في كانون الأول 2014، دعا رؤساء المحاكم في المحافظات الست القضاة المنفردين لاختيار ممثلين عنهم في ما يسمى "الهيئات الاستشارية" أي الهيئات التي يستشيرها الرؤساء الأول في ادارة محاكمهم. وكانت هذه الهيئات قد استحدثت في 2013 بمبادرة من مجلس القضاء الأعلى، وكانت تضم آنذاك خمسة ممثلين عن فئات مختلفة من القضاة العاملين في كل محافظة. والجديد في 2014 هو استحداث تمثيلية خاصة للقضاة المنفردين، بعدما كانوا دُعيوا لأن ينتخبوا في 2013 ممثلين عنهم وعن رؤساء المحاكم الابتدائية في آن. ولكن الأهم هو أنه بخلاف الحال في 2013، حيث دعي القضاة الى انتخاب ثلاثة قضاة عن كل فئة، على أن يعين مجلس القضاء الأعلى واحدا منهم في الهيئة، دُعي القضاة المنفردون هذه المرة الى انتخاب ممثل عنهم من دون تدخّل. وكانت المفكرة قد انتقدت طريقة التعيين السابقة، على خلفية أن من شأنها اعادة انتاج الهرمية داخل القضاء.

وبذلك، وفي حال تعميم طريقة التعيين الجديدة، بات بالامكان اعادة تسمية الهيئة بحيث تصبح الهيئة التمثيلية بدلا عن الهيئة الاستشارية. كما بالامكان في هذه الحالة أن تسهم هذه المبادرة في انضاج تجربة الانتخاب داخل القضاء وتاليا في تكريس المبدأ الذي نص عليه اتفاق الطائف ومفاده اختيار أعضاء مجلس القضاء من القضاة أنفسهم. ومن المعلوم أن من شأن اعتماد هذا المبدأ أن يحصن القضاء ازاء التعيينات السياسية وما يستتبعها من تأثيرات سلبية أكيدة في المسارات المهنية للقضاة.

واذ ترحّب المفكرة بهذا التعديل، تجدر الاشارة في الوقت نفسه الى أن تفعيل هذه الهيئات وجعلها جزءا فاعلا وحاضرا في المشهد العام، يتطلب اتخاذ خطوات اضافية كثيرة وأساسية، أهمها اعطاء أعضائها صلاحيات معينة ومنها حق المبادرة في تقديم الاقتراحات والمطالب. فدورهم حتى الآن يبقى مرتبطا بارادة رؤساء المحاكم الذين لهم أن يدعوهم أو لا يدعوهم، أن يستشيروهم أو لا يستشيروهم، من دون أن يكون لهم أي قدرة ذاتية على التحرك. وبشكل أعم، يقتضي تفعيل التواصل الجمعوي على صعيد المحاكم أو في جمعيات مهنية. فلا يجتمع القضاة في مناسبة واحدة ولانتخاب ممثليهم وحسب، وانما تزداد مناسبات التقائهم وتواصلهم، ومعها امكانات انتقالهم من حال الاستفراد بما فيه من ضعف وتطييف الى حال التضامن بما قد يكون فيه من قوة ومنعة. 

نشر في العدد السادس و العشرون من مجلة المفكرة القانونية