مع انعقاد الجلسة الأولى للمحكمة الخاصة بمحاكمة قتلة رفيق الحريري، ثمة حاجة دون ريب للتوقف والتساؤل عن الفوائد التي قد تتحصل عنها على الصعيدين الحقوقي والقضائي، ولا سيما في ظل الاستثمار المالي الباهظ لتشغيلها. وأكثر التساؤلات إلحاحاً في هذا المجال، هي الآتية:
التساؤل الأول، ما هي القيمة العليا التي تكرست أو تعززت من خلال إنشاء هذه المحكمة؟ ويبلغ هذا التساؤل مداه عند التدقيق في اختصاص المحكمة. فبخلاف جميع المحاكم الدولية التي استمدت مشروعيتها من خطورة الجرائم المناط بها محاكمتها كالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ينحصر اختصاص هذه المحكمة بمحاكمة قتلة زعيم سياسي، مع إمكانية توسيع اختصاصها ليشمل الجرائم التي لديها الأهمية والخطورة نفساهما ضمن فترة زمنية محددة، ومن دون تعريف لماهية هذه الخطورة. ويظهر هذا الأمر أن القيمة العليا التي بررت قيام هذه المحاكمة، ليست "الإنسان" كمفهوم حقوقي كما نستشف من الجرائم ضد الإنسانية مثلاً، بل "الزعيم". ومن هذه الزاوية، شكل إنشاء المحكمة رسالة دولية احتفالية، على أهمية الزعامات في لبنان وعلى خطورة الاعتداء عليها؛ وهي رسالة تلتقي في عمقها وبما يعكس تناقضاً ظاهراً مع قانون العفو 1991 الذي أعقب الحرب اللبنانية 1975-1990، بحيث إنه أعفى جميع الجرائم السياسية ما عدا الجرائم المرتكبة ضد القادة السياسيين، على أساس أن هؤلاء هم رموز وطنية وأن الجرائم المرتكبة ضدهم تشكل جرائم لا تُغتفر[1]. وبذلك بدا المشرّع وكأنه يعلن أن الدرس الوحيد الذي تعلمه اللبنانيون من أهوال هذه الحرب وفظائعها هو وجوب تقديس الزعماء بما يمثلونه من قوة ورهبة، معلناً بذلك ضمناً إرساء نظام الحكم المبني على كاريسما القادة وفق تصنيفات فيبر[2]. وبالطبع، يتأكد وصف الحكم على هذا الوجه في مجمل المنظومة القانونية اللبنانية في جمهورية ما بعد الطائف، من خلال مجموعة من القوانين والممارسات، والتي لا مجال لتعدادها في هذا المجال[3]. وبهذا المعنى، تفتح المحاكمة تماماً كقانون العفو، بما تكرّسه من قيم، الباب أمام جميع أشكال المظالم والإفلات من العقاب.

وبالطبع، لهذا الأمر انعكاسات هامة على كيفية تعاطي الرأي العام اللبناني مع المحكمة، ولا سيما بعد اتهام أشخاص ينتمون الى طائفة وحزب يقودهما زعيم آخر. فأي ذاكرة جماعية عساها تنتج من محكمة، يتجابه فيها شبح زعيمين لطائفتين كبريين متصارعتين، أحدهما مجني عليه والآخر متهم؟  وألا يخشى في ظل كل ذلك أن يغرق عمل المحكمة، مهما كان مهنياً ودقيقاً، في غياهب العصبية، فيصبح تأييدها أو رفضها وقفاً لمواقف طائفية جاهزة وغير قابلة لأي نقاش أو تعديل، وتصبح هي، من حيث شاءت أو لم تشأ، مناسبة ممتازة لترسيخ الانقسام الطائفي وتأجيجه، بدل أن تكون مناسبة لاستكشاف خطاب توحيدي وقيم مشتركة للمستقبل، كما كان يمكن أن تكون عليه الحال لو كانت المحكمة قد بُنيت على أسس مختلفة؟
أما التساؤل الثاني، والذي لا يقل أهمية عن الأول، فمفاده: "الى أي مدى نجحت المحكمة في تشكيل نموذج يحتذى أو رافعة لنظام العدالة في لبنان؟". وبكلام آخر، "الى أي مدى نجحت المحكمة من خلال أدائها في تطوير مفاهيم المحاكمة العادلة في لبنان ممارسة أو في النصوص؟". وما يزيد من وجاهة هذا التساؤل، الأمور الآتية:

أولاً، أن إنشاء المحكمة لم يترافق أو يشكل مناسبة لأي مشروع إصلاحي للقضاء اللبناني، سواء لدعم استقلاليته أو تعزيز فعاليته، من أي نوع كان، ليس فقط على الصعيدين التنظيمي أو التشريعي، بل أيضاً على صعيد التخاطب العام، حتى لدى أكثر المؤيدين لها. فكأنما العدالة المطلوبة هي بأحسن الأحوال عدالة في قضية واحدة منعزلة، بإمكانها التعايش مع اللاعدالة السائدة في كل مكان.

وثانياً، أن دورها البيداغوجي يبقى حتى اللحظة معدوماً ومهمّشاً. وخير معبّر عن ذلك هو كيفية تعامل السلطات العامة اللبنانية والإعلام مع تداعيات القرار الصادر عن المحكمة الخاصة بالإفراج عن الضباط الأربعة المشتبه فيهم بقتل الحريري والذي بيّن جلياً حصول توقيفهم لما يقارب الأربع سنوات من دون أي دليل جدي. فقد بقي القاضيان (وهما النائب العام التمييزي السابق سعيد ميرزا وقاضي التحقيق العدلي صقر صقر) الأكثر تورطاً في احتجاز هؤلاء في منصبيهما بل تم ترقية أحدهما ليصبح مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، بعدما عمد مجلس القضاء الأعلى الى تبرئتهما بحجة أن المشكلة ليست في قرارات القضاة بل في النص القانوني الذي يتيح الاحتجاز الاحتياطي المفتوح. وإذ حاولت الحكومة تصحيح الأمر من خلال تعديل المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية في اتجاه وضع سقف زمني (سنة) للتوقيف الاحتياطي في جميع الجنايات بعد إلغاء جميع الاستثناءات الواردة فيها، انتهى البرلمان الى تعديل هذه المادة في اتجاه معاكس تماماً، مع إضافة استثناء جديد في ما يخص جنايات الإرهاب.

أما التساؤل الثالث، وهو الأكثر إلحاحاً في الظروف الحاضرة، فمفاده: ماذا بقي من طموحات هذه المحكمة على صعيد قيم العدالة ومنع الإفلات من العقاب في ظل الكم الهائل من القتل والتدمير والتهجير في لبنان والدول المحيطة؟ ماذا بقي من هذه الطموحات في ظل تفاقم سجل الجرائم، ومنها جرائم أكثر خطورة وفق معايير القانون الدولي، والتي لم تلق ويعتقد أنها لن تلقى أي محاكمة؟ وأليس من شأن تفاقم هذه الوقائع أن يولّد شعوراً متزايداً لدى الرأي العام بانتقائية المحكمة، أو على الأقل بعدم تناسب الاستثمارات الطائلة فيها بالمقارنة مع تداعيات المرحلة وتحدياتها، وبأية حال الى إظهارها إظهاراً متزايداً وكأنها باتت منعزلة تماماً عن الواقع المحيط بها والذي بات أشبه بمصنع يومي للجرائم؟ فكأنما فعل العدالة المرتقب إنجازه فيها، على أهميته بالنسبة الى ذوي الضحايا أو من الناحية العصبية، أصبح، على الصعيد الاجتماعي، يوماً بعد يوم، خارج الموضوع.

نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية 

الصورة منقولة عن موقع الصورة منقولة عن موقع Lebanese Tweets


[1]نزار صاغية، ذاكرة الحرب في النظام القانوني اللبناني، في: ذاكرة للغد، دار النهار، 2002.
[2]المرجع نفسه.        
[3]نزار صاغية، أبعد من الطائفية: لمن ينبض قلب المدينة؟ محاضرة في أعمال داخلية (أشكال ألوان)، 25/4/2010.