قصة المفكرة القانونية مع رصد أعمال القضاء الذي يشكل أحد أهم أسباب وجودها طويلة. فمنذ قيامها، أعلنت المفكرة أن هدفها الأساسي هو أن تخصص للشؤون القضائية، وتالياً لقضايا الناس المطروحة أمام القضاء، حيزاً أكبر في المساحات العامة. والنجاح في ذلك يفترض أمرين: إعادة الاعتبار لقضايا المواطنين مع تحويل قضاياهم محوراً للاهتمام العام من جهة، وإعادة الاعتبار للقضاء كمرجع للمواطن الذي يعاني من غبن وكمسرح للقضايا الاجتماعية من جهة ثانية. وبالطبع، عمل مماثل ليس تبشيرياً ولا توعوياً، بل هو بالدرجة الأولى عمل بحثي وميداني كما تشهد على ذلك أعمال المفكرة التي تتخذ دوماً من الواقع منطلقاً لها. كما أنه ليس عملاً تقنياً محضاً ذا رؤية مجتزأة، بل هو عمل سياسي ذو رؤية وطنية بامتياز، ما دام اجتماع هذه الأمور يؤدي الى تعزيز المواطنة والديمقراطية وفصل السلطات. ومن أجل تحقيق ذلك، بذلت المفكرة جهوداً كبيرة منذ تأسيسها لتطوير عملها ومواردها، فاستحدثت وسائل إعلامية خاصة بها (مجلة أصبحت شهرية وموقعاً إلكترونياً)، وقد سمحت هذه الوسائل بتعزيز المعرفة بالتطبيق الفعلي للقانون من دون الاكتفاء بنصوصه التي قد تبقى من دون مفعول أو بمفاعيل محدودة وأيضاً في إزاحة اللثام عن إشكاليات أساسية في تنظيم القضاء تؤدي الى تدجين القضاة تحت غطاء إصلاحه. كما سمحت هذه الوسائل في فضح العديد من ممارسات القوة التي تتخذ من القضاء والنيابات العامة والضابطة العدلية وسائل للتخويف ولفرض التسليم بالظلم. وتسعى المفكرة اليوم مع شركائها (اتحاد المقعدين اللبنانيين وجمعية سكون) الى مأسسة هذه الجهود وتطويرها من خلال إنشاء المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته.
وقد بدا واضحاً للمفكرة منذ نشوئها أن أهدافها المشار اليها أعلاه (إعادة الاعتبار للمواطن وللقضاء) لا تتحقق من خلال تحفيز الإعلام على تعزيز متابعته للشؤون القضائية وحسب. فنجاحها يتطلب الى جانب ذلك أمرين آخرين: تحفيز المواطن على اللجوء الى القضاء للمطالبة بحق بدل الالتجاء الى الزعامات السياسية، وفي الوقت نفسه تحفيز القضاة على التمسك باستقلاليتهم وعلى الاجتهاد منعاً لتمادي الغبن. وعليه، يصبح المرصد أداة تعمل على ثلاثة أنواع من التحفيز، كلها مترابطة في ما بينها. فبقدر ما يتعزز الاهتمام الإعلامي بالقضاء، بقدر ما يتعزز استعداد المواطن لاعتماد القضاء كمرجعية له واستعداد القاضي للتمسك والدفاع عن استقلاليته والاجتهاد. وبإمكاننا قول الشيء نفسه بشأن تأثيرات نجاح المحفزين الآخرين. وبالطبع، يبقى دور المحامي هنا أساسياً من خلال كونه الوسيط الإلزامي بين المتقاضي والقاضي، فضلاً عن كونه المساهم الأساسي في إلباس القضايا الاجتماعية لباسها الحقوقي. ومن هذه الزاوية، يكون من الخطأ اعتبار المرصد مجرد آلة لالتقاط صور القضاء الراهنة وبثها، بل إنه يجهد في تحديد أولوياته ومقارباته، على التقاط وبث صور ذات دينامية اجتماعية عالية. فتكون الصورة أشبه بالبحصة التي تتكوّن بفعلها دوائر كثيرة حولها، دوائر تستثير بدورها دوائر أوسع في اتجاه استحداث تغيير جوهري في بيئة العمل القضائي وتبعاً لذلك في الانعكاسات الاجتماعية لهذا العمل.  

ومن الطبيعي انطلاقاً من ذلك أن يجابه المرصد ممانعة من قبل القوى التي ترتبط عضوياً بالنظام الحالي، فتبادر الى استعداء المفكرة والعاملين فيها أو مخاصمتها بسبب نقد من هنا أو من هنالك أو كلمة بالزائد وكلمة بالناقص. وللدقة والموضوعية، وإذا أحسنّا الظن، قد يكون استعداء المفكرة أو مخاصمتها ناتجاً ليس فقط من تعارض في المصالح، بل أيضاً في أحيان كثيرة عن سوء فهم عميق لأهدافها، بحيث استسهل أحد كبار القضاة القول بأن المفكرة تهدف الى تهديم القضاء، علماً أنها تهدف بداهة الى عكس ذلك تماماً، فيما استسهل أحد كبار المحامين نعت العاملين بها بالخوارج على أساس الاختلاف الحاصل في تفسير عدد من المفاهيم. كما قد يكون هذا الاستعداء أو المخاصمة ناتجاً مما يفرضه المرصد من توجهات مخالفة لعدد من التقاليد المهنية الموروثة أو على الأقل لفهم هؤلاء لهذه التقاليد. ومن أبرز هذه التقاليد، حصر وظيفة القاضي بخدمة القانون، وإخضاعه لموجب التحفظ والصمت، مع ما يستتبع ذلك من إنكار حريته بالتعبير والتجمع، وتالياً حرمانه من ضمانات أساسية لاستقلاليته وفق مبادئ استقلال القضاء المقررة في الأمم المتحدة. ومن التقاليد الأخرى التي تختلف فيها المفكرة مع نقابة المحامين في بيروت هو منع المحامين من الحديث في قضايا قضائية متصلة بحقوق الإنسان والشأن العام قبل صدور أحكام نهائية بشأنها، وهو منع يحد أحياناً من قدرة المحامين في نصرة الحقوق الاجتماعية، غالباً في مواجهة قوى جد نافذة، فضلاً عن كونه منعاً يحد من شفافية العمل القضائي التي باتت شرطاً أساسياً لإصلاحه. والمشكلة لا تكمن هنا بالاختلاف بوجهات النظر، بل بتحويل هذا الاختلاف أحياناً الى ذريعة للاستعداء وربما الى مدخل لأعمال القمع، وهذا ما نأسف له ونسعى الى تغييره بالحوار والانفتاح وتراكم التجارب. وبالمقابل، تسجل المفكرة بارتياح عوامل مساعدة عدة، أبرزها إنشاء مكتب إعلامي داخل مجلس القضاء الأعلى ضماناً للشفافية، ما يشكل نظرياً تطوراً ملحوظاً بالمقارنة مع الاستراتيجيات القضائية السابقة في التعاطي مع الإعلام، وإن ما زال هذا التطور بعيداً عن مقتضيات الشفافية. كما تسجل بارتياح تنامي الحراك الديمقراطي داخل جسمي القضاة والمحامين، وخصوصاً بين الشباب منهم، في مواجهة الهرمية التي غالباً ما كانت الضابط الأساسي للتعتيم والتدجين والصمت.   
وعملياً، سيرتكز عمل المرصد على أمرين اثنين:

الأول، مراقبة عمل المحاكم وذلك من خلال الأحكام الصادرة عنها ولكن أيضاً من خلال مشاهدات حسية لجلسات المحاكمة. ويعتمد المرصد في هذا المجال على مبادرة العاملين فيه ولكن أيضاً على مبادرة العاملين في المجال القضائي والمتقاضين في لفت انتباهه الى قضايا أو ممارسات معينة. كما سيضع المرصد لهذه الغاية خطة جغرافية لتغطية المحاكم كافة، فضلاً عن إعطاء الأولوية للقضايا الأكثر اتصالاً بالفئات الأكثر عرضة للاستغلال والغبن. وهي تعلن منذ الآن اهتماماً خاصاً في كشف اللثام عن أي تدخل في أعمال القضاء، إيماناً منها بأن ذلك يشكل مدخلاً أساسياً لضمان استقلال القضاء ووقف الممارسات الحاصلة حالياً بشكل واسع، وأحياناً بمباركة كبار القضاة. وتجدر الإشارة هنا الى أنه رغم أن التدخل في القضاء جرم، فإن النيابات العامة تمتنع عن مباشرة أي ملاحقة بشأنه، فيما يتعامل معه كثيرون من القضاة والمحامين والمتقاضين على أنه أمر عادي.

الثاني، رصد الإشكاليات المتصلة بالتنظيم القضائي وبالسياسات العامة المعتمدة في هذا المجال. فما هي السياسات المعتمدة لتعزيز استقلال القضاء وشفافيته؟ وما هي السياسات المعتمدة في مجال أصول المحاكمات والمعونة القضائية لضمان شروط المحاكمة العادلة؟ وما هي السياسات المعتمدة على صعيد تنظيم مهنة المحاماة على نحو يمكّن المحامين من أداء مهامهم أداءً مناسباً ومستقلاً؟ ... الخ. ويبقى بالطبع نجاح المرصد وقفاً على تعاون العاملين في قصور العدل والمتقاضين معه، وهي تفتح تالياً ذراعيها لكل مهتم في هذا المجال.

بقي أن نذكر أن هذا المرصد سيشكل حال إنشائه ثالث مرصد عربي يهدف الى دعم استقلال القضاء وشفافيته، وذلك بعد المرصدين التونسي والمغربي لاستقلال القضاء. وهو يرى نفسه من هذه الزاوية جزءاً من شبكة إقليمية تلتقي في مقاربة إصلاح القضاء على أنه أولوية اجتماعية وجزء أساسي من أي إصلاح حقيقي ودائم. 

  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

نشر في العدد السابع عشر من مجلة المفكرة القانونية