إن مسودة مشروع القانون المتعلّق بالعدالة الانتقالية في تونس، والذي تم تقديمه في 1-11-2012 إلى الحكومة، أمر يستوجب التوقف عنده، وخاصة لجهة طريقة صياغته وإعداده. ولا نبالغ اذا قلنا أن هذه التجربة تعد فريدة من نوعها في منطقتنا العربية التي تعيش منذ قرابة السنتين تحركات شعبية وانتفاضات وثورات، وأحيانا للأسف حروبا.
هذه التجربة تسترعي الانتباه من جوانب عدّة:

الجانب التشاركي والحضور الهام والكبير للمجتمع المدني:
منذ سقوط النظام في 14-1-2011، بدأت بعض مكوّنات المجتمع المدني في الحديث عن جدوى إرساء آليات العدالة الانتقالية وكان ذلك منذ منتصف شباط / فبراير 2011. وتبلورت هذه الاقتراحات لتتشكّل جمعيّات تخصّصت في العدالة الانتقالية، كان أبرزها مركز تونس للعدالة الانتقالية والتنسيقية الوطنية المستقلة للعدالة الانتقالية والشبكة الوطنية للعدالة الانتقالية وأكاديمية العدالة الانتقالية التابعة لمركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية ومركز تونس لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.
هذه الجمعيات تدعمت بعدد كبير من الجمعيات والمنظمات الممثلة للضحايا ولعائلاتهم، وعملت من خلال العدد الكبير من الملتقيات والندوات والمحاضراتوورش العمل على بلورة مشاريع وتصورات لإرساء آليات للعدالة الانتقالية كان أهمها مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي قدمته التنسيقية الوطنية ومشروع الهيئة الوطنية للمحامين ومشروعالجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية.
هذا الحضور للمجتمع المدني ومشاريعه جعله مكوّنا أساسيا لمسار إعداد وصياغة مسودة مشروع العدالة الانتقالية وهو ما تأكّد حتى بعد إحداث وزارة العدالة الانتقالية.

الدولة تنضم الى هذا الحراك المدني
في 19-1-2012، وعلى خلفية التخاطب الواسع حول مفهوم العدالة الانتقالية، تم استحداث وزارة تحمل هذه التسمية. وكان الإحساس الغالب لدى المجتمع المدني أنها (الوزارة) ستحتكر ملف العدالة الانتقالية، وستُغيب المجتمع المدني عن هذا المسار. وانطلاقاً من الانتقادات الشديدة لإنشائها، بادرت الوزارة من جهتها الى إطلاق ندوة الحوار الوطني للعدالة الانتقالية في 14-4-2012 وكانت قد أشرفت عليها الرئاسات الثلاث وحضرها ممثلو الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات المهنية...
وخلصت هذه الندوة (بدعوة من مكوّنات المجتمع المدني) إلى وجوب إشراف مكوّنات المجتمع المدني على صياغة الإطار القانوني للعدالة الانتقالية. وتبعا لذلك، وبدعوةمن الوزارة ومشاركتها، تم انشاء اللجنة الفنية للإشراف على الحوار حول العدالة الانتقالية التي ضمت ممثلا عن الوزارة الى جانب خمسة ممثلين عن المجتمع المدني في 28-5-2012. وقد حدّدت اللجنة لنفسها هدفين: إجراء حوارات واسعة حول العدالة الانتقالية تمهيدا لوضع مسودة مشروع يتعلق بها.
 
مأسسة الحوار المتعلق بالعدالة الانتقالية
 -مع إنشاء اللجنة المذكورة، تمت مأسسة الحوار المتعلق بالعدالة الانتقالية على نحو ضمن استمراريته وتعميمه وتطويره حتى الوصول الى الغاية المنشودة. وقد تم ذلك على مراحل عدة: فبداية، تداولت اللجنة وحدّدت نوع الحوار الذي ستقوم به ومداه على ضوء الهدف الذي تريد بلوغه. وليكون الحوار مجديا ارتأت اللجنة أن تكون الحوارات وطنية ولكن أيضا جهوية. ولذا توجب إحداث لجان جهوية للإشراف بدورها على الحوارات الجهوية. وأشرفت اللجنة الفنية بنفسها على اختيار أعضاء اللجان الجهوية ليتم اختيار 6 لجان تضم 100 شخص في شتى الاختصاصات ذات الصلة بمواضيع العدالة الانتقالية وكان ثلثهم تقريبامنالنساء. وتمتدريبأعضاءاللجان الجهويةعلى المسائل المتعلقة بالعدالة الانتقالية من ناحية وعلى تقنيات الإنصات وإدارة الحوار من ناحية أخرى، وهو ما استوجب 5 أيام تدريب لكل لجنة جهوية. وبالانتهاء من التدريب الذي أشرف عليه خبراء تونسيون وعرب وأجانب، كانت الحوارات الجهوية التي شملت كل ولايات (محافظات) الجمهورية التونسية بمعدّل يوم حوار في كل ولاية أي بإجمالي 24 يوم حوار وانتهت كلّها برفع تقارير عن يوم الحوار وعن التوصيات الصادرة عنه.أمّا على المستوى الوطني فقد أشرفت اللجنة الفنية على يوم حوار مع الأحزاب السياسية، ويوم آخر للحوار مع النقابات والمنظمات المهنية، ويوم ثالث مع الجمعيات الحقوقية وجمعيات الضحايا.
ونذكر في هذا الإطار أن منهجية الحوارات كانت موحدّة، إذ كانت الجلسة الصباحية مخصصة للإنصات لكل المنظماتوالأحزابوالشخصيات المشاركة حيث تعرض هذه الأخيرة تصّوراتها حول آليات العدالة الانتقالية وحول مشروع قانون يتعلق بها، وخصصت الحصة المسائية لورش عمل تعلق كل منها بإحدى مكونات العدالة الانتقالية (الكشف عن الحقيقة، التعويض وجبر الضرر، المساءلة والمحاسبة، إصلاح المؤسسات والمصالحة). وطلب دائما من المشاركين تقديم ملاحظاتهم كتابيا إمّا في نفس اليوم أو لاحقا.
وللتعمّق في بعض المسائل المتعلقة بالعدالة الانتقالية، قامت اللجنة الفنية بتنظيم أو بالمساهمة في تنظيم ندوات وملتقيات متخصصة حول النساء والعدالة الانتقالية والأطفال والشباب في الفترات الانتقالية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والعدالة الانتقالية والأرشيف والعدالة الانتقالية.
وبالتزامن مع الحوارات، تم تنظيم حملات توعوية وتحسيسية موجهة للجميع تمثلت بالأساس في 6 ومضات تلفزية وإذاعية تعلق كل منها بجانب من جوانب العدالة الانتقالية.
-رافق الحوارات الجهوية توزيع استبيان تم إعداده لمعرفة مواقف المشاركين وآرائهم من مختلف مكوّنات العدالة الانتقالية، حيث تم توزيع أكثر من 2000 استبيان اعتمد منها أكثر من 1800 وتم الغاء قرابة 200 منها. هذا الاستبيان لم يكن الموجه الأساسي لعمل اللجنة بل قضت أهميته بالاستئناس بنتائجه.هذه الفترة الأولى من عمل اللجنة الفنية لم تخل من بعض المصاعب:
-
كان عمل اللجنة وأعضائها طوعيا ومجانيا وتكفلت لجنة الدعم المتكوّنة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والمركز الدّولي للعدالة الانتقالية بتغطية مصاريف الدورات التدريبية وجلب الخبراء وإقامة وتنقل أعضاء اللجان الجهوية.أثناء فترة عمل اللجنة تناقشت الحكومة في مشروع قانون يتعلق بالتعويض للمساجين السياسيين واعتبرت اللجنة ذلك محاولة لإفراغ مسار العدالة الانتقالية المرتقب من محتواه وطالبت بلقاء مع الوزير المكلّف بالعدالة الانتقالية وعبّرت عن رفضها لمثل هذه الإجراءات التي من شأنها إرباك المسار وجعل اللجنة مجرد واجهة أمامية بينما تواصل الحكومة عملها الفعلي في مسار العدالة الانتقالية.

-أثناء الإشراف على الحوارات ولا سيما الحوار مع الجمعيات الحقوقية والحوار الجهوي في تونس العاصمة، أثارت مشاركة جمعيات تمثل أعضاء حكومات ونظام الرئيس الأسبق تشنجا واستياء العديد من الجمعيات ولا سيما جمعيات الضحايا التيرفضت مشاركة جمعيات تمثل رموز النظام السابق في هذه الحوارات.

 بنهاية هذه الفترة من عمل اللجنة تجمّع لديها كم هائل من المقترحات والتوصيات والمشاريع ونتائج الاستبيان وبدأت مرحلة صياغة نص مشروع القانون.

صياغة مسودة مشروع العدالة الانتقالية
استهلت اللجنة عملها بتدريب حول صياغة النصوص القانونية المتعلقة بالعدالة الانتقالية من خلال تجارب البلدان التي خاضت تجارب في هذا الصدد، وتوقفت على ايجابياتها وسلبياتها ومشاكل تطبيقها، ثم قامت بتجميع كل ما تجمع لديها من معلومات وقامت بتبويبها بحسب مبادئ وآليات وتفاصيل العدالة الانتقالية وكانت المشاريع المقدمة من قبل الهيئة الوطنية للمحامين والتنسيقية الوطنية المستقلة للعدالة الانتقالية والحزب الجمهوري والجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية قد ساعدت اللجنة كثيرا في صياغة مشروعها.
كانت صياغة مشروع القانون من قبل اللجنة الفنية مسألة عسيرة وذلك للأسباب التالية:
-كثرة المعلومات والاقتراحات والتصورات المقدمة.
-رغبة اللجنة في أن تكون وفية لتوقعات المشاركين في الحوارات الوطنية وخاصة الجهوية منها. وتكمن صعوبة ذلك أكثر ما تكمن في أن العديد من هذه التوقعات والتصورات لا تعكس إلا رؤية ضيقة وشخصية لمسألة العدالة الانتقالية.
-تداخل آليات العدالة الانتقالية وآليات العدالة العادية وصعوبة التوفيق والفصل بينها وتجنب التداخل بينها خاصة وأن الأغلبية الساحقة من المشاركين في الحوارات كانت تؤكد على دور القضاء العادي في المساءلة والمحاسبة.ولذا كان دور الخبراء التونسيين والعرب والأجانب في توضيح المسائل الشائكة والاستعانة بالتجارب المقارنة وكانت الصياغة الأولية لمشروع القانون. وعند الانتهاء من صياغة مسودة المشروع، تم عرضه من جديد على الجمعيات الحقوقية في يوم دراسي لتقييم النصّ وتحسين صياغته ومضمونه، وتم إدراج الملاحظات المقدمة في صلب نص مشروع القانون. في نهاية هذا المطاف، نشرت اللجنة المشروع على موقعها وفي وسائل إعلام عدة ليتسنى للمهتمين بهذا الشأن الاطلاع عليه وابداء ملاحظاتهم، ومن ثم، قامت اللجنة بالاستعلام عن ملاحظات الوزارات المعنية (19 وزارة) لتخلص الى ادخال مجمل الملاحظات الهامة والجديدة التي تلقتها من هذا الجانب أو ذاك في صلب المشروع.

ايجابية التجربة
إن هذه التجربة الفريدة من نوعها في صياغة مشروع قانون العدالة الانتقالية كانت لها جوانب ايجابية يمكن أن نذكر منها:
-خلق حراك ودينامية وطنية وخاصة جهوية حول مسألة العدالة الانتقالية.
-تمكين كل الجمعيات والأحزاب وعائلات الضحايا والأكادميين من إبداء مواقفهم وتصوّراتهم ومثلت الحوارات فضاءات مثلى للإنصات لكل هؤلاء.
-قربت هذه الحوارات وجهات نظر كانت تبدو متباعدة ومتناقضة وحتى متضاربة.
-مكنت صياغة النص مكوّنات المجتمع المدني المهتمة بالعدالة الانتقالية من أن تلتقي حول مشروع موحد وأن تشرع في بناء هيكل يجمعها ويمكنها من الإعداد لفترة ما بعد نهاية عمل اللجنة الفنية.

*أستاذ في القانون بالجامعة التونسية منذ 1995

 نُشر في العدد السابع من مجلة المفكرة القانونية