بعد مطالبات اتخذ بعضها طابعاً مجتمعياً، أحالت الحكومة مشروعها الجديد لمكافحة الإرهاب على مجلس نواب الشعب بتاريخ 25-03-2015. وإذ عكست إرادة وضع مشروع قانون جديد تطوّر وعي حقوقيّ بضرورة نسخ القانون السابق لتعارضه مع شروط المحاكمات العادلة، فإنّ تزامن إحالة مشروع القانون على المجلس التشريعي مع تطور خطاب سياسي يبشر بحرب على الإرهاب قد يكون ثمن النجاح فيها التضحية بالحرية وقيم حقوق الإنسان، يؤدي للتشويش على هذه الفكرة. وهذا ما نتبينه من خلال عدد من الأحكام الواردة فيه أهمها الآتية:

1-    لم يكتفِ مشروع القانون بالتنصيص على عقوبة الإعدام في مجمل الجرائم الإرهابية إذا نجم عن الفعل الإجرامي قتل، بل ذهب الى حد تجريد القاضي من سلطته بتخفيض هذه العقوبة، إذا كان المحكوم عليه بالإرهاب راشداً، في حالات كثيرة. ومن هذه الحالات، أن يكون المحكوم عليه ممن عُهد لهم بتطبيق القانون أو من أعوان الأمن والجيش أو استعمل في العملية طفلاً أو كانت العملية الإرهابية نتيجة وفاق أو في إطار تنظيم إجرامي أو كانت الجريمة عبر وطنية. وهذه المادة هي على شيء كبير من الخطورة. فعدا الإشكالية المتصلة بمدى مشروعية عقوبة الإعدام، فإن فرض الإعدام كعقوبة في الحالات المذكورة أعلاه يتعارض تماماً مع مبدأي فصل السلطات والاستقلال الوظيفي للقضاء ويجرّد المحكمة من سلطتها في تفريد العقوبة وفق ظروف كلّ حالة. وما يزيد من خطورة هذا التغوّل على سلطة القضاء هو أنّها تتصل بعقوبة من شأنها أن تولّد بحدّ ذاتها اضطراباً ضميرياً لدى العديد من القضاة، فكيف بالأحرى إذا بدت له غير متناسبة مع ظروف انخراط المحكوم عليه في العملية الإرهابية ودوره فيها؟ ويعكس هذا المقترح بالواقع رغبة في محاباة المشاعر الغرائزية الثأرية أكثر مما يشكّل أداة ردع. فهل من حاجة للتذكير بأن الإرهاب الايديولوجي، بما ولّده من آلاف مؤلفة للعمليات الانتحارية، هو الأقل تأثراً بعقوبة الإعدام.
 
2-    من حسنات مشروع القانون أنه قطع مع التعريف الموسع للجريمة الإرهابية الذي كان معتمداً في قانون 2003 والذي كان يعد الجريمة الإرهابية هي كل جريمة تروّع السكان بغاية التأثير على سياسة الدولة. فاشترط مشروع القانون توفر ثلاثة عناصر: الخلفية الايديولوجية والفعل الإجرامي والهدف من ذلك الفعل. إلا أنه يلحظ أن المشروع عاد في فصول أخرى منه الى وصف جرائم بالإرهابية دون التنصيص صراحة على ارتباطها بمشروع ايديولوجي إرهابي (الفصول 14 و15 و16 و17).

3-    وفق مشروع القانون، قد يصل أجل احتفاظ أعوان الضابطة العدلية بالمشتبه بهم في الجرائم الإرهابية الى خمسة عشر يوماً (بخمسة أيام قابلة للتمديد مرتين بموجب قرار معلل). كما يحمّل الفصل ذاته وكيل الجمهورية بواجب فتح بحث تحقيقي بمجرد علمه بالواقعة الإرهابية.
وهذا التوسع في آجال الاحتفاظ يتعارض مع توجه التشريع التونسي للتنقيص في تلك الآجال[1] الى مدة 48 ساعة تمدد لمدة واحدة وفق ما هو معروض على مجلس نواب الشعب في مشروع تنقيح مجلة الإجراءات الجزائية[2]. كما يتعارض مشروع القانون مع التنقيح ذاته المزمع إدخاله على مجلة الإجراءات الجزائية سيصبح بمقتضاه رئيس المحكمة الابتدائية من يقرر فتح البحث التحقيقي لضمان استقلالية قضاء التحقيق على الادّعاء العام.

نشر في العدد واحد من مجلة المفكرة القانونية في تونس

[1]الفصل 13 مكرر من مجلة الاجراءات الجزائية آجال الاحتفاظ 3 ايام تقبل التمديد لمرة واحدة بقرار معلل من وكيل الجمهورية.                    
[2]مشروع القانون عدد 13 لسنة 2013 معروض على مجلس نواب الشعب.