انها النقابة الأولى من نوعها في مصر والعالم العربي: نقابة لعاملات المنازل وقد نشأت في  أغسطس 2012 من ضمن حراكات الثورة. وفي هذا المقال، يتناول الكاتب الخطوات الأولى لتأسيس النقابة كما يسهب في دحض الأسباب التي يستند اليها المشرع لاستثناء العمل المنزلي من الأعمال الخاضعة لقانون العمل، وهو الاستثناء الذي تتبناه عدد من الدول العربية ومنها لبنان ويفتح الباب أمام جميع أشكال التعسف والاستغلال. فأن ينشأ عن طبيعة العمل علاقة وثيقة بين صاحب العمل والعامل لا يبرر اطلاقا التضحية بحقوق هذا الأخير (المحرر).

 كيف تأسست النقابة الأولى لعاملات المنازل؟
فى سابقة هي الأولى من نوعها، أسست العاملات بالمنازل أولى نقابة عمالية فى تاريخ الطبقة العاملة المصرية تحت مسمى "نقابة العاملات بالأجر الشهرى"، بعدما رفضت وزارة القوى العاملة والهجرة المصرية مسماها الأول "نقابة عاملات المنازل". ورغم ممانعة الوزارة المعنية فى بادىء الأمر إشهار هذه النقابة لعدم إثبات مهنة هؤلاء العاملات بالبطاقات الشخصية، فقد انتهت الى اشهارها في غضون شهر أغسطس  2012. وقد أمكنهن تأسيس نقابة رغم استثنائهن من الاستفادة من قانون العمل طالما أن قانون النقابات العمالية رقم 35 لسنة 1976 قد جاء مقرراً لحق هذه الفئة فى أن تتخذ شكل التنظيم النقابى، لإنطباق تعريف (العامل) عليهن. وقد بلغ عدد مؤسسيها مائتين وسبعة وعشرين عاملة[1].
وجدير بالذكر أن هذه الخطوة تأتي في سياق نضال طويل يهدف الى فتح الباب أمام كافة التنظيمات النقابية المستقلة، التى بدأت فى غضون عام 2008، حيث قام العاملون بمصلحة الضرائب العقارية بإنتزاع حقهم فى إنشاء نقابة مستقلة لهم حتى يكونوا بمنأى عن النقابة العامة للضرائب العقارية التى طالما كان لها دور سلبي فى الدفاع عن مصالح العاملين بها، بالاضافة الى خضوعها للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذى كان له دور بارز فى إجهاض الحركة النقابية المصرية لعقود من الزمن. وقد استندوا في ذلك الى إتفاقية الحرية النقابية رقم 87 لسنة 1948 الصادرة عن منظمة العمل الدولية، التى صدقت عليها مصر فى نوفمبر 1957 والتى تضمنت العديد من المعايير فى هذا الشأن مؤكدة على فكرة التعددية النقابية، وحرية العمال فى إنشاء تنظيماتهم النقابية والانتساب اليها، بالاضافة الى الاتفاقية العربية رقم (8) لسنة 1977 بشأن الحريات والحقوق النقابية. كما كان لثورة يناير دور كبير فى نشأة كافة التنظيمات النقابية المستقلة بعد فترة ليست بالقصيرة تعطل فيها العمل النقابى فى مصر، حيث تم انشاء اتحاد عام للنقابات المستقلة تحت اسم "الإتحاد المصرى للنقابات المستقلة".
وقد شارك عدد من المحامين (منهم كاتب هذه الأسطر) بدعوة من قبل "مركز دعم التنمية للاستشارات والتدريب" و"مؤسسة الشهاب للتطوير والتنمية الشاملة" في تدريب مجموعة من العاملات بالمنازل وتعريفهن بأهمية تأسيس نقابة عمالية لهن، علما أن غالبية هذه العاملات يأتين من المناطق الأكثر فقراً وهن في حال أمية لم يتسن لهن تعلم القراءة والكتابة. وفور بدء التدريب، بدا لدى هؤلاء إصرار كبير على ادراك حقوقهن، وكذلك إصرار على بناء كيان يدافع عنهن وعن هذه الحقوق فى مواجهة أرباب العمل. وقد سجل عدد منهن قيام هؤلاء بطردهن من العمل دون سابق إنذار أو أى تعويض يذكر، وأحيانا ردا على المطالبة بحقوقهن مشروعة. وقد تركزت مطالب هذه العاملات على ضمان الحدود الدنيا لمستوى المعيشة، ورغبتهن فى بناء كيان يضمن لهم تكاليف العلاج، أو أيضا إعالتهن وأسرهن في حال عجز أو عند بلوغ سن معينة.
ولم يتوقف الأمر عند تعريفهن بحقوقهن، وأهمية بناء مثل هذا الكيان فقط، بل تطرق الأمر إلى أبعد من ذلك في اتجاه حثهن على النضال من خلال النقابة بهدف الغاء استثنائهن من قانون العمل.  
الاستثناء القانوني من الحماية: أي مبررات، أي مفاعيل؟ 
يلحظ أن قانون العمل المصرى 12 لسنة 2003 هو أحد أشد التشريعات وءداً لحقوق هذه الفئة، طالما أنه يستثنيهن من الاستفادة من أحكامه[2]، وذلك على غرار قانون العمل 137 لسنة 1981 الملغى. ويرجع السبب فى إستبعاد هذه الفئة الى العلاقة الوثيقة التى تربط شخص الخادم (العامل) والمخدوم (صاحب العمل) والتي تتيح للأول الإطلاع على أسرار الأخير وشئونه الخاصة، بما يبرر عدم تقييد المخدوم عند فك الرابطة بينه وبين الخادم بالقيود المنصوص عليها فى قانون العمل. ومن ثم أريد لهذه العلاقة أن تظل بمنأى عن التدخل التشريعي[3].
والواقع أن هذه الحجة التى انبنى عليها الاستثناء حجة واهية، ذلك لأنه من المفترض أن يتسم قانون العمل بطابع حماية الطبقة العاملة أيا كان مجال عملها من دون أن يكون لهذه الصلة القوية بين شخص العامل وصاحب العامل أي تأثير على صفة الأول كعامل وتاليا على حقه بالحماية. وما يدحض هذه الحجة بالكامل قوانين الأحوال الشخصية التى تتيح التقاضى بين الأصول والفروع للمطالبة بالحقوق المالية المتعلقة بالنفقات والمصروفات المدرسية إلخ، من دون أن تشكل العلاقات الوثيقة فيما بينهم التي يفترض أن تكون أوثق من العلاقة التى بين رب العمل وخادم المنزل سببا لحرمان أي منهم من هذا الحق[4].
ومن الضرورى اذا أن تقوم السلطة التشريعية بإلغاء هذا الإستثناء من قانون العمل أو أن تسن قانوناً خاصاً ينظم العلاقة بين شخص الخادم والمخدوم. حيث أن هذا الاستثناء جاء بالمخالفة لمفهوم العامل، عندما عرف وفقاً لهذا القانون بأنه " كل شخص طبيعى يعمل لقاء أجر لدى صاحب عمل وتحت ادارته واشرافه"[5].
وأول الانتهاكات التي تواجه هذه الفئة من العمال من جراء هذا الاستثناء، هو حرمانها من الاستفادة من القاعدة العامة فى قانون العمل والتى تجيز إثبات علاقة العمل بكافة طرق الاثبات ومن بينها شهادة الشهود. وهكذا، وبغياب أي الزام بتحرير عقد خطي، غالبا ما يجد هؤلاء أنفسهم عاجزين عن اثبات واقعة التعاقد للمطالبة بما ينشأ عنها من حقوق تضمنها القوانين العامة أو أيضا إتفاقيات منظمة العمل الدولية التى صادقت عليها مصر.    
فضلا عن ذلك، هناك مشكلة أكبر تتمثل فى الأجور. ففي وقت يتعرض فيه العاملون الذين تشملهم حماية قانون العمل ورغم وجود غطاء تشريعى لهم، لانتقاص من حقهم بالحد الأدنى للأجور، كيف تكون الحالة بشأن عمالة البيوت وهي العمالة المهمشة تشريعياً ومجتمعياً على حد سواء؟ وقد سهل غياب الحد الأدنى في هذا المجال لعدد من أصحاب الأعمال فى أن يقوموا باستغلال حاجة خادمات المنازل لتشغيلهن مقابل أجور غير عادلة لا ترقى لمستوى الجهود المبذولة منهن. كما يمكن تشغيلهن أكثر من ساعات العمل المحددة وفقاً للقانون والاتفاقيات الدولية فى هذا الشأن. حيث أنه فى واقع الأمر لا تقل فترة التشغيل عن 12 ساعة يومياً، من دون أن يتقاضين أي أجور إضافية عن هذا العمل طالما أن ساعات العمل غير محددة فى الأساس. ومن الانتهاكات الأخرى، عدم إلتزام أصحاب العمل بتشغيلهن فى الأعمال المتفق عليها فقط، لا بل ذهب بعضهم الى حد تشغيلهم لدى الاقارب والمعارف والاصدقاء وما شابه دون حصولهم على أجور عن هذه الأعمال.
وعلى الرغم من قبول العاملين بالمنازل العمل مقابل أجور زهيدة، فانهم بالاضافة الى ذلك قد لا يحصلون عليها نتيجة عدم دفع الأجور المتفق عليها مع صاحب العمل أو التهرب من سدادها أو طردهم من عملهم دون الحصول عليها. الأمر الذى ترتضيه العاملة فى النهاية حيث أنه لا سبيل أمامها للمطالبة بحقوقها المسلوبة.  
وفى هذا السياق، تجدر الاشارة إلى أن الإتفاقية رقم 95 بشأن حماية الأجور[6]الصادرة عن منظمة العمل الدولية التى أجازت "للسلطات المختصة، وبعد التشاور مع منظمات أصحاب العمل ومنظمات المستخدمين المعنية – إن وجدت-، أن تستبعد من تطبيق كل أحكام الإتفاقية أو بعضها فئات من الأشخاص يكون تطبيق كل الأحكام المذكورة أو بعضها عليهم غير مناسب، ويستخدمون فى عمل يدوي أو فى الخدمة المنزلية أو ما شابه من أعمال "[7].     
فضلاً عن أنه ليست هناك أية مسئولية على صاحب العمل فى حالة إصابة العامل أثناء ساعات العمل، الأمر الذى يحمل الأخير عبءا إضافياً لا يتمثل فى نفقات العلاج فقط بل أيضا في حرمانه من أجره خلال فترة المرض أو الإصابة، بالإضافة الى حرمانهم من الاجازات الأسبوعية والسنوية كون علاقة العمل مؤقتة وتفتقد لعنصر الاستمرارية. هذا بالإضافة إلى التحرش الجنسى والجسدى واللفظى، الأمر الذى يصل إلى تلفيق إتهامات كيدية قد تؤدي بهن الى السجن. 
رغم كل هذه الظروف الجائرة، غالبا ما تلجأ هذه الفئة الى إنكار ما تتعرض له من إنتهاكات من أجل الحفاظ على لقمة العيش، أقله حتى ايجاد عمل آخر.
 -الحرمان من الحقوق التأمينية (الضمان الاجتماعي):
ومن نتائج هذا الاستثناء أيضا، حرمان العاملات في الخدمة المنزلية من  التأمين الإجتماعى الذي وضع أساسا لحصول العامل وأسرته على مبلغ نقدى من معاش أو تعويض فى فترة البطالة ـأو التقاعد عن العمل، وذلك لمساعدته على مواجهة ظروف الحياة ومواجهة الأعباء العائلية.
فقانون التأمينات الاجتماعية لا يسرى على العاملين في الخدمة المنزلية، ما عدا من يعمل منهم داخل المنازل الخاصة الذين يصدر بتحديدهم قرار وزير التأمينات. وكان هذا الوزير قد أصدر القرار رقم 149 لسنة 1977[8]الذى نص على "عدم سريان أحكام قانون التأمين الإجتماعى على المشتغلين بالأعمال المتعلقة بخدمة المنازل الخاصة الذين يتوافر فى شأنهم الشروط الآتية: 1. أن يكون محل مزاولة العمل داخل منزل معد للسكن الخاص. 2. أن يكون العمل الذى يمارسه يدوياً لقضاء حاجات شخصية للمخدوم أو ذويه[9]
وبالتالي، لا تستفيد هذه الفئة من العمالة بتأمين البطالة الذى يهدف إلى حماية المؤمن عليهم فقط من خطر البطالة ويضمن تعويضاً جزئياً عن الأجر الذى ينقطع خلال فترة التعطل عن العمل. فإنه فى أغلب الأحيان تتعرض هذه العمالة إلى الطرد من العمل أو إنتهاء الإتفاق المعقود بينها وبين أصحاب الأعمال دون سابق إنذار، الأمر الذى يجعلها عرضة إلى العيش من دون موارد.
فى النهاية، وازاء كل الصعوبات التى تواجه العاملات بالخدمة المنزلية، قد تكون مساندة منظمات المجتمع المدنى المعنية للنقابة الناشئة ضرورية للتوصل الى تغطيتهن تشريعيا.
وفي هذا الاطار، عملت بعض منظمات المجتمع المدني بالفعل على وضع مسودة أولية لمشروع قانون "العمل اللائق بالعمال المنزليين" الذى يهدف الى تنظيم علاقة العمل ما بين الخادم والمخدوم والوسيط الذى  يقوم بالحاق العمال المنزليين بالخدمة المنزلية فى منازل الافراد، هذا بالإضافة الى الاتفاق على نموذج عقد عمل يضمن حقوق هذه الفئة من العمال فى تحديد ساعات العمل والأجر وفترات الراحة الأسبوعية.   
بقي أن نسجل أنه يتعين على الدولة المصادقة على الإتفاقية رقم 189 بشان العمل اللائق لخدم المنازل الصادرة عن منظمة العمل الدولية[10]وهي مدعوة بأية حال الى إحترامها - حتى لو لم تقم بالمصادقة عليها – بموجب عضويتها فى دستور هذه المنظمة.     
  
*محامٍ وباحث في القانون

نُشر في العدد السابع من مجلة المفكرة القانونية

[1] وفقا لما هو وراد بكشف حضور الجمعية العمومية للنقابة.
[2]المادة 4  من قانون العمل السارى: "لا تسري أحكام هذا القانون على:
(أ) العاملين بأجهزة الدولة بما في ذلكوحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة.
(ب) عمال الخدمة المنزلية ومن فيحكمهم.
(جـ) أفراد أسرة صاحب العمل الذين يعولهم فعلا.
وذلك ما لم يرد نص علىخلاف ذلك".
.
[3] المذكرة الإيضاحية لقانون العمل 137 لسنة 1981 الملغى بالقانون 12 لسنة 2003 السارى، الذى جاء بذات الاستثناء مستنداً لما هو وارد بالمذكرة الإيضاحية للقانون الملغى.
[4] يراجع فى ذلك المادة 4 السابق الاشارة اليها.
[5] المادة 1 فقرة (أ) من قانون العمل.
[6] بدء نفاذ هذه الإتفاقية فى 24 أيلول / سبتمبر 1952.
[7] المادة 2 فقرة 2 من الإتفاقية المذكورة.
[8] صدر 13 يونيو 1977 ونشر بالوقائع المصرية العدد 165 بتاريخ 16 يوليو 1977.
[9] المادة 1 من قرار وزير التأمينات.
[10] اعتمدها مؤتمر العمل الدولى فى دورته المائة المنعقدة فى حزيران/ يونيو 2011.