باشرت المفكرة القانونية منذ نشأتها رصد أهم الاجتهادات القضائية المتصلة بالحريات العامة والحقوق الأساسية. وقد هدفت من خلال ذلك الى أمور ثلاثة:
الأول، اقناع المجتمع أن بامكان المحاكم أن تتصدى لعدد من قضاياه رغم احجام السلطات الحاكمة عن أي عمل ايجابي بشأنها. وبالطبع، الهدف من ذلك هو تعزيز مرجعية القضاء بالنسبة الى مشروعية الزعامات، ومعها مشروعية مفهوم الحق المستقل عن السياسة وعن استقطاب الزعامات التي غالبا ما تستغل شوائب القضاء وتراجعه لتعزيز مكانتها وهيمنتها،   
والثاني، تحفيز القضاة على مزيد من الاجتهاد في اتجاه ضبط مخالفات الادارة أو المتنفذين أو أيضا في اتجاه عقلنة القوانين واقلمتها مع الحاجات الاجتماعية وفي مطلق الأحوال في اتجاه تعزيز دور القضاء في حماية الحقوق والحريات الأساسية. وهذا ما يتحصل من خلال تظهير الأهمية الاجتماعية لهذه الاجتهادات، وأدوارها الريادية، ويصبح بالطبع هذا الأمر أكثر الحاحا بقدر ما تسوء سمعة القضاء بنتيجة التغطية الاعلامية لأعمال القضاة النافذين الذين غالبا ما يكونون أكثر قربا من السياسيين منهم من عموم القضاة،  
والثالث، نزع الحواجز المصطنعة القائمة بين القضاة والمجتمع، بحيث تزيد المعرفة العامة بأعمال القضاة، بهذا المختبر المحتمل الذي بامكان الحقوق والمصالح أن تتجابه فيه، ويتعزز ادراك القضاء بدرجة أكبر بما قد يكون لأحكامه من أبعاد اجتماعية فائقة الأهمية.
وكما أنه من المنطقي أن تقوم هذه الأحكام ايجابا في أي تشكيلات قضائية يشرف عليها قضاء مستقل وذلك تحفيزا للتوجهات الاستقلالية للقضاة، فانه من الساذج الاعتقاد بحصول ذلك في ظل نظام قضائي لا يتمتع فيه مجلس القضاء الأعلى بالاستقلالية اللازمة ولا تعطى استقلالية القاضي مكانة بارزة. فمن عساه يعتقد أن قضاة كوفئوا لوقوفهم في وجه أدوات الوصاية السورية، أو لوقوفهم في وجه زعماء لبنانيين هنا وهنالك، أو في وجه ممارسات الأجهزة الأمنية، أو لأنهم دافعوا عن قضايا لا تحظى بشعبية كقضايا اللاجئين والخادمات الأجانب والاتجار بالبشر والمثليين أو حق المرأة في اعطاء جنسيتها أو حماية الطفل في حال الخطر؟ بل الأرجح في نظام كهذا أن تصبح هذه الأحكام عائقا أمام تطور القاضي المهني، وهو أمر يضع أمام الاعلام مسؤولية كبرى في مراقبة المسار المهني لهؤلاء القضاة، وأي تدبير يتخذ لهم أو عليهم، فمن حق القضاة الذين يتولون الدفاع عن المجتمع، أن يلقوا اعترافا مجتمعيا بالجميل.  
 
نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية