تبرز قضية نقابة عمال سبينسضرورة قيام الحوار بين العمال وأصحاب العمل داخل المؤسسة وأهمية اعادة التوازن والاعتراف المتبادل بين هذين الشريكين الاجتماعيين. وقد ساهم البيان الصادر عن مكتب الأنشطة العمالية التابع لمنظمة العمل الدولية في 31 آب 2012 في تسليط الأضواء على مفهومي الحوار والتفاوض داخل المؤسسة. فأدان ممارسات ادارة السبينس التي وصفها بالتعسفية والبوليسية، معتبرا ان "موقف ادارة السبينيس هذا واستمرار تغاضيها عن مطالب الهيئة التأسيسية ورفضها المستمر في الدخول في حوار بناء يمثل تجاهلا للاتفاقية الدولية رقم 98 الخاصة بتطبيق مبادئ الحق في التنظيم النقابي وفي المفاوضة الجماعية التي صادق عليها لبنان". وقد دعا بالنتيجة الى "ضرورة  فتح قنوات الحوار والتفاوض بين ادارة مؤسسة سبينيس والقيادة النقابية من أجل التوصل الى حلول تحفظ الحقوق المكتسبة للعاملين". ولا يقتصر الحوار داخل المؤسسة على تطبيق الأنظمة والقوانين العمالية فحسب، بل يقوم على التشاور والتفاوض المستمرين بين العاملين وادارة المؤسسة ويبنى على علاقة احترام واعتراف متبادل بينهما. وهذا ما يدفعنا الى البحث في مفهوم الحوار الاجتماعي داخل المؤسسة بمنظار منظمة العمل الدولية على ضوء الاتفاقية 98، كما وفي ضرورة ايجاد آليات تمثيلية جديدة تساهم في ارساء الحوار انطلاقا من النموذج الفرنسي الذي يعير الحوار الاجتماعي مكانة خاصة بدليل أن وزير العمل الفرنسي يحمل لقب "وزير العمل والحوار الاجتماعي".
الحوار الاجتماعي بمنظار منظمة العمل الدولية والاتفاقية رقم 98
 يلعب مفهوم "الحوار الاجتماعي" دورا رئيسا في تحقيق أهداف منظمة العمل الدولية الرامية الى تعزيز العمل اللائق والمنتج للعمال، نساء ورجالا، في بيئة سليمة تتحقق فيها شروط الحرية والمساواة والسلامة والكرامة. والحوار الاجتماعي عنصر أساسي للحفاظ على الاستقرار والسلم الاجتماعي وله أبعاد عدة بحسب مفهوم هذه المنظمة. فهو يعني بشكل رئيسي الحوار الثلاثي الأطراف بمفهومه الواسع الذي يقوم بين الدولة والمنظمات التي تمثل كلا من الأجراء وأصحاب العمل. الا أن الحوار لا ينحصر بهؤلاء الشركاء الاجتماعيين الثلاثة، بل له بعد آخر بمنظار منظمة العمل الدولية لا يقل أهمية عن الأول، وهو الحوار الثنائي الذي يقوم بين أصحاب العمل والعاملين، أو من يمثلهم، على صعيد المؤسسة. وهنا تكمن أهمية بيان منظمة العمل الدولية المذكور أعلاه والذي ذكر بضرورة تطبيق أحكام الاتفاقية الدولية رقم 98 على الصعيد الداخلي للمؤسسة. كما اعتبر أن "حق التفاوض الحر مع أصحاب العمل فيما يخص شروط العمل يشكل عنصرا أساسيا من عناصر الحريات النقابية". وتجدر الاشارة الى أهمية التفاوض الجماعي، ودوره في تعزيز الحوار الاجتماعي كما وارتباطه الوطيد بمفهوم الحرية النقابية. اذ لا يمكن أن تقوم علاقة سليمة داخل المؤسسة على هيمنة طرف على الطرف الآخر، من دون أي احترام للحقوق والحريات النقابية، "التي كفلها الدستور وشرعة حقوق الانسان ومعايير العمل الدولية" كما جاء في البيان المذكور. كما يفترض أن ترتكز هذه العلاقة على شراكة فعالة بين الطرفين تقوم على التواصل والثقة والاحترام المتبادل بينهما. لذا يهيب البيان بالحكومة اللبنانية التي صادقت على الاتفاقية رقم 98 والتي تحظى بمرتبة الاتفاقيات الأساسية، أن "تبذل كل جهد للحيلولة دون عرقلة هذا الحق واعاقة ممارسته المشروعة". الا أن دورها لا ينحصر بذلك في رأينا، اذ ينبغي على الدولة التي صادقت على الاتفاقيات الأساسية ان تسعى الى تطبيقها قانونا وعمليا وأن ترفع تقارير بشأن تطبيقها الى مكتب العمل الدولي. لذا فعليها أن تلعب دورا أكثر فعالية في هذا المجال في اتجاه تنمية ثقافة الحوار والشراكة داخل المؤسسة وتأمين الأطر القانونية والمؤسساتية اللازمة من أجل تفعيل هذا الحوار بغية تحقيق السلام والعدالة الاجتماعية، وخصوصا عن طريق تعديل قانون العمل.
 
الحوار من خلال هيئات تمثيلية منتخبة داخل المؤسسات؟ دروس من النموذج الفرنسي
يعرف النظام الفرنسي داخل المؤسسة التجارية هيئات مختلفة غير موجودة في لبنان تعنى بشؤون الاجراء ومصالحهم وتمثلهم تجاه أصحاب العمل. ونحصر التعريف في معرض هذا البحث بالهيئتين الأكثرأهمية:
 

  • مندوب الاجراء ولجنة المؤسسة. ينتخب مندوب الاجراء (délégué du personnel) من قبل هؤلاء في المؤسسات التي تحوي 11 أجيرا على الأقل. ويكون صاحب العمل ملزما بتنظيم انتخابه داخل المؤسسة كل أربعة اعوام متى تحقق شرط العدد. ويكمن دور مندوب الأجراء في تمثيل هؤلاء تجاه صاحب العمل، فينقل اليه مطالبهم الفردية والجماعية المتعلقة بتطبيق أحكام القوانين العمالية المرعية الاجراء والعقود الفردية والجماعية والنظام الداخلي خلال الاجتماع الشهري الذي يعقده مع هذا الأخير. كما أنّه محاور مفتش العمل الاول فينقل اليه الشكاوى النابعة عن عدم احترام القوانين والانظمة والعقود. ويقدم الاقتراحات بشأن تنظيم العمل ويلعب دور الوسيط في الخلافات الناشئة بين الاجراء وصاحب العمل.
  • "لجنة المؤسسة التجارية" (comité d’entreprise) التي تتمتع بشعبية بالغة في فرنسا. وهي الزامية في المؤسسات التي يتعدى عدد أجرائها الخمسين. ويختلف دورها عن دور مندوب الأجراء من حيث تأليفها أولا، اذ تتكون من عدد معين من ممثلي الاجراء ومندوبي النقابات (يتزايد نسبيا مع عدد الأجراء في المؤسسة)، يترأسها صاحب العمل أو ممثل عنه. أما دورها الأساسي فهو استشاري، ويرتكز على فكرة اشراك الأجراء في قرارات المؤسسة التي يعملون ضمنها ويساهمون في انتاجيتها. فتطرح عليها جميع المسائل المتعلقة بتنظيم العمل وادارة المؤسسة وسير عملها بشكل عام، كما تستشار بخصوص التدابير التي من شأنها أن تؤثر على تطوير الإنتاج وحجم طاقم العمل وهيكليته، ومدة العمل، وشروط التوظيف والعمل كما والتدريب المهني للأجراء. ويمكن جمع مهام مندوبي الاجراء ولجنة المؤسسة في المؤسسات التي يعمل فيها أقل من 200 أجير. اما في المؤسسات التي لا يتعدى عدد أجرائها الخمسين، فان دور مندوبي الاجراء يشمل دور لجنة المؤسسة. 

وقد يكون من المفيد اعتماد الحالتين الاخيرتين في لبنان اذ ان جمع هذه الأدوار المختلفة بهيئة واحدة يتماشى وامكانيات المؤسسات في لبنان وحجمها والتي يقل عدد العمال في غالبيتها الساحقة عن الخمسين[1].
دور الهيئات التمثيلية داخل المؤسسة لا يتعارض مع مهام النقابة
بالطبع، يختلف دور الهيئات التمثيلية الداخلية عن دور النقابة بحيث تكون منتخبة الزاميا من قبل اجراء المؤسسة كافة بمعزل عن انتمائهم الى نقابة. ولا يتعارض دور هذه الهيئات مع النقابة في حال وجودها، انما يشكل عنصرا مكملا لها. فدورها يبقى محصورا بحدود المؤسسة، كما انها لا تتمتع بالشخصية المعنوية على غرار النقابات، فلا يحق لها مثلا التقاضي باسم الاجراء. بالمقابل، يكون للنقابات اداء مهام أكثر أهمية كـ"الأمور التي من شأنها حماية المهنة وتشجيعها ورفع مستواها والدفاع عن مصالحها والعمل على تقدمها من جميع الوجوه الاقتصادية والصناعية والتجارية" كما حددتها احكام المادة 84 من قانون العمل. فتكون وحدها مخولة للتحاور والتفاوض مع الدولة ونقابات أصحاب العمل باسم الاجراء. وقد حصر القانون اللبناني حق التفاوض باسم الأجراء في عقود العمل الجماعية بالنقابات والاتحادات العمالية متى تحققت شروط التمثيل المفروضة قانونا[2]...
وجود مندوب للنقابات في داخل المؤسسة
 كما تجدر الاشارة أخيرا إلى أن وجود مندوب للنقابات داخل المؤسسة أمر ضروري اذ يؤمن التواصل فيما بينها وبين الهيئات الداخلية للمؤسسة ويعزز دور كل منها. ويكمن دور مندوب النقابة في جمع الاشتراكات النقابية وتأمين التواصل بين الاجراء والنقابة وعقد اجتماعات نقابية داخلية (احيانا مع ضيوف من خارج المؤسسة)... وقد يكون من المفيد الجمع في المؤسسات الصغيرة – وهي حال غالبية المؤسسات اللبنانية- بين دوري مندوب الاجراء ومندوب النقابة. فيعود هذا التواصل بالفائدة على كل من النقابة والأجراء، مما يعزز وجود النقابة داخل المؤسسات عبر تمثيلها فيها. كما ينتفع الأجراء من وجود المندوب داخل المؤسسة اذ يقربهم من النقابة ويؤمن لهم استمرار المعلومات والتوجيهات التي يقتدون بها.
كرامة الأجير
في النهاية، أن الزامية وجود هيئات تمثيلية منتخبة داخل المؤسسة هي ضرورة لإعادة التوازن والحوار بين الاجراء وصاحب العمل، ويساهم في تعزيز مكانة العامل في المؤسسة وصيانة حقوقه، ما يعيد اليه كرامته وينمّي شعوره بالانتماء الى مؤسسة تعترف به وتحاوره. وهذا ما يرتد ايجابا على صاحب العمل من ناحية الامانة والانتاجية...كما أن وجود هيئات تمثيلية داخلية يعزز دور النقابات العمالية ويكملها خاصة من خلال تواصلها عبر مندوب النقابة داخل المؤسسة.
 
نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية



[1]اذ  تشكل المؤسسات التي تحوي أقل من خمسين عاملا نسبة 98 % من المؤسسات في لبنان وهي توظف اكثر من 80% من اليد العاملةبحسب دراسة صادرة عن وزارة الصناعة والتجارة في عام 2004.
 
[2]المرسوم رقم 17386 الصادر في 2-9-1964 والمتعلق بوضع قانون عقود العمل الجماعية موضع التنفيذ.