زياد عاشور
نشرت المفكرة القانونية مرارا عن ظاهرة عدم سوق الموقوفين الى المحكمة. وقد تفاقمت هذه الظاهرة بشكل خاص مع توزيع عدد منهم على مراكز الاحتجاز في المناطق، وبخاصة في طرابلس، وذلك لأسباب عدة أبرزها عدم توفر العديد والعداد. وبمعزل عن هذه الأسباب، تشكل هذه الظاهرة احدى أبرز حالات ازدراء القضاء وبالنتيجة حقوق المتقاضين، لأسباب عدة: فهي تؤثر على سير المحاكمة التي تصبح مشروطة بتوفر السيارات والعديد، وتؤثر على حرية الموقوف الذي يبقى محتجزا بانتظار استجوابه، كما تجعل الانتقال الى المحكمة بمثابة امتياز يعطى لقلة من المحتجزين. وهي الى ذلك تشكل جرما بمفهوم المادة 369 من قانون العقوبات التي تعاقب عدم سوق الشرطة للمتهمين الى قاعة المحكمة بالحبس من شهر الى سنة. وازاء عجز الدولة عن ضمان سوق السجناء، بدت وكأنها وجدت حلا سحريا: فلننقل المحكمة الى السجن (المحرر).   
 
من المؤكد أن غاية الجزاء ووظيفته هما، قبل كل شيء، ارضاء الشعور بالعدالة المتأصل في النفوس البشرية، وذلك عن طريق الاقتصاص من المذنب.
ولكن منظومة العقاب ومكافحة الجريمة هي عبارة عن سلسلة مترابطة من عدة حلقات، تبدأ بالاحتجاز والتوقيف الاحتياطي والمحاكمة بمختلف مراحلها والنطق بالحكم وتنفيذه، وبالتالي إن أي خلل يصيب أية حلقة من حلقات السلسلة العقابية، لا سيما حلقة المحاكمة، لا بد وأن يؤدي الى نتائج عكسية ويمكن أن تتكون على اثر ذلك أرضية صلبة يبني عليها هؤلاء الذين تساء محاسبتهم ردات أفعالهم الانتقامية من المجتمع، وهو عكس ما ننتظره من اعادة الاصلاح والاندماج والتأهيل، والأمور التي تحقق مصلحة عامة للمجتمع تعلو على كل الاعتبارات والمصالح الأخرى. وما يؤكد ذلك النسبة المرتفعة للمكررين في السجون اللبنانية.
نورد هذه المقدمة في ظل واقع انقضاء فترات زمنية طويلة ينبغي فيها استحداث أحكام جديدة تساير التطورات الحديثة في الفكر العقابي، من خلال التأكيد على التأهيل الاجتماعي للسجين والاعتبار أن العقوبة ليست غاية في حد ذاتها فضلا عن تغير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تم إصدار هذه القوانين في ظلها. علما أننا على قناعة أن المشكلة لا تكمن كلها في النصوص بقدر ما تتعلق بالتطبيق وبنظرة الدولة للسجين والهدف المتوخى من عقوبة السجن. فهل يراد بها الإيلام في حد ذاته؟ أم أنها تستهدف إصلاح السجين وتأهيله ليصبح فردا عاملا وصالحا في المجتمع؟
ان السبب الأساسي المعلن من وراء بناء قاعة المحاكمة في سجن رومية هو تسريع المحاكمات التي لا نوافق على سبب تأخيرها ولا نقبل بشأنها بكل التبريرات التي سبق وتم تقديمها.
ونتساءل بدايةً، هل أن اجراء المحاكمات في هذه القاعة ينسجم مع قواعد أصول المحاكمة في قصور العدل والمحاكم المقررة قانوناً، لا سيما قواعد الاختصاص المكاني المتعلق بمعايير محددة، والتي يجدر بنا البحث عن الحكمة من وراء تقريرها بدلاً من تجاوزها بكل هذه الخفة وهذا الاستهتار. وهذه الاصول هي حكماً مرتبطة بمعايير عملية وفعّالة في تحقيق العدالة بشروط وظروف أكثر تحقيقاً لها وللمصلحة الاجتماعية المشتركة والحقوق الأخرى.
كذلك نسأل هل تمت استشارة أصحاب الشأن المباشرين (خاصة القضاة والمحامين)، وربما غير المباشرين (البلدية، الخبراء في علم الاجرام، الأخصائيين القانونيين والنفسيين وغيرهم)؟
كذلك، أخبرنا وزير الداخلية أن سجن رومية المنشأ أواخر الستينات كان يضم محكمة لم يتم استعمالها مطلقاً، وهنا نعرب عن أسفنا لعدم أخذ بعين الاعتبار أسباب عدم استعمالها وظروف انشائها وما الى ذلك من الجدل الذي رافق انشائها و"اخفائها" وظروف ذلك.
من هنا نعرض بعض الهواجس والتساؤلات وربما المخاوف التي تطرحها جمعية عدل ورحمة باسم المجتمع المدني من هذا الاجراء والتي تتعلق بتأمين وضمان معايير المحاكمة العادلة (باختصار)، قبل ان نتطرق الى الأمور والقضايا اللوجستيةوبشكل خاص موضوع السوق وكيف يتم تظهير هذه القاعة على أنها الدواء الشافي لهذه المعضلة.
أولاً: التأثير على معايير المحاكمة العادلة والنزيهة
ان للجو المحيط بالمحكمة حكما تأثيرا على سير المحاكمة واجراءاتها وعلى قناعة القضاة، وعليه ان وجود المحكمة داخل حرم السجن يضع القضاة تحت تأثير واقع ضاغط ومؤثر سلبا على القرار الحر والمحايد للمحكمة. اذ هنالك معطيات نفسية يقتضي التنبه إليها وأخذها على جانب كبير من الأهمية.
كما أن واقع المعايير العالمية للمحاكمة العادلة لا تنسجم مع فكرة صدور الأحكام من داخل حرم السجن، خاصة عندما يكون وضع السجن، المعلوم منا جميعا (شغب، انتفاضات، هروب، ...) غير مستقر وأحيانا متفجرا، فما النتائج المتوقعة عندما يكون هذا الواقع قريبا الى ابعد الحدود من المحكمة بتأثيرها ومفاعيلها؟
كذلك، تعد جلسات المحاكمة العلنية أحد أوجه اتصال السجناء بالعالم الخارجي وجعلهم على علاقة به، كما تؤكد القاعدة 61 من قواعد الحد الادنى لمعاملة السجناء على حقهم بذلك وعلى جعل السجناء جزءا من المجتمع لا سيما ان العدالة والقانون ليسا شأناً خاصاً بالمسؤولين من نواب ووزراء وقضاة ومحامين ودوائر الضابطة العدلية، بل ان كل مواطن يضطلع حكما بدور يلعبه للتأكد من تحقيق العدالة بشكل فعال وشرعي، وهنا تكمن أهمية المحاكمات العلنية القصوى التي يمكن أن تفقد الكثير من علنيتها في حال حصولها داخل جدران السجن.
وبالرغم من أهمية الجانب العملي واللوجستي، الذي سوف نتناوله لاحقاً، نسأل كيف يمكن لقضاة التحقيق وقضاة الحكم أن يعقدوا جلساتهم ويصدروا القرارات والأحكام بحق أشخاص يعتبرهم القانون صراحة "أبرياء حتى تثبت ادانتهم بحكم مبرم"، وذلك بقوة مفعول قرينة البراءة، وكيف للحكم أن يكون مستقلا وحياديا وموضوعيا، عندما يصدر هذا الحكم في حرم السجن وخلف قضبانه؟ لا يمكن ان يكون ذلك دون تأثير على نزاهة المحاكمة وعدالتها، لأن القضاة في نهاية الأمر بشر يتأثرون بالواقع وبالظروف المحيطة. وهنا نستشهد بقول أحد المحامين البلجيكيين ردا على مشروع بناء قاعة محاكمة في حرم سجن في مدينة Harenالبلجيكية لاقى معارضة شرسة، لهذا السبب ولأسباب اخرى:"يقتضي حقيقة أن يكون القاضي خارج السجن حين يحاكم".وهو يضيف في هذا الاطار، ولكن من وجهة نظر مقابلة: "ان محاكمة مدعى عليه في السجن، أشبه بأن يطلب من فريق، في منازعة مدنية، أن يذهب الى مقام خصمه كي يصار الى محاكمته هنالك. وهذا أمر غير معقول بمنطق توازنات العدالة".
وفي هذا الاطار، وبحذر شديد، يمكن أن يكون لنا موقف ايجابي تجاه عمل اللجان والمحاكم الناظرة بموضوع تنفيذ العقوبات، بأن تكون أعمالها وجلساتها في السجن لكي تكون في تقييمها لسلوك السجين أقرب الى الواقع، ولكن ما يخرج عن هذا الاطر يبقى غير مقبول.
ثانياً: ما يتعلق بالأمور والقضايا اللوجستية
بداية نورد تفاصيل ملاحظات تتعلق بقاعة المحاكمة نفسها:
تبلغ مساحةالقاعة حوالي 250 مترا مربعا وتتضمن 12 قفص اتهام موزعة على ثلاث طبقات (أربع في كل طبقة). مساحة كل قفص اتهام 12 مترا مربعا وقدرة استيعابه عشرة أشخاص وهو مجهز بنظام مراقبة ومكبر صوت وميكروفون وزجاج ضد الرصاص وضد الصوت. كما ان المسافة القصوى بين قوس المحكمة وأبعد قفص هي أكثر من 20 مترا مما يعني ان القضاة مضطرون لاستعمال الكاميرات والميكروفونات للتواصل مع بعض الموقوفين. مما يطرح السؤال بقوة المنطق: في غياب التواصل السمعي والبصري المباشر، لماذا لم يتم اعتماد آلية تواصل عن بعد (video conference)للمحاكمة بدلا من وضع هذه المبالغ في مشروع قليل الفعالية وكان يمكن الاستفادة منها من أجل حل مشكلة السوق بشكل نهائي بدلا من الإبقاء على المشكلة بما تتضمن من شوائب وعلامات استفهام (رشوة ومحسوبيات وتحكم الشاويش ومن وراءه، وغيرها).
كذلك من المعلوم ان ما يسمّى بـ"ملف الاسلاميين" الشائك، الذي استعمل كمبرر لبناء هذه القاعة يتضمن حوالى 170 موقوفا، أي ما يتجاوز قدرة استيعاب أقفاص الاتهام الاثني عشر بحسب المعلن عنه أعلاه.
وفي نفس الاتجاهين العملي واللوجستي، يمكننا التساؤل: ماذا عن زيارات الأهالي والمحامين والترخيص بالدخول الى السجن/القاعة المحكمة؟ ومن هي الجهة التي تقرر الاذن بالدخول، والتغطية الاعلامية؟ علما أن هذه كلها أمور تؤثر على مبدأ علانية جلسات المحاكمة التي أشرنا اليه أعلاه.
كذلك نسأل كيف سيتم نقل الموقوفين من السجون الأخرى الى هذه القاعة، ونحن حاليا نعاني من مشكلة كبيرة في عدم تأمين نقل السجناء وعدم حضورهم جلسات المحاكمة وتأخيرهم في الكثير من الحالات؟
سيما أن موضوع المناقلات بين السجون هو موضوع أمني بامتياز، وفي بعض الأحيان اجتماعي محسوبياتي وخدماتي وغير ذلك. وهي ظاهرة منتشرة في السجون اللبنانية وفي بعض الحالات مبكرة جدا أي قبل بدء التحقيق أحيانا. فكيف سيكون التنسيق في هذا الاطار؟ وهل سيتم، كما جرت العادة، تقديم الأمن على الحقوق الأساسية، خاصة تلك المتعلقة بالمحاكمة العادلة؟
كذلك تثار مشكلة انتقال الأشخاص الى رومية، وهي مشكلة حالية راهنة سوف تتفاقم حكما، خاصة في غياب التسهيلات الأساسية من نقل مشترك وغير ذلك. وكيف سيكون للمحامين حضور الجلسات الأخرى المقررة في قصور العدل في اليوم نفسه؟
كما أننا يمكن أن نواجه في المستقبل مشكلة أخرى تتعلق بكيفية تأمين سلامة انتقال القضاة والكتبة والمحامين والشهود والاهالي وغيرهم، فهل سنضطر الى اغلاق طرقات واتخاذ اجراءات كنا بغنى عن اللجوء اليها؟
ثالثاً: موضوع السوق واظهار هذه القاعة على انها الدواء الشافي لهذه المعضلة
بمناسبة افتتاح قاعة المحاكمة في سجن رومية بتاريخ 15-10-2012، الذي رعاه معالي وزير الداخلية وحضره معالي وزير العدل، صرح معالي وزير الداخلية مروان شربل في كلمته: "هذه القاعة سوف تسرّع الاجراءات القضائية لكل الموقوفين الاسلاميين". وأشار في هذا الاطار الى أن"من شأن هذه المحكمة أن تخفف كثيرا من الانزعاج وتعريض السجناء للخطر وستسرّع في المحاكمات"، موضحا أن"هذه المحكمة لم تنشأ فقط لمحاكمة الاسلاميين وإنما عندما نطورها سنشهد بفضلها عددا كبيرا من إخلاءات السبيل".
ان تصوير عملية بناء قاعة محاكمة في رومية بأنها كفيلة في تحسين واقع السجون اللبنانية تصوير غير منطقي وغير واقعي اذا ما درسنا الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل التي تبين أن عدد الاشخاص الذين تعذر سوقهم الى المحاكمات يتجاوز بكثير الموقوفين الاسلاميين أو ذوي الخصوصية الأمنية.
فبحسب التقارير المذكورة يتبين أن نسبة سوق الموجودين في السجون من عام 2011 لغاية 30-6-2012، تتوزع كالتالي: تم تنفيذ 21522 عملية سوق (76 بالمئة) في حين لم يتم تنفيذ 6615 عملية أخرى (24 بالمئة). أما أسباب عدم التنفيذ فهي:
  • نقص بالعديد والآليات (2300 حالة، ما نسبته 34.8 بالمئة)،
  • أسباب صحية (1560 حالة، ما نسبته 23.6 بالمئة)،
  • انعقاد جلسة أخرى (1085 حالة، ما نسبته 16.4 بالمئة)،
  • رفض السجين (792 حالة، ما نسبته 12 بالمئة)،
  • أسباب أمنية (370 حالة، ما نسبته 5.6 بالمئة)،
  • اسباب طبيعية (240 حالة، ما نسبته 3.6 بالمئة)،
  • تعذر من قبل المحكمة (188 حالة، ما نسبته 2.8 بالمئة)،
  • تشابه في الأسماء (65 حالة، ما نسبته 1 بالمئة)،
  • عدم استيعاب نظارة قصر العدل (15 حالة، ما نسبته 0.2 بالمئة).
المجموع 6615 حالة سوق لم يتم تنفيذها.
واذا سلمنا جدلا بصحة ما تقدم به معالي وزير الداخلية "أن فتح قاعة المحاكمات قد يسرع في بت مصير التوقيفات العالقة"، يبقى السؤال الأساسي دون اجابة: هل التعاطي العسكري مع السجناء الذي يقابله هذا التعاطي الميليشيوي من قبل السجناء، يمكن أن يتغير بهذا الإنجاز الجديد؟
كذلك يلفتنا غياب وجود معايير واضحة لاعتبار الموقوفين أصحاب خصوصية أمنية، الأمر الذي قد يبرر محاكمتهم في هذه القاعة. مع التأكيد على أن هذه الخصوصية هي واقع استثنائي لا يجوز التعامل معه على أنه واقع دائم وصحي يفرض نفسه ويجب التعامل معه على هذا الأساس (في بعض الحالات برقية السوق تتضمن عبارة "خصوصية أمنية" دون أي سند معياري علمي).
كذلك، في حال تم نقل أحد الموقوفين او مجموعة منهم، سوف نواجه نفس مشكلة السوق التي تقرر على أساسها بناء قاعة المحاكمة.
السؤال الذي نطرحه هنا بتعلق بصوابية الاستثمار في بناء قاعة محاكمة بدل الاستثمار في تأمين السوق الى المحاكم وتحسين ظروف المحاكمة وظروف السجن. هذا بالإضافة الى تخوفنا من اللجوء الى المحاكمة في سجن رومية بشكل نمطي وليس استثنائي كما يجب أن يكون الحال. وهل هناك دراسات أجريت حول كلفة تأمين السوق ومقارنتها بتكلفة بناء قاعة المحاكمة هذه، هنا تطرح مسألة الشفافية والمحاسبة؟
في الختام، نؤكدان ادخال المحاكم الى السجون، والذي هو في نهاية الأمر خيار السلطة القيّمة على تحقيق العدالة، له أبعاد ودلالات، خاصة فلسفية وحقوقية، جديرة بالوقوف عندها وطرح الاسئلة حولها ولنا الحق بالحصول على اجابات علمية وعملية.
كما أننا نشير في الختام الى أن وضع السجون في لبنان والذي هو سيئ جدا دفعنا على مضض الى اعلان مواقف ايجابية ازاء قرار الحكومة ببناء سجون اضافية (في الشمال والجنوب). ومن المستغرب أن تنطفئ حماسة الدولة في بناء هذه السجون وأن تتقدم عليها قرارات مكلفة وأقل أهمية مثل بناء قاعة محاكمة في سجن رومية حيث تظهر الدولة بكامل قواها، ربما الخارقة بالفعل، من أجل تنفيذ هذا القرار دون سواه.
*محام، عضو في جمعية عدل ورحمة
 
نُشر في العدد السابع من مجلة المفكرة القانونية