، عقوبة غير قانونية، عقوبة مانعة من ممارسة حق مدني بالدخول الى مراكز الأمن العام والقيام بمعاملات هنالك، ولكن أهم من ذلك عقوبة شبح بوليسية بامتياز. ولا عجب اذا أن يصبح التحدي الأول أمام الأشخاص المصابين بها اثباتها في مواجهة ادارة بوليسية تكذب أقوالهم وتصورها على أنها تخيلات محض وبارانويا. وهذا ما يتبدى بشكل واضح في القرار الصادر عن مجلس شورى الدولة موضوع هذا التعليق (المحرر).
دأب المدير العام للأمن العام على إصدار قرارات تعرف بـ"مذكرة إخضاع" يمنع بموجبها محامين ومواطنين من دخول جميع مراكز الأمن العام والقيام بمعاملات لديه. تقدّم المحامي رولان طوق بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة طالباً وقف تنفيذ المذكرة الصادرة بحقه تمهيدا لإبطالها. كما طلب بإدخال نقابة المحامين في بيروت "دفاعاً عن كرامة وحقوق أفرادها". تقدّمت المديرية العامة للأمن العام بمطالعة طلبت فيها "ردّ المراجعة لانتفاء موضوعها الناجم عن عدم وجود أيّ قرار بالمنع بحق المستدعي أو بحق غيره من الأساتذة المحامين". بتاريخ 14-5-2012 صدر قرار عن مجلس شورى الدولة بردّ طلب وقف تنفيذ قرار المنع من الدخول لعدم توفر شروطه.
من الجليّ والواضح أنّ ثمة خلافا بين فرقاء الدعوى حول الوقائع المتصلة بها. فالمحامي المستدعي يطعن بقرار منع دخوله إلى مراكز الأمن العام مستنداً في إدلاءاته إلى حالة واقعية وممارسة فعلية مستمرة تأكدت بصمت الأمن العام ازاء المذكرات التي تقدم بها لديه بهذا الخصوص ومنها مذكرة ربط النزاع الذي تقدم بها تمهيدا لاقامة دعوى ضد الادارة العامة، بحيث أن صمت الادارة العامة ازاء طلب التراجع عن المذكرة رغم انقضاء المهلة القانونية (شهرين) يعد رفضا له. أما الدولة فاكتفت بتأييد مطالعة الأمن العام الذي أكد فيها عدم وجود قرار منع دخول بحق المحامي المستدعي. فجاء مجلس الشورى ليقرّر ردّ طلب وقف تنفيذ القرار بمنع دخول المستدعي دون أدنى تعليل قانوني. وانطلاقا من ذلك، بدا مجلس شورى الدولة وكأنه تجاهل القرار الضمني المشكو منه برد طلب التراجع عن المذكرة، وكرّس بشكل من الأشكال استمرارية تطبيقه تعسفيا بحق المستدعي، مقدّماً بذلك نهج الإدارة التسلطي على حقوق المستدعي وحرياته المحمية دستوراً.
من هنا، يهدف المقال هذا إلى تبيان الحلول القانونية التي كان بإمكان القاضي الإداري أن يلجأ إليها ليمارس دوره باستقلالية مع حفاظه على التوازن المناسب بين صون المصلحة العامة ومراعاة الحقوق. ويهدف بالدرجة الأولى إلى حث القاضي على أخذ المبادرة إلى الاجتهاد على نحو يخدم مصلحة المواطن في المسائل التي تتصل بالحقوق الأساسية والمعاملة الإنسانية لا أن يكون مجرّد متلق خادم للأصول القانونية الجامدة.
فقد كان بإمكان القاضي الإداري، إزاء ردّ الأمن العام وتأكيده أنه لا يوجد قرار رسمي بمنع المحامي المستدعي من دخول الأمن العام، أن يردّ المراجعة كونها أضحت من دون موضوع، لأنه لا يمكن النظر في طلب إبطال قرار إداري ووقف تنفيذه إذا ثبت أن القرار غير موجود أصلا. فالشرط الأوّل لتنفيذ أيّ قرار أو وقف تنفيذه هو تحقق وجوده أصلاً. كما كان بإمكانه في الوقت ذاته، وحفاظاً على الحقوق، أن يدوّن إقرار الإدارة بعدم وجود قرار منع دخول بحق المستدعي وإعمال مفاعيله واعتباره إقراراً قضائياً يشكل حجة قاطعة على الإدارة المقرّة لا يمكنها الرجوع عنه عملاً بالمادتين 212 و215 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وردّ المراجعة لانتفاء الموضوع. حتى إذا اكتسب القرار الحجية القانونية أصبح ملزماً للإدارة لا يسعها مخالفته والاحتجاج مجدداً بوجه المستدعي بقرار منع الدخول. فيكون بذلك القاضي قد ردّ المراجعة ولكنه ـ في المقابل ـ أحرج الإدارة ووضعها أمام امتحان صدق أقوالها وأفعالها ووازن بين مصلحة الفريقين.
كما أنه إلى جانب قناعة القاضي الذاتية (Intimeconviction) هناك ما يعرف في القضاء الإداري بـ"المنطق الغائي" (Le raisonnement finaliste) وهو الهدف أو الغاية التي يتوخاها القاضي من حكمه[1]. ولعلّ الهدف الأسمى والأساسي هو الحفاظ على حقوق الأفراد والحريات العامة والعدالة والمساواة وإعطاء ضمانات للمواطنين لممارستها ولو من دون أيّ نص عليها في مواجهة تدابير الإدارة التي من شأنها المساس بحقوقهم وحرياتهم والتعدّي عليها لا سيما في المجالات التي تتمتع فيها الإدارة بسلطات استنسابية[2]. فطالما اعتبر القاضي الإداري أنّ ثمة قرارا"ضمنيا" بمنع دخول المستدعي، كان بإمكانه، انطلاقاً من دوره الرائد هذا، أن يقرّر وقف تنفيذه وأن ينزع كل شرعية عنه، كونه يشكل عقوبة تصدر عن موظف عام يرأس جهازاً أمنياً بحق المواطنين والمحامين دون احترام أدنى حقوق الدفاع[3]، على خلفية دفاعهمعن أكثر الفئات هشاشة وضعفاً في المجتمع من عمال ولاجئين أجانب والمطالبة بالإفراج عنهم نتيجة اعتقالهم تعسفياً.
وهكذا، يكون مجلس شورى الدولة قد فوت مناسبة مهمة لتقويم الأداء والممارسة على ضوء أحكام الدستور وقواعد حقوق الإنسان ولتوكيد صلاحية القضاء الإداري في المراقبة والمحاسبة ولتكريس سيادة القانون لا آراء الموظفين ومشيئتهم...
أخيراً؛ كانت معبّرة إشارة القرار إلى أنّ نقابة المحامين لم تتخذ أيّ موقف قانوني بشأن المراجعة بالرغم من إبلاغها.
نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية

[1]« C’est la considération des fins qu’il poursuit, dont certaines sont propres à l’espèce, d’autres de plus large envergure, qui domine en dernière analyse la solution adoptée ». Gaudemet Yves, Les méthodes du juge administratif, L.G.D.J., Paris, 1972, p. 66.
[2]«Il convient de rappeler au juge sa finalité, qui est la défense des libertés individuelles, d’attirer son attention sur la personne du justiciable et son cas humain pas seulement sur la règle qu’il illustre ou permet de dégager», Gjidra Marc, La fonction administrative contentieuse, thèse, L.G.D.J., Paris 1972, p. 215.
[3]« Le droit administratif évolue aujourd’hui, plus nettement qu’hier, vers un droit des libertés publiques, se substituant au droit de la puissance publique », Chapus R., L’administration et son juge : ce qui change, E.D.C.E., pp. 264-265.