المفكرة القانونية تنشر في هذا العدد نسخة موجزة عن المرافعة النموذجية التي اعتمدتها جمعية سكون[1] بواسطة وكلائها دفاعاً عن أشخاص مدمنين مدعى عليهم أمام محكمة لبنانية لاستهلاك المادة المخدرة. ويهم المفكرة القانونية أن تصبح هذه المرافعة النموذجية في متناول كل معني بقضايا الإدمان على المخدرات، وخصوصاً في يد كل قاض ومحام، بهدف تعميم إقرار مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب" في جميع القضايا المتعلقة بهذا الشأن. وللتذكير، يلاحق حوالي 2000 شخص سنوياً في لبنان على خلفية استعمال المخدرات، تنتهي ملاحقتهم الى توقيفهم وإثقال سجلات العدلية بـ"جرم استعمال المخدر" مع ما يستتبع ذلك من تضييق في مجالات العمل والتهجير. وللاطلاع على النسخة الكاملة من المرافعة النموذجية هذه، يرُجى مراجعة موقع المفكرة القانونية الإلكتروني: legal-agenda.com(المحرر).
 
 
توطئة:
نقولها بداية: بخلاف مجمل الأشخاص الذين يمثلون أمام هذه المحكمة، الشخص الذي يمثل أمامكم اليوم ليس هنا لأنه ارتكب فعلاً معاقباً عليه، بل هو يلاحق من دون نص وعلى خلفية أفعال تتحمل مسؤوليتها السلطات العامة بالكامل، ما يفرض إنهاء التعقبات بحقه فوراً للأسباب الواقعية والقانونية والاجتماعية التي سنسهب في تبيانها على طول هذه المرافعة. فالقانون رقم 673المتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف (قانون المخدرات) والصادر في 1998 أقر صراحة مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب" وفرض تالياً وقف ملاحقة المدمن مؤقتاً وإحالته الى مركز مجاني للعلاج فور إعلان استعداده لذلك، على أن يتم وقف ملاحقته نهائياً في حال مثابرته على العلاج ونجاحه فيه.
 
وقد تجلى ذلك بوضوح في المادة 127 منه التي اشترطت توافر ركنين ماديين للملاحقة:

-        الأول، استهلاك المادة المخدرة أو حيازتها بقصد استهلاكها؛

-        والثاني، رفض الإذعان لإجراءات العلاج المنصوص عليها في القانون.
 
وعلى ضوء هذا النص، يصبح من المشروع التساؤل عن أسباب استمرار ملاحقة المدعى عليه أمامكم، رغم أنه عطل الركن الثاني للنص مع إعلان التزامه الواضح بالخضوع لإجراءات العلاج؟ بل لماذا تم توقيفه لأيام طوال ولا يزال ماثلاً هنا يحاكم مثله مثل أي مدعى عليه آخر بارتكاب جرم، رغم تعهده بالخضوع لإجراءات العلاج، وخلافاً لما نص عليه القرار التاريخي الصادر عن محكمة التمييز اللبنانية في 03/10/2013[2]؟ وألا يشكل كل ذلك خروجاً قضائياً واسعاً عن نص القانون وخرقاً لمبدأ أساسي في العدالة الجزائية قوامه أن لا عقوبة من دون نص؟ وما الذي قاد بالنتيجة القضاء طوال هذه السنوات لانتهاج مسلك يخرج تماماً عن تقاليده المتمثلة في التقيد بإرادة المشرّع[3]؟
 
إن ذلك يعود برأينا لأسباب ثلاثة:

-        الأول وهو واقعي، ومفاده أن سلطات الدولة تقاعست عن تنفيذ القانون وتقاعست عن إيجاد مراكز علاج مجاني لما يزيد عن 15 سنة، وهو أمر شكل بالواقع اعتداءً مزمناً على حقوق المدمن، وإن بدأ بالتغير مؤخراً مع فتح إمكانية العلاج (وإن لم يكن مجانياً) في مستشفيات حكومية (ضهر الباشق)[...]؛

-        والثاني، وهو رسوخ الموقف المسبق إزاء الفئات المهمشة، ومنها الأشخاص المدمنون في الذهنية العامة والذي يؤدي الى الإدانة الاجتماعية لهؤلاء، غالباً ما تنعكس في أعمال القضاء، في اتجاه إهمال حججهم ودفوعهم أو مجمل العوامل التي من شأنها إلغاء مسؤولياتهم الجزائية أو تخفيفها وعملياً في اتجاه استسهال إدانتهم ولو ترافق الأمر مع تحوير في النص القانوني [...]؛

-        والثالث، وهو الأخطر، وقد نشأ نتيجة غياب الخيار "التشريعي" المشار اليه أعلاه. فبدل تحميل السلطات العامة مسؤولية الامتناع عن ضمان العلاج المجاني أو البحث عن آليات بديلة أكثر انسجاماً مع روحية قانون المخدرات، ارتدّ القضاة في غالبيتهم العظمى، مع استثناءات قليلة، الى مواقفهم التقليدية المتمثلة في الإدانة والمعاقبة [...].
 
هذه هي الأسباب التي تبرر مثول المدعى عليه أمامكم... وهذه هي أبعاد قضية الإدمان ومسبباتها التي تجعل منها حالة فريدة من الملاحقات الجزائية، وتجعل من استمرارها انتهاكاً لثلاث ركائز أساسية للدعوى الجزائية:

-        الأولى أن المدعى عليه يلاحق من دون نص ما دام يُلاحق لتوافر أحد عنصري الملاحقة دون الثاني الذي هو رفض العلاج؛

-        الثانية أنه يحمّل مسؤولية جزائية ليس لفعل ارتكبه ضد الحق العام، بل لأن السلطات العامة تقاعست عن إقرار حقه بالعلاج؛

-        والثالثة، وهذا هو البعد الأكثر غرابة، أنه يلاحق على خلفية أعمال ليس فقط صادرة عن سواه، بل تشكل في عمقها اعتداءً عليه. وهذا ما يضعنا ويضع محكمتكم أمام وضع هو في منتهى الغرابة والعبثية.
 
وقد آن للقضاء إذاً أن يتحرر من آرائه المسبقة، وأن ينتقل من المنطق العقابي التقليدي الذي يدين الشخص المدمن خلافاً للقانون الى المنطق العقلاني الدامج الذي يطبق القانون ويعطيه فرصة للعلاج من إدمانه بغية إعادة اندماجه في المجتمع. وهذا ما تهدف اليه هذه المرافعة مستندة بذلك ليس فقط الى أحكام القانون وتحديداً مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب" والى القرار التاريخي الصادر مؤخراً عن محكمة التمييز، بل خاصة الى المبادئ العامة ومجمل الخلفية الفكرية التي انبثق عنها والتي لا بد أن تسدد خطوات القضاء.
 
 
أولاً – في الخلفية الفكرية لمبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب": لهذه الأسباب، تجاوز العلم الجنائي المنطق العقابي:
إزاء غلبة المنطق العقابي، يجدر في بداية هذه المرافعة استعراض الخلفية الفكرية للقواعد التي ترعى هذه الدعوى، وتحديداً الخلفية الفكرية لتكريس مبدأ العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب، وهو المبدأ الذي شكل نموذجاً شديد البلاغة على تجاوز المنطق العقابي ونقضه في شؤون الإدمان. والواقع أن المشرّع اللبناني قد استلهم هذا المبدأ من نصوص أوروبية عدة كانت قد اعتمدته نتيجة اعتبارات وتأثيرات عدة أبرزها الآتية:
 
1-  تأثير مدرسة "النهج الجديد في حماية المجتمع": البحث عن التدبير الأكثر ملاءمة لحماية الفرد والمجتمع بعيداً عن ردود الفعل الغريزية القائمة على العقاب:
 
نشأت هذه المدرسة في فرنسا في أواسط الخمسينيات. ومن أبرز توجهاتها أنه يتعين على المجتمع الخروج من ردود الفعل الغريزية القائمة حكماً على العقاب واعتماد ردود فعل أكثر عقلانية وعدلاً وفاعلية لحماية قيمه ومصالحه. وهذا الأمر يفترض إذاً تغليب المقاربة الطبيّة في قضايا الإدمان على المواد المخدرة، على المقاربات الجزائية التي تبقى عقيمة وعاجزة عن تحرير المدمن من ارتهانه.
 
وما زاد تأثيرات هذه المدرسة قوة هو مجمل الإطار العام الذي يحكم قضايا الإدمان: فالحظر لا يطال إلا أنواعاً معينة من المخدر الممنوع دون الكحول أو السجائر أو العقاقير غير المصنفة، ما يجعل الملاحقة انتقائية بطبيعتها، وفي حال خلاف مع مبدأ المساواة أمام القانون. كما أن المؤشرات الإحصائية تثبت أن تعاطي المادة وازدياده بين الشباب إنما يعبّر عن مرض اجتماعي أكثر منه عن نشاط معاد للمجتمع.
 
ومن هذا المنطلق، بدا لأعيان هذه المدرسة أن حماية الإنسان والكيان المجتمعي بأكمله، تقتضي، ليس معاقبة الشخص المدمن، بل تحريره من ارتهانه وإعادة دمجه في مجتمع يتمتع أفراده بالحرية. وهكذا، فإن استعمال المخدر أو حيازته (وهو فعل حصل ماضياً) لا يشكل سبباً كافياً للمعاقبة، بل يفترض التثبت من واقعة أخرى وهي رفض المدمن الامتثال للعلاج أو الانقطاع عنه (وهو فعل يحصل حاضراً أو قد يحصل مستقبلاً). ومن هذا المنطلق، تُناط بالقاضي وظيفة مختلفة: فبدل أن يتحرى عن أفعال الماضي وصولاً الى إدانتها، عليه أن يؤدي دور المحاور الذي يسعى الى إقناع الشخص المدمن بالنظر الى المستقبل وبمدى ملاءمة العلاج الذي باستطاعته أن يحرره وأن يحقق خيره وخير مجتمعه. كما حمّل القانون الدولة مسؤوليّة ضمان علاج مجاني للمدمن، وكأنه يعلن أن العلاج لا يلبي فقط مصلحة المدمن بل أيضاً مصلحة المجتمع، فيسخّر ليس فقط سلطة المعاقبة كأداة ضغط عليه (عصا) ولكن أيضاً موارده كأداة لاحتضانه (جزرة)، كلذلك بهدف وضعه على سكة العلاج.
 
 
2-    لا مسؤولية جرمية عند انعدام الإرادة:
 
الى جانب ما تقدم، يجد مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب" دعامة أساسية في مبادئ القانون الجنائي، وتحديداً في مبدأ عدم جواز ملاحقة أي فعل في حال انعدام الإرادة الجرمية.
 
أفلا يشكل الإدمان على المخدر قوة قاهرة بالنسبة الى الشخص المدمن، بحيث يكون تعاطيها بالنسبة اليه أمراً حتمياً، ينقاد اليه تحت وطأة قوة قاهرة أو على الأقل قوة يصعب مقاومتها؟ وهل يعد في هذه الحالة مجرماً لانتهاكه محظوراً قانونياً أم مريضاً مرتهناً فاقداً بدرجة أو بأخرى للإرادة؟ وقد انعكست هذه الجدليّة في أكثر من مكان في الأعمال القضائية، ولا سيما في الأنظمة التي تتيح النظر في مدى دستورية القوانين كالولايات المتحدة الأميركية، حيث رأت المحكمة العليا الفيدرالية أن الارتهان يشكل قوة قاهرة تمنع المعاقبة، وأن لا سبيل للمدمن للتحرر من ارتهانه إلا بالعلاج.
 
وهذا ما يفسر الى حد بعيد الحل المعتمد: فالمبدأ هو أن الشخص المدمن مريض بسبب ارتهانه للمادة، لكنه يعاقب إذا ارتضى (وفقط إذا ارتضى) استمرار هذا الارتهان برفضه للعلاج، وأن العقاب يستخدم في الدول التي تبنت حكماً مماثلاً ليس لإدانة استعمال المادة المخدّرة (وهو فعل حصل في الماضي) بل للضغط على المدمن لإقناعه وحثّه على قبول العلاج والمثابرة عليه (وهو فعل يحصل حاضراً ومستقبلاً)، وفقاً لمنطق الجزرة والعصا: الجزرة هي العلاج الذي يتمناه الجميع والعصا هو احتمال المعاقبة الذي يأمل الجميع أن لا يتم اللجوء اليه أبداً، وفقط عند الضرورة. وبكلام آخر، المسؤولية الجرمية لا تطال فعل استعمال المخدر فهو معفى عملاً بمبادئ المسؤولية الجرمية، ولكنها تطال فعل الامتناع عن العلاج، وتحديداً فعل الاستمرار في الامتناع عن العلاج، ما دام القانون اللبناني فتح إمكانية اللجوء الى العلاج مع ما يرتبه من نتائج، ليس فقط في لحظة أو مرحلة معينة بل في مختلف الظروف والمراحل التي يتواجد فيها المدمن [...].
 
وبنتيجة ذلك، يظهر جلياً أن المشرّع بذل جهداً كبيراً لإيجاد إطار قانوني مناسب لحث الشخص المدمن على انتهاج سكة العلاج أو أيضاً لحث أهله على وضعه على هذه السكة: فهو يعطي المدمن الفرصة تلو الأخرى (وتالياً إعطاء القاضي الفرصة تلو الفرصة لإقناعه بذلك) للسير على هذه السكة. وبكلام آخر، المشرّع يدعو وينصح ويمنح ويشجع ويذلل العقبات ويحث ويضغط ويغري ويتفهم ويتسامح ويمنح الفرصة تلو الفرصة ويهدد باستعمال العصا، وإذا استعملت، فإنه يضع الإجراءات لمحو آثارها قدر الممكن... وببساطة يعلن موقفاً متقدماً مفعماً بالتسامح.
 
ومما سبق، يخرج بوضوح كلي بأن موقف المشرّع قد انبنى على أمرين متكاملين:

-        الأول، عدم ملاءمة اللجوء الى القانون الجزائي التقليدي (الكلاسيكي)، ما يبرر استخدام "العقوبة" كوسيلة للضغط على الشخص المدمن لوضعه على سكة العلاج من دون أي نية بإدانته؛

-        والثاني عدم جواز معاقبة الإدمان بحد ذاته عملاً بمبادئ المسؤولية الجزائية.
 
ووجود هذه الخلفية إنما يحتّم إعادة النظر بالاجتهاد السائد والذي يستمر في تطبيق العقوبة تقليدياً وتلقائياً على نحو يشكل خروجاً عن النص وعن المبادئ التي انبنى عليها على حد سواء.
 
ثانياً – في وجوب قبول الدفع الشكلي ووقف السير بالدعوى الراهنة وإحالة الشخص المدعى عليه الى لجنة مكافحة الإدمان سنداً للمادة 194 من قانون المخدرات معطوفة على المادة 73 من قانون أ.م.ج.:
 
كما سبق بيانه، تنص المادة 127على أن الإدمان بحد ذاته لا يبرر الملاحقة، بل يشترط أيضاً أن يرفض الشخص المدمن الإذعان لإجراءات العلاج المنصوص عليها في القانون.
 
ولما كان من الثابت أن الشخص المدعى عليه قد اعترف أثناء التحقيقات الأولية بأنه مدمن على المخدرات، وهو يكرر تعهده بالعلاج بموجب هذه المذكرة،
 
ومن الثابت أن المادة 194من قانون المخدرات تنص حرفياً على أن "للمدمن أثناء التحقيق والمحاكمة أن يطلب إخضاعه للعلاج فيقرر المرجع القضائي العالقة لديه القضية وقف السير بالإجراءات وإحالته أمام لجنة مكافحة الإدمان..."
 
ولما كانت لجنة مكافحة الإدمان قد باشرت عملها كما هو مثبت بالإفادة الصادرة عنها بتاريخ 8/5/2013،
 
يتعين تالياً وقف الملاحقة على أساس المادة 127 من قانون المخدرات معطوفة على المادة 194 من القانون نفسه، وإحالة الشخص المدعى عليه الى لجنة مكافحة الإدمان، ليصار الى متابعة علاجه وفق الإجراءات المنصوص عليها في قانون المخدرات، تمهيداً لوقف التعقبات بحقه سنداً للمادة 195 من القانون نفسه عند توافر شروطها[4].
 
نشر في العدد الثامن عشر من مجلة المفكرة القانونية
 

[1]وقد تم ذلك في اطار التعاون مع منظمة International Development Law Organization (IDLO).
[2]يراجع "محكمة التمييز تقر ’مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة‘: نهار جديد لآلاف الأشخاص المدمنين"، منشور على الموقع الالكتروني لمجلة "المفكرة القانونية"، بتاريخ 30/10/2013.
[3]نزار صاغية، "الشرطي والقاضي والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات"، بالتعاون مع جمعية "سكون" في كانون الأول 2011 بشأن الملاحقات القضائية المتعلقة بتعاطي المخدرات سنة 2010، منشورة على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[4]للاطلاع على الأحكام القضائية في هذا الصدد، يراجع كريم نمور، منشور في هذا العدد من المفكرة القانونية.