لا تتذكر وسائل الاعلام ومعها الدولة اللبنانية ضواحي العاصمة وأحياءها الفقيرة إلا عند حدوث إشكال بين سكان المنطقة يصلح كمادة دسمة لسبق صحفي. وهذا ما حصل خلال نهاية الاسبوع الفائت في أحد أحياء برج حمود. تعارك بعض الشبان في ما بينهم، بعد ان قام شاب "بتلطيش" خطيبة شاب آخر، تطور العراك، الى حد قيام أحدهم برمي "جرة غاز" من شرفة منزله، على أحد الاشخاص المتواجدين في الشارع. وقد حصل ذلك على مرأى من عناصر قوى الامن الداخلي التي يظهر شريط مسجل للحادث انها لم تبذل أي جهد لكبح العراك الدائر. تصدّر هذا الخبر الشاشات اللبنانية، التي زاد حماسها ما إن علمت أن بعض من شاركوا في العراك هم شباب من اصل كردي . فاكتملت الحبكة! هم "الغرباء" اذاً، ومجدداً، والتي سبقت وحذرت من شرّهم محطة ال “MTV”في تحقيق عرضته على شاشاتها خلال عام 2011 تحت عنوان "بيروت الشرقية في خطر". اليوم، وبعد ثلاثة أعوام على التقرير، يبدو أن ما حذر منه هذا التحقيق لا يزال قائما، فنقرأ مثلاً عنوان تحقيق أجرته "المؤسسة اللبنانية للارسال" بعد الاشكال الذي وقع في نهاية الاسبوع الفائت، "أهالي برج حمود يطالبون بفرض الامن وحمايتهم من الاكراد"، كما ذهب  "الاعلامي" طوني خليفة في برنامجه الفضائحي "للنشر" في وصف فئة واسعة من المجتمع اللبناني ومن سكان منطقة برج حمود بمصطلح "هول الاكراد" أكثر من مرة.

وعليه، قرّرت بلدية برج حمود أن تتمثل  بغيرها من البلديات[1]، فارضة عقابا جماعيا على جميع المواطنين السوريين القاطنين – أو العابرين- في المنطقة، فانتشرت منذ صباح اليوم التالي يافطاتٌ عُلّقت في شوارع المدينة تعلن عن قرار البلدية بحظر تجول المواطنين السوريين بعد الساعة الثامنة مساء على ان يسري الحظر لغاية الساعة السادسة صباحاً. منطق أمني بامتياز، منطق يهدف الى فرض عقاب، لا الى ايجاد حل لما قد يحصل من مشاكل اجتماعية.

 وتجدر الإشارة الى أن القرار المُتخذ من البلدية، هو قرار مخالف للقانون، يخرج عن صلاحيات البلديات، اذ تعود صلاحيات اتخاذ قرارات مماثلة للسلطات العسكرية العلياحصراً وذلك في "حال اعلان حالة الطوارئ" أو تصنيف "المنطقة العسكرية".هذا فضلا عن أن طابعه القمعي يتعارض مع المواثيق الدولية التي تكفل حرية التنقل[2] لجميع السكان، بغض النظر عن جنسيتهم، وتمنع التمييز فيما بينهم.

وإزاء ذلك، تطرح أسئلة عدة: كيف نجح القائمون على البلديات على تسويق  قرار مماثل،  كأنه وصفة سحرية لمعالجة أي احتكاك سلبي أو احتمال احتكاك سلبي  بين الوافدين من سورية وأبناء البلدية؟ وكيف تنوي البلدية تطبيقه أصلا؟ فهل ستقوم بتوقيف كل مواطن سوري يتجول بعد الساعة الثامنة مساء؟ كيف سيعود العمال والطلاب السوريون الذين يخضعون لدوام ليلي الى منازلهم؟ ماذا لو تعرض أحد الاشخاص لعارض صحي اضطره ان يذهب الى المستشفى او الى شراء دواء؟ الى متى سوف تظل السلطة تستخدم الفئة الاضعف، اي اللاجئين والعمال المهاجرين، ككبش محرقة، لتبرير فشلها على أكثر من صعيد؟ وأخيرا: سؤال برسم وزير الداخلية الجديد:  هل سيتدخل لالغاء هذا القرار كونه غير قانوني أم يلزم الصمت على غرار سلفه؟  
 
الصورة منقولة عن موقع فايسبوك من صفحة Anti-Racism Movement

[1]كريم نمور, "يحظر تجول الأجانب* (*يفهم بكلمة "أجانب" السوريون والأثيوبيون والسيريلنكيون وعموما كل الدول المصدرة للعمال), العدد الثامن من المفكرة القانونية, آذار 2013
[2] تنص المادة 12 من العهد لدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية : 1. لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته.2. لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده.  3. لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وتكون متمشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد. 4. لا يجوز حرمان أحد، تعسفا، من حق الدخول إلى بلده.