تولت الحكومة التونسية بجلستها التي عقدت في 28-12-2012 المصادقة على مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي سيعرض تاليا على أعضاء الجمعية التأسيسية بهدف اقراره. وقد حاولت الأطراف المشاركة في اعداد المشروع التوصل لمقاربة محلية لمسارات العدالة الانتقالية علما أن شعار "المحاسبة اولا"، بما يقطع مع ثقافة الافلات من العقاب، كان عنوانا للخصوصية التونسية في هذه المرحلة. غير أن المحاسبة المنشودة تطرح السؤال حول المقصود منها وهل أنها محاسبة عادلة أم أنها محاسبة تحكمها موازين القوى والمصالح في اطار تصورات انتقائية.
يستوجب تحري عدالة مسارات العدالة الانتقالية التمييز في مرحلة أولى على ضوء الانتهاكات التي تغطيها. ويتبين من الاطلاع على مشروع القانون أنه يشمل صنفين من الجرائم التي اقترفت باستعمال وسائل السلطة ونفوذها:
الصنف الاول يتصل بانتهاكات حقوق الانسان، وهو يشمل جرائم التعذيب والممارسات المهينة للذات البشرية والاغتصاب والقتل والاختفاء القسري وكل شكل من اشكال العنف الجسدي، ويعني بالدرجة الأولى موظفي الدولة المكلفين بإنفاذ القانون والذين تعمدوا في مواجهة تحركات اجتماعية او في اطار ادارة الصراعات السياسية للسلطة مع خصومها من معارضيها أو بمناسبة مباشرتهم للأبحاث العدلية تسليط ضغط مادي ونفسي على الضحايا مس بكرامتهم البشرية أو أدى للإضرار بهم بدنيا ونفسيا أو انتهى الى هلاكهم تحت تأثير التعذيب أو القتل المتعمد.
أما الصنف الثاني فيتصل بجرائم الفساد المالي والإداري وهو يشمل عمليات نهب الثروة العامة واستغلال النفوذ لتحقيق مصلحة شخصية أو للغير والرشوة والارتشاء من قبل سامي موظفي الدولة، وهو يعني بالدرجة الأولى "رجال المال والأعمال" الذين استغلوا وجودهم بدوائر القرار السياسي أو استفادوا من قربهم وصلاتهم بدوائر السلطة والقرار لينهبوا المال العام.
والجدير بالذكر أن التمييز بين هذين الصنفين من الجرائم ومن العناوين ميز مخاض الحديث عن العدالة الانتقالية في تونس. ففيما هدفت الدعوة الى تسريع مسار محاسبة المتهمين في قضايا انتهاك حقوق الانسان (قتل الشهداء والتعذيب الخ.) والى كشف الحقيقة في هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، فان الدعوة الى تسريع البت في ملفات "رجال الأعمال" المتهمين بالفساد هدفت الى ارساء أسس المصالحة معهم، تمكينا لهم من معاودة نشاطهم الاقتصادي ضمن اقصر الآجال وعلى نحو ينهي حالة العزوف عن الاستثمار.
وقد أعاد مشروع القانون التمييز نفسه:
فبخصوص انتهاكات حقوق الإنسان، نص القانون على تخصيص دوائر قضائية بمحاكم الحق العام يكون دورها محاسبة المتهمين وعقابهم كما أكد ذات المشروع على أن جرائم التعذيب لا تسقط بمرور الزمن خلافا لما نصت عليه القوانين السابقة. وتاليا، ليس من شأن المصالحة بين الضحية والمتهم، على فرض حصولها، أن تنهي التتبع الجزائي وإنما يعتد بها في تقدير العقاب (الفصل 16).
والعكس تماما تقرر فيما يتصل بقضايا الفساد المالي حيث ذكر الفصل 47 بأن لجنة التحكيم والمصالحة تنظر في مطالب الصلح في ملفات الفساد المالي، على أن تؤدي المصالحة فور حصولها الى انتفاء المحاسبة والى انقراض الدعوى العمومية.
وتاليا، اتجه من صاغوا المشروع إلى محاسبة انتهاكات حقوق الإنسان الحاصلة قبل الثورة كافة، فحرموا بمفعول رجعي المتهمين بها من الاستفادة من أحكام مرور الزمن، فيما كان التطرق لجرائم الفساد المالي محتشما فاكتفوا بذكرها في باب المصالحة دون تخصيصها بإجراءات بحث خاصة أو صياغة تعريف دقيق لها. وبذلك انسجم مفهوم العدالة في هذا المجال مع توجه عام يدعو الى سرعة المصالحة مع رجال الأعمال. فبعدما كان البحث في الفساد المالي واسترداد الاموال التي نهبت داخل البلاد من أولويات الاستحقاق الثوري بدليل بعث لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد ومن بعدها هيئة مكافحة الفساد، أضحى التعامل مع ملفات الفساد معضلة تؤرق السلطة وتمنع تحقيق مشروعها الانمائي. فالبحث في هذه الملفات أدى الى الكشف عن تورط عدد هام من بارونات الاقتصاد الوطني في منظومة الفساد بما يتجاوز التصور الأولي الذي كان يحصر المسألة في أفراد عائلة الرئيس المخلوع وأصهاره والمقربين منهم. وبعدما كانت المحاسبة تبشر باسترداد الثروات المنهوبة وتصنع الحلم بتوفير الأموال، تبين سريعا أن الاجراءات الاحترازية أعاقت عددا من رجال الأعمال من الحصول على السيولة المالية لتطوير الاستثمار، فباتت المحاسبة بمثابة عبء ثقيل على عجلة الاقتصاد.
وعلى هذا المنوال، دفع العبور السريع من مرحلة الثورة الى مرحلة تأسيس دولة الثورة دوائر القرار الى ايجاد مخرج من الأزمة في اطار تصور مصلحي معلن. فأكد المسؤولون الحكوميون في أكثر من مناسبة على ان ايجاد حلول تحقق المصالحة مع رجال الأعمال وتنهي التهديد الذي يشعرون به من أعمال المحاسبة هو من أولويات العدالة الانتقالية.
وبالفعل، تتالت محاولات المصالحة وغلق ملفات رجال الأعمال. فمن جهة، بادرت لجنة المصادرة بتاريخ 5-5-2012 الى اصدار بلاغ تضمن دعوة رجال الأعمال الذين استفادوا من منظومة الفساد للتقدم بتصريح تلقائي لها يتضمن كشفهم عن المال الفاسد الذي استفادوا منه وتسليمه لها، على أن تمتنع بالمقابل عن الكشف عن أسمائهم وعن اعلام النيابة العمومية في حال قيامهم بذلك. كما طرحت أكثر من مبادرة لايجاد حلول صلحية مع رجال الأعمال الفاسدين كان أبرزها الاقتراح الذي تقدم به رجل القانون البارز الأستاذ قيس سعيد الذي اقترح أن يتم الصلح مع هؤلاء مقابل تعهدهم بالاستثمار بالجهات الأقل حظوة من التنمية. وانتهت أخيرا وزارة العدل الى اعلان عزمها على بعث قطب قضائي متخصص في قضايا الفساد يضمن سرعة الفصل فيها.
وتبعا لذلك، سيعاقب أعوان السلطة الذين انتهكوا حقوق الانسان وستفتح جميع الملفات مهما مر الزمن عليها، فيما سينجح أصحاب المال في كسب الصلح الذي من شأنه أن ينجيهم من العقاب، لقاء تعويضات تمثل جزءا من مالهم. وعليه، تكون سلطة المال حمت أصحابها من العقاب، فيما علق الآخرون جميعا في شرك المحاسبة والعقاب. وبذلك، واذ بدا شعار المحاسبة قبل المصالحة وفيا في ظاهره لقيم العدالة، بإمكاننا أن نستخلص على ضوء التمييز المذكور بأن موازين العدالة اختلت حالما لامست عالم المال.
بالطبع، قد يكون البحث عن مصالحة عالم المال في الاطار المذكور أمرا مبررا نزولا عند احتياجات التنمية، خصوصا أن العدالة الانتقالية هي في عمقها استجابة لحاجة أكيدة للمصالحة تضمن تجاوز الماضي في اتجاه بناء المستقبل. وقد يكون الحرص على محاسبة منتهكي حقوق الانسان بدوره وفيا لمبادئ العدالة الانتقالية على اعتبار أن هذه العدالة تهدف الى كشف انتهاكات الماضي بغاية القطع مع الظلم وانهاء فكرة الافلات من العقاب توصلا لمنع عودة منظومة الاستبداد. الا أن التمييز في التعاطي بين من حمته سلطة ماله والحاجة اليه وبين من انتهك حقوق الانسان أحيانا لصالح رجال الأعمال يطرح أكثر من سؤال حول عدالة معايير هذه العدالة. حاول مشروع العدالة الانتقالية أن يتحدث عن المصالحة مع الذين عذبوا وانتهكوا حقوق الانسان فاقترح العقاب أولا لما آلت اليه أوضاع هؤلاء من هوان، وحاول ذات النص أن يتحدث عن الفساد المالي فأغفل كشف الحقيقة والمحاسبة ليسارع الى الدعوة الى الصلح، رضوخا لما لديهم من عناصر قوة (المال)، كل ذلك في غياب قوة حقيقية تفرض مبادئ العدل والمساواة.
  
*قاضٍ تونسي

في تعريف العدالة الانتقالية كما ورد في مشروع القانون الأساسي المتعلق بضبط أسس العدالة الانتقالية ومجال اختصاصها
 
الفصل الأولالعدالة الانتقالية على معنى هذا القانون هي مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا وردّ الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم التكرار والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الانسان

 نُشر في العدد السابع من مجلة المفكرة القانونية