بتاريخ 8/1/2014، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن طانيوس السغبيني حكماً بإدانة ثلاثة أشخاص، أحدهم عاملة أجنبية، بجرائم عدة أهمها جرم السرقة. وقد عمد القاضي، بعد تحديد عقوبة هذه الأخيرة، الى حسم الغرامة المحكوم بها "من فترة توقيفها بعد إخلاء سبيلها". وإذ ترشح هذه العبارة عن تناقض واضح لتحدثها عن فترة توقيف لاحق لإخلاء السبيل، أمكن تفسيرها في انتهاج الأمن العام ممارسة غير قانونية، مفادها إبقاء الأجانب المدعى عليهم محتجزين لديه رغم صدور قرارات بإخلاء سبيلهم، وذلك بناءً على تعليمات داخلية لديه. وأهمية هذا الحكم تكمن في أمرين:

الأول، أنه استعاد ما خلصت اليه مجموعة من القرارات القضائية لجهة عد الاحتجاز لدى الأمن العام غير قانوني. فهذا التوقيف "يتعارض مع مفهوم هذا التوقيف (أي التوقيف الاحتياطي) وغايته واستثنائيته تأتي خارج إطار الأصول الجزائية المطبقة في إطار الملف الراهن وبإشراف قضائي ودون ثبوت صدور قرار إداري بحصول توقيف آخر". وهو بالنتيجة "واقعة غير مشروعة وخارج الأصول القضائية".

الثاني، أنه قرر أن يلحظ في ترويسته توقيف العاملة لدى الأمن العام بعد قرار إخلاء سبيلها، مع حسم الغرامة من مدة هذا التوقيف على الرغم من عدم مشروعيته. وهو بذلك تميز عن الأحكام القضائية الأخرى التي غالباً ما تتجاهل حصول هذا التوقيف وبأحسن الأحوال تتعامل معه على أنه واقعة ليس لها أي تأثير على المجريات القضائية. ولتبرير ذلك، أورد القاضي مجموعة من النصوص (415 و406 من قانون أصول المحاكمات الجزائية) التي تبرر في نصها أخذ مدة التوقيف بعين الاعتبار، مذكراً بروحية المادة 407 من هذا القانون التي تقضي بحسم مدة التوقيف في قضية حكم فيها ببراءة الموقوف، وذلك من عقوبة حبس قُضي بها عليه في جريمة أخرى. فكأنه يستخرج من هذه النصوص أن ثمة مبدأً عاماً يقضي بإعطاء الموقوف حق استخدام أيام توقيفه من قبل أجهزة الدولة قضائياً أو من خارج القضاء، في الدعوى المحكوم بها أو في أي دعوى أخرى، في إطار تنفيذ العقوبة المحكوم عليه بها. وتجد هذه القراءة ما يعززها من خلال عطف هذه النصوص الى حقوق الإنسان والشرع الدولية التي تحكم، لا سيما قضايا التوقيف والسجون والمحاكمات والقضاء، فـ"لا يجوز.. عدم احتساب فترة التوقيف إن كانت واقعة غير مشروعة وخارج الأصول القضائية، من الغرامة المحكوم بها".

وبذلك، بدا الحكم وكأنه يسعى الى تفسير القانون على النحو الذي يحول دون وقوع ظلم مزدوج، بحيث تحتجز العاملة من جهة تعسفاً لدى الأمن العام من دون أن تحسم فترة احتجازها من مدة عقوبتها.

الثالث، أنه بعدما حُكم بوجوب إطلاق سراح العاملة على أساس أنها نفذت العقوبة المحكوم بها كاملة، تحسب إزاء امتناع الأمن العام مرة أخرى عن تنفيذ حكمه، فأضاف بعد عبارة "وجوب إطلاق سراحها فورا" عبارة "وإلا الإحالة لجانب النيابة العامة التمييزية لإجراء المقتضى". فكأنه بذلك يذكر ببلاغة شديدة الأمن العام بوجوب تنفيذ أحكام القضاء[1] تحت طائلة الملاحقة الجزائية.

  نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]سارة ونسى، قاض لبناني يذكّر أحد ضباط الأمن العام بالبديهيات في مؤتمر دولي: "انت عليك أن تنفذ أحكامي"، منشور على موقع المفكرة القانونية في 15/1/2014.