شهد لبنان ثلاث استراتيجيات قضائية في التعاطي مع الإعلام، من المفيد أن نستعرضها من باب ضبط تعدديتها والتحول الحاصل بشأنها. الاستراتيجية الأولى، تتمثل في إنكار حق الإعلام بالتعرض للقضاء على نحو قد يؤدي الى المس بكرامة القضاة أو زعزعة الثقة بالقضاء، وذلك تحت مسميات عدة، منها هيبة القضاء ومراعاة عدم إمكانية القضاة في الدفاع عن أنفسهم بفعل موجب التحفظ. وقد شهدت هذه الاستراتيجية في بعض الأحيان ارتفاعاً في وطيسها (1998 و2008) بلغ أحياناً (2008) حد نكران مبدأ المحاكمة العادلة وقرينة البراءة من خلال المطالبة بفتح الباب أمام التوقيف الاحتياطي الفوري لكل من يتعرض للقضاء. أما الاستراتيجية الثانية (2012)، فهي تتمثل بالسعي الى تنظيم ميثاق شرف أو وضع آليات تفاهم بين ممثلين عن الإعلام (رؤساء هيئات إعلامية رسمية ومدراء تحرير) وبعض كبار القضاة (وعلى رأسهم النائب العام التمييزي). وهي استراتيجية غامضة مبنية على الشخصانية والمجاملة بالدرجة الأولى حسب ما نستشف من الشهادات التي ضُبطت عن طبيعة الأحاديث الجارية آنذاك ويفهم منها وجود تفاهم على عدم تجاوز خطوط حمراء معينة وعلى كيفية حل الإشكالات التي قد تنشأ بين الجسمين المهنيين. أما الاستراتيجية  الثالثة (2013 ..)، فهي تهدف مبدئياً الى التعامل إيجاباً مع الحرية الإعلامية من خلال تنظيم حق الرد، وهي تتمثل في إنشاء مكتب إعلامي لمجلس القضاء الأعلى يتولى النطق باسم القضاء والقضاة. إلا أنه على الرغم من أن إنشاء المكتب قد حصل انطلاقاً من مبدأ الشفافية ومن حق الإعلام بالتداول في الشؤون القضائية ومن حق المواطن في الاطلاع على هذه الشؤون، فإن درس بيانات المكتب تعكس أحياناً حنيناً للمنطق السابق الآيل الى إنكار الحرية الإعلامية بهذا الشأن (نزار صاغية وبيرلا شويري، المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى من خلال بياناته، المفكرة عدد 14، شباط 2014). ويؤمل طبعاً أن ينجح المكتب الإعلامي في تطوير ذاته مع تزايد خبرته. وفيما نشرت المفكرة تحليلاً للاستراتيجية الثالثة في عددها 14، فإنها تستعيد هنا أبرز جوانب الاستراتجيتين الأولى والثانية (المحرر).
 
نشر في العدد الخامس عشر من مجلة المفكرة القانونية