تمثلت هذه المحاولة في الدعوى المباشرة التي قدمها عدد من الأجراء السابقين في متاجر سبينس أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت ضد الشركة صاحبة هذه المتاجر ومديرها مايكل رايت. وقد قدمت هذه الدعوى في أواخر 2012 على خلفية الضغوط التي مورست عليهم ووصلت الى حد إنهاء أعمالهم، لمنعهم من ممارسة حقوقهم وحرياتهم الأساسية. وقد استندت هذه المحاولة الى المادة 329 من قانون العقوبات التي تعاقب بالحبس من شهر إلى سنة كل فعل من شأنه أن يعوق اللبناني عن ممارسة حقوقه وواجباته المدنية إذا اقترف بالتهديد والشدة أو بأي وسيلة أخرى من وسائل الإكراه الجسدي أو المعنوي.

وقد بدأت هذه القضية فصولاً حين بادر سمير طوق الى إطلاق عريضة وقّعها مئات أجراء الشركة لمطالبتها بتنفيذ مرسوم زيادة الأجور الصادر في أواخر كانون الثاني 2012، فاتُّخذت تدابير تمييزية ضده انتهت الى إنهاء عقد عمله. وتوالت مع تقديم 12 أجيراً طلب تأسيس نقابة لدى وزارة العمل. وبعد ضغوط عدة للشركة لثني هؤلاء عن المضي في ذلك، بدت وكأنها وضعتهم أمام المعادلة الآتية: إما الاستقالة من الهيئة التأسيسية للنقابة وتالياً التراجع عن ممارسة الحرية النقابية، وإما تحمل مجموعة من التدابير التمييزية بخصوص الدوام أو النقل الى فروع بعيدة عن أماكن سكنهم أو تعيينهم للعمل في وظائف أدنى من وظائفهم السابقة. وإثباتاً لهذه المعادلة، عمدت الشركة وفق ما جاء في الدعوى المباشرة الى صرف عدد من الأجراء ممن رفضوا الاستقالة من النقابة، فيما قدم سائر أعضاء الهيئة التأسيسية استقالاتهم منها بموجب كتب نموذجية من تنظيم الإدارة. كما تقدم عشرات طالبي الانتساب الى النقابة بطلبات لسحب طلباتهم وفق نماذج معدة مسبقاً وفي تواريخ متقاربة.

والواقع أن أهمية هذه الدعوى الأولى من نوعها تكمن في أنها تشكل، في حال قبولها، مدخلاً هاماً لتحقيق مزيد من التوازن في العلاقة القائمة بين أصحاب العمل والأجراء. ففي هذه الحالة، تصبح المادة 329 عقوبات سلاحاً حقيقياً بيد الأجراء لردع أصحاب العمل عن القيام بإجراءات من شأنها الاعتداء على حقوقهم أو حرياتهم المدنية من جهة، وتالياً لتجريد هؤلاء من إمكانية اتخاذ أي إجراء يكون هدفه ليس تنظيم عمل المؤسسة التي يديرونها بل منع أجرائها من ممارسة حقوقهم وحرياتهم المدنية. فعند توافر شروط هذه المادة، لا تعد التدابير المذكورة تعسفاً يرتكبه صاحب العمل في استعمال "حقه" بحيث يقتصر حق الأجير بالحصول على تعويضات غالباً ما تكون زهيدة نسبياً، بل جرماً جزائياً نتيجته الطبيعية هي إبطاله كأن يعاد الأجير الى عمله في حال صرفه. وتبعاً لذلك، يشكل تطبيق المادة 329 عقوبات مدخلاً هاماً لضمان الحقوق المدنية للعمال وفي مقدمها الحرية النقابية. كما من شأنها أن تشكل حماية لأجراء ربما يتعرّضون لابتزاز للتنازل عن حق ما أو عن حرية ما كشرط للبقاء في العمل كما قد يحصل في حالات التحرش. وإذ تستحق هذه القضية المتابعة، فهي تعكس مرة أخرى هامش القضاء ودوره الاجتماعي في تطوير القوانين في اتجاه ضمان مزيد من العدالة الاجتماعية.
 
نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية