منذ العام 2011، بدأت حركة هجرة قسرية لعدد كبير من المواطنين السوريين نحو لبنان، حيث يتواجدون اليوم في ظل ظروفٍ معيشية بالغة الصعوبة وضعتهم في حالةٍ من القلق والخوف والعوَز.

إزاء ذلك، اعتمدت الدولة اللبنانية سياساتٍ غير متماسكة نحت تدريجياً نحو مزيدٍ من الضبابية والانتقائية. وفيما تركت الحكومة الحدود اللبنانية في المرحلة الأولى مفتوحةً أمام جميع المواطنين السوريين، ملتزمة صراحة بعدم ترحيل أي مواطنٍ سوري، تنكرت لحق اللجوء رافضة تمييز اللاجئ عن سواه أو حتى الاعتراف باللاجئ كلاجئ. وقد اعتمدت حصراً وصف "نازح" للدلالة إليه. بالتزامن مع ذلك، تركت الحكومة أمر تنظيم شؤون اللاجئين الإنسانية والاجتماعية للمنظمات الدولية والجمعيات والبلديات.

وفي العام 2014، اتجهت الحكومة اللبنانية نحو بلورة سياسة مركزية أدت إلى مزيدٍ من الغموض والإجحاف بحق المواطنين السوريين، منها اعتماد "ورقة سياسة النزوح السوري إلى لبنان"، التي تم فيها الإعلان عن وقف النزوح على الحدود ما عدا "الحالات الإنسانية الاستثنائية". وقد بلغت هذه السياسات ذروتها في آخر يوم من العام 2014 حين أعلن الأمن العام لائحة بالحالات التي يُسمح فيها للمواطنين السوريين الدخول إلى لبنان. وبذلك، قيّدت امكانية دخول لبنان رسمياً للمرة الأولى في تاريخه، ولم يسمح بدخول أي سوري بصفة "نازح" إلا في حالات استثنائية دون توضيحٍ لشروطها. وبذلك، أُغلق الباب أمام حالات اللجوء الاضطراري لتبقى الاستنسابية والانتقائية قائمتين.

إن هذه السياسات، التي تخالف القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية والمعاهدات الثنائية بين لبنان وسوريا، سيكون لها انعكاساتٌ أمنية واجتماعية وإنسانية بالغة التعقيدتقع أولاً على كاهل لبنان واللبنانيّين، وخصوصا أن أعداد المواطنين السوريين الموجودين في لبنان بات يناهز حسب التقديرات الرسمية المليون ونصف المليون معظمهم من النساء والأطفال. فبفعل هذه السياسات، سيضطر كثير من المواطنين السوريّين الى دخول لبنان دخولاً غير نظاميّ أو سيفقدون إقاماتهم الرسمية على أراضيه، فتتزايد أعداد غير المسجلين ولا المرئيين من سلطاته العامة. ومن النافل القول إن أوضاع كثيرين من هؤلاء ستزداد هشاشة بفعل ذلك، فيصبحون عاجزين عن ممارسة أدنى الحقوق، بما فيها تسجيل حالات الزواج والولادات، خوفا من الملاحقة، وتاليا عرضة لأبشع حالات الاستغلال الاقتصادي والسياسي.

وعليه، وبمبادرة من المفكرة القانونية والرابطة السورية للمواطنة، تلاقتمجموعة من الأفراد والمنظمات الحقوقية والمدنية اللبنانية وارتأت ضرورة بدء تحرّكٍ مُشترك لبناني سوري بهدف عقلنة النقاش والسياسات العامة في مجال اللجوء السوري في ظل تنامي خطاب يحمّل المواطنين السوريين حصرا الأزمة التي يعيشها اللبنانيون على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية، ولهذه الغاية، توافق هؤلاء على اعتماد الثوابت والمطالب التالية كركيزة لبدء عملهم المشترك:
 
على صعيد الثوابت:

1.    الالتزام بسيادة لبنان وحق الدولة اللبنانية في تنظيم شؤونها الداخلية وحماية أمنها على نحو يحفظ مصالح مواطنيها وجميع المقيمين فيها. على أن تُمارس هذه السيادة طبعاً ضمن احترام الحقوق والمبادئ التي أرساها لبنان والتزم بها بموجب دستوره والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمواثيق الدولية والتي باتت جزءاً لا يتجزأ من هذا الدستور.
 
2.    الالتزام بحق كل إنسان باللجوء إلى بلدٍ آمن وفق المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وذلك انطلاقاً من عدم تعارض حق اللجوء مع مفهوم سيادة الدولة، خصوصاً أن مواطنين لبنانيين كثيرين قد خبروا محنة اللجوء في مراحل عدة من مسارات حياتهم، وليس من مصلحتهم اليوم أن ينكروا هذا الحق على أحد.
 
على صعيد المطالب:

1.    على صعيد ضمان حق اللجوء، يقتضي عملياً:

a.    إعادة النظر في سياسة وقف اللجوء (النزوح) السوري إلى لبنان، ما دامت أسباب هذا اللجوء قائمة، وإلغاء أي قرارات أو إجراءات تنظيمية تتنكر لهذا الحق، وخصوصا ما جاء منها في القرار الأخير الصادر عن الأمن العام بتاريخ 31122014 المتعلق بتنظيم دخول السوريين إلى لبنان.

b.    إلغاء أي قرارات أو إجراءات تنظيمية من شأنها أن تضع الأشخاص المقيمين في لبنان والذين تتوفر لديهم مواصفات اللاجئ، في وضعٍ هش من حيث قانونية إقاماتهم، كرفض منحهم إقامات أو رفض تجديدها أو إعطائهم أوامر بالمغادرة وكل ما هنالك من تدابير ترحيل مُقنّعة تتعارض تعارضا تاما مع الاتفاقيات والأعراف الدولية التي تمنع ترحيل أي لاجئ قسرياً.

c.     تفويض المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مهمة تحديد الأشخاص الذين تتوفر فيهم صفة اللاجئ وفقاً للمعايير الدولية، على اعتبار أنها الجهاز الوحيد المُختص والمحايد والأقدر فعلياً على القيام بهذه المهمة.

d.    عدم التمييز في شروط الدخول والإقامة بين المواطنين السوريين واللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا.
ومن المعلوم أن القرارات المطلوب إلغاؤها ستؤدي في حال استمرار العمل فيها ليس الى تخفيف عدد السوريين المقيمين في لبنان بل على الأرجح إلى تزايد أعداد الداخلين من المعابر غير الرسمية أو المقيمين فيه على نحو غير نظامي. وهنا لا بد من التساؤل حول مدى عقلانيتها وملاءمتها. فأي فائدة في هذه الظروف الدقيقة في تحويل مئات آلاف المقيمين في لبنان الى مقيمين غير نظاميين؟
 
2.    مطالبة الإدارات العامة بتحمل مسؤولياتها التنظيمية واتخاذ الإجراءات الضرورية، وخصوصاً أن غالبها قليلة الكلفة، للتخفيف من تفاقم الأضرار التي قد تتولد عن اللجوء الاضطراري. وأكثر التدابير إلحاحاً في هذا الصدد وجوب تسهيل تسجيل حالات الزواج والولادات الحاصلة على الأراضي اللبنانية ضماناً لالتزامات لبنان في اتفاقية حقوق الطفل ومنعاً لتفاقم ظاهرة عديمي الجنسية، وهي ظاهرة بدأت تطال آلاف المواليد الجدد، والتي من شأنها أن تولد لاحقاً أزمة اجتماعية بالغة الخطورة.

3.    رفض الممارسات التمييزية ضد المواطنين السوريين ووقفها فوراً، وخاصة في ما يتعلق بممارسة الحقوق المدنية المُصانة في الاتفاقيات والأعراف الدولية كحق التجول أو التنقل أو التقاضي، واحترام الكرامة الإنسانية.

4.    حض الوسائل الإعلامية وسائر الهيئات الرسمية والخاصة على الحؤول دون تصاعد خطاب التنميط والكراهية والتحريض ضد المواطنين السوريين التزاما منها بدورها الانساني ولما قد يستتبعه هذا الخطاب من مخاطر جمّة في الظروف الحالية المتشنجة.

5.    الاعتراف بحق الأفراد المقيمين في لبنان والمنظمات، أيا تكن جنسياتهم، بالعمل الاجتماعي والتطوعي في إغاثة اللاجئين وتأمين حاجياتهم الأساسية عملا بالظروف الاستثنائية الراهنة، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية هذا العمل وتسهيله. فمن شأن هذه المبادرات أن تخفف من معاناة اللبنانيين واللاجئين على حد ٍسواء.

6.    تذكير المجتمع الدولي بمسؤولياته الناجمة عن مبدأ التضامن الدولي في مجهود إغاثة اللاجئين، وتحديداً في استقبال نسبة هامة منهم وخصوصاً من ذوي الأوضاع الأكثر هشاشة. كما من واجب المجتمع الدولي تقديم مزيد من الدعم المالي والاقتصادي للبنان على نحو يمكنه من تجاوز هذه الأزمة الكبيرة، ويخفف من الضغط على مواطنيه ويضمن في الآن نفسه مزيدا من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للاجئين، ولا سيما في مجالات السكن والصحة والتعليم.
وعليه، تتعهد هذه المجموعة بمتابعة المطالب المذكورة مع الجهات المعنية، وبتطوير التعاون المشترك لبلورة السياسة الأكثر ملاءمة وطنياً وإنسانياً في موضوع اللجوء السوري، داعية المواطنين اللبنانيين والسوريين أفرادا ومنظمات الى المشاركة في هذا التوجه وتمتينه.
 
الموقعون:

1-   المفكرة القانونية،
2-   الرابطة السورية للمواطنة،
3-   جمعية أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان،
4-   شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية،
5-  جمعية النجدة الاجتماعية،
6-   كفى عنف واستغلال،
7-   اتحاد المقعدين اللبنانيين،
8-   المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين،
9-   جمعية ألف (تحرك من أجل حقوق الانسان)،
10-  مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب،
11-  جمعية التأهيل الانساني ومكافحة الأمية (ألفا)،
12-  جمعية الخط الأخضر،
13-  جمعية حلم،
14-  المركز اللبناني للوقاية والعلاج من الادمان (سكون)،
15-  مركز النساء الآن،
16- جمعية لمسة ورد للدعم النفسي و التنموي،
17- إحقاق

الصورة منقولة عن موقع  breakingnews.sy