"التدخل في القضاء يقتل"...هذا الواقع ظهر بشكل مأساوي مع جريمة قتل جورج الريف. فالجاني طارق يتيم صاحب سوابق، إرتبط اسمه بإطلاق النار على بعض رواد حانة "البيت الأبيض"Maison Blanche  عام 2010 بمعية مدير مصرف الSociétéGénéraleالسيد أنطوان صحناوي. وقد طرحت مسألة التحقيق بشأنها أسئلة كبيرة حول مدى نزاهة وحيادية القرار القضائيّ حينه، ولا سيما لجهة حفظ الدعوى بحقه وبحق السيد صحناوي.
ووسط ذهول المجتمع اللبناني أمام فظاعة جريمة قتل جورج الريف المرتكبَة في وضح النهار في شارع الجمّيزة المأهول وامام كاميرات المراقبة والمارة دون أن تلقى الضحية أي عون، صوّب بعض الرأي العام أصابع الاتهام الى "القضاء". فكيف للمشتبه به الرئيسي في أحداث الMaison Blancheأن يخرج ويرتكب بعد سنوات جريمة جديدة بهذه الفظاعة؟ فباتت أزمة الثقة وكأنها مفتوحة مع القضاء، والشكوك تعتري البعض حول مسار القضية القضائي وما قد تؤول اليه التحقيقات هذه المرّة، مع ما يرافق ذلك من خطورة الدعوات الى استيفاء الحق بالذات اذ "لا يمكن انتظار شيء من القضاء".   

وأمام هذا الواقع، وصوناً للقضاء ووظيفته الاجتماعية ومنعاً لتحميل القضاة جميعاً أوزار البعض منهم، لا بدّ من العودة والعودة من جديد الى مسألة استقلالية القضاء المحورية، ووضع كل طرف أمام مسؤولياته.

فلا بدّ من طرح السؤال الآتي: كيف تحمي المنظومة القانونية اللبنانية استقلالية القضاء؟ وخصوصاً استقلالية القاضي الفردية؟ فحماية استقلالية القضاء لا تكون فقط بحماية استقلالية المؤسّسة القضائية عن باقي فروع السلطة (التنفيذية والتشريعية)، بكف يد السياسيين عن التعيينات والمناقلات القضائية مثلاً، أو عن تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى، بل بمنح القاضي أيضاً الضمانات لصون استقلاليته الفردية خلال ممارسته وظيفته كسلطة قضائية.
وأكثر تحديداً، كيف نُحصّن القضاة ذاتياً ونعطيهم وسائل لمقاومة أي تدخّل أو ضغط أو نفوذ خارجي يُمارس عليهم؟ وربما، بقيت أبعاد هذه الأسئلة التي طرحتها المفكرة القانونية مراراً وتكراراً صعبة الإدراك، لكن هذه الأبعاد تظهر اليوم جلية وواضحة بعدما أدى التدخل في القضاء الى إشعار شخص بالغ الخطورة أن بامكانه الإفلات من العقاب.. أن بإمكانه القتل من دون أي حساب.

وللإجابة على هذه الأسئلة، بالإمكان إطالة البحث حول ثقافة استقلالية القضاء وضمانات هذه الاستقلالية. وهذا أمر نبحثه في مكان آخر. ولكن ثمة أجوبة أربعة مباشرة لا مجال لإرجاء النظر بشأنها:

أولاً: جواب تشريعي في اتجاه تعزيز الحماية الدستورية والقانونية في لبنان ضد التدخّل في أعمال القضاء. والنقص في هذا المجال يظهر بوضوح عند ممقارنته بدول أخرى. ففيما يغيب أي تحديد أو توسيع لأي ضمانة ضد التدخلات الخارجية في الدستور اللبناني، يذهب الدستور المصري مثلاً خطوات الى الأمام في فعالية الحماية التي يمنحها للمبدأ. فالمادة 184 منه تنصّ على أن "التدخل في شؤون العدالة أو القضايا، جريمة لا تسقط بالتقادم".فالحماية ضد التدخل ذات قيمة دستورية في مصر، وهي حماية مزدوجة. فهنالك تجريم للتدخل من جهة، واشارة الى خطورته الاستثنائية بمنع مرور الزمن على هذه الجريمة من جهة أخرى.

والأمر ليس أحسن حالاً بكثير في القانون الجزائي اللبناني. فلا يوجد الاّ نص وحيد متدني السقف، ينطبق على التدخل "البسيط" في أعمال القضاء. فتعرّف المادة 419 عقوبات التدخل في شؤون القضاء كفعل استعطاف "قاضٍ كتابة أو مشافهة لمصلحة أحد المتداعين أو ضده"، وتعاقبه كمجرّد مخالفة بغرامة من عشرين ألف الى مئة ألف ليرة لبنانية. وعلى التدخل أن يقترن باستعمال التهديد ضد القاضي (382 عقوبات)، أو صرف النفوذ (357 عقوبات) الذي يستوجب "أخذ أو التماس أجر أو القبول بوعد"، أو اساءة استعمال الموظف العام للسلطة (371 عقوبات)، وكلّها صعبة الاثبات، كي يشكّل جنايةً أم جنحةً.

وعليه، فإن الجواب التشريعي الأهمّ في قضية الريف يؤول الى تعديل القانون الجزائي لتقوية التصنيف الجرمي للتدخل بجعله جنحةً أو جناية حسب الحالات، وربما باقرار عدم سريان مرور الزمن عليها.

ثانياً: جواب من النيابات العامة والقضاء: فاستحداث نصوص قانونية مناسبة يبقى غير كافٍ إن لم يقترن بملاحقة جدية، فعلية وسريعة لكل فعل قد يكوّن جريمة تدخل. فيجدر التذكير هنا بحادثة 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، حين رافق نائبان في البرلمان اللبناني مع مرافقيهم المسلحين مدعى عليه بجريمة قتل إلى قصر العدل في طرابلس ودخلا معه إلى جلسة الاستماع، التي ترأسها قاضي التحقيق، في ممارسة أقل ما يُقال عنها أنها تدخل فاضح وترهيب للقضاء، دون أن تتخذ أي سلطة معنية أي اجراء لملاحقة المسؤولين.

ثالثاً: جواب من هيئة التفتيش القضائي. فجريمة طارق يتيم الجديدة أعادت الى الأذهان جريمةالMaison Blanche. فكيف أمكن حفظ الدعوى بحق طارق يتيم؟ وما هي مسؤولية قضاة التحقيق في الملف؟ وهل سجل تدخل وضغط على القضاة في الملف؟ وان كانت التساؤلات تلك تبقى جميعها في خانة التكهنات، الاّ أن ظروف الجريمة وارتباطها بمموّل كبير وما آل اليه التحقيق حينها تشكّل جميعاً أسباباً مشروعة للمساءلة بشأنها. ومن الضروري اذا أن تبادر هيئة التفتيش القضائي إلى فتح تحقيق مع جميع قضاة التحقيق الذين تناوبوا على النظر في ملف الMaison Blanche، تمهيداً لتحديد مسؤولياتهم.

أما الجواب الرابع، فهو مطلوب من المنظمات الحقوقية والاعلامية، وفي طليعتها المفكرة القانونية، التي يتعين عليها التذكير في حالات مماثلة بخطورة تعميم المسؤولية على القضاة كافة. فالتعميم على هذا الوجه انما يؤدي عمليا الى تمييع مسؤوليات القضاة الذين ينسجمون مع التدخلات ويعملون بوحي منها وتالياً الى إراحتهم، فيما يؤدي بالمقابل الى إضعاف القضاء كمرجعية والقضاة، ومن بينهم من يتعرض لضغوط جمة من جراء مواقفه الرافضة لهكذا تدخلات.

الصورة منقولة عن موقع www.annahar.com