في 2008، ناشد الشاعر محمود درويش الشعوب العربية في ديوانه "على أثر الفراشة" قائلاً "سنصير شعباً، إن أَردنا، حين يؤذن للمغنّي أن يرتل آية من "سورة الرحمن" في حفل الزواج المختلطْ"[1]. القرار الصادر في 24-9-2012 عن قاضي الأمور المستعجلة أو ما يسمى ايضا بقاضي الحريات الاساسية يذهب للأسف في اتجاه معاكس، نحو مزيد من تقييد لحرية التعبيروخصوصا في المجال الديني في قضية فيلم "براءة المسلمين". وفيما من المؤكد أن فداحة الإساءة للدين الاسلامي في الفيلم المذكورأثرت على وجهة القاضي، الا أنه يخشى أن تمهدحيثيات قراره لقرارات أخرى مقيدة لحرية التعبير في مسائل أقل وضوحا. وهذا هو الدافع الأساسي الى هذا المقال النقدي.
 
وكان قاضي الأمور المستعجلة في بيروت قد أصدر قرارا قضى بوقف نشر الفيلم المذكور على شبكة الانترنت بناء على استدعاء تقدمت به المحامية مي الخنساء عرضت بموجبه اساءة الفيلم المذكور "للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام" وتسببه بـ"الفتنة والبلبلة والنعرات الطائفية" موجهة أصابع الاتهام الى "الادارة الأميركية والصهيونية". والبارز في هذا القرار تعليله المقتضب الذي يكتفي بالاشارة الى ما يعتبره "اساءة كبيرة وواضحة للمستدعية" لكي يأمر بتدبير خطير يمس بحرية التعبير دون تحديد علاقة المستدعية بالفيلم أو حتى ماهية عناصر هذه الإساءة ودون تقييد حالات تدخل قضاء الأمور المستعجلة لاتخاذ هكذا تدبير كما فعل نظيره الفرنسي الذي حرص في حالات مماثلة على اجراء موازنة دقيقة بين حرية التعبير وحرية المعتقد.
 
وأول سؤال يطرحه هذا القرار: لماذا اعتبر القاضي أن الفيلم المذكور يشكل إساءة لا بل إساءة كبيرة وواضحة للمستدعية؟ فمع الاتفاق على أن الفيلم يشكل إساءة للدين الاسلامي، لا بد من التذكير بأن المستدعية لم تصرح في استدعائها عن طائفتها أو انتمائها الديني، فكيف استنتج القاضي تعرضها للاساءة عينها؟ فهل هو افترض طائفتها افتراضا أم أنه اعتبر بكل بساطة أن الفرد اللبناني بطبيعته هو فرد طائفي ومؤمن بالطوائف السماوية وأن الجنسية اللبنانية تشكل قرينة غير قابلة للدحض لهذا الانتماء الحتمي بحيث يشكل أي تعرض لهذه الطوائف بالضرورة مسا أكيدا بكل فرد لبناني؟
 
وأبعد من ذلك، ولو سلمنا بهذه الفرضية، وبأن أي تعرض للأديان يشكل تعرضا لمشاعر الفرد اللبناني، لا بد من التشكيك في صفته بالادعاء اذ أن حماية أي مصلحة أو شعور جماعي تعود في التنظيم القضائي أولا الى النيابة العامة لكونها راعية المصلحة العامة وثانيا الى الأشخاص المفوضين بقوة القانون لتمثيل ورعاية هكذا مصالح جماعية ومن بينها المصالح الطائفية الممثلة في لبنان بالطوائف المتمتعة بالشخصية المعنوية بهدف الحفاظ عليها. ومن هذا المنطلق، يقود الاعتراف بصفة الفرد للادعاء منعا للتعرض للشعور الطائفي الى خلط مربك بين الفرد والطائفة ويقلب الطاولة فيظهر لنا لأول مرة الفرد كحارس للمصالح الجماعية، مما من شأنه طبعا أن يفتح صندوق باندورا فيتيح لكل من يحمل راية قضية يظنها أخلاقية بالادعاء على من يجرؤ ولو فكريا على انتقادها[2].
 
أما السؤال الثاني الذي تطرحه حيثيات هذا القرار: ما هي حدود حرية التعبير فيما يتعلق بالأفكار المسيئة الى الطوائف؟ هل يجب حظر كل ما من شأنه انتقاد المعتقدات الشخصية ولماذا التوقف عند الدينية منها؟ وفي هذه الحالة، ماذا يبقى من حرية التعبير المكرسة في المادة 13 من الدستور اللبناني؟ لا يشير القرار الى أي معيار اعتمده القاضي للموازنة ما بين حرية التعبير وحرية المعتقد حتى أنه لا يتضمن أي سرد أو وصف لمحتويات الفيلم التي اعتبرت مسيئة. وعلى خلاف القضاء الجزائي اللبناني الذي حرص في الحالات التي عرضت عليه بناء على اتهام بعض الفنانين والمفكرين بالإساءة الى الطوائف على مناقشة مدى اندماج هذه الأعمال الفنية في مدد حرية التعبير، لم يتطرق القرار مطلقاً الى هذه المسألة.
 
وبالطبع، حرية التعبير ليست مطلقة وتحدها حقوق وحريات أخرى من بينها حرية المعتقد التي تتضمن حق الفرد بأن يمارس معتقده الديني من دون التعرض للإهانة المجانية والافترائية. الا أن حماية الشعور الديني لا تعني مطلقا منع أي كان من التعبير عن معتقد مخالف لهذه العقائد. وهذا ما أكده القاضي الجزائي مرارا وتكرارا أولا في قضية مارسيل خليفة حيث اعتبر القضاء أن تجاوز القواعد الشرعية لا يشكل تحقير للدين وثانيا في قضية جوزيف حداد حيث أصر القاضي على حماية التعددية وخاصة الآراء العلمانية "ليس فقط كحرية فرديّة مشروعة بل كمجموعة أفكار وعقائد وإيمان تعتنقها مجموعة من الناس تمثّل شريحة من المجتمع اللبنانيّ" وعلى "وجوب إخضاع تفسير عبارتي تحقير الدين وإثارة النعرات الطائفيّة (أي ما يمثّل حدوداً لحرية التعبير) لمعايير التسامح وإلّا أدّت الى أغراض مناقضة تماماً لما ترمي اليه"[3].
 
ومن المعايير التي تم اعتمادها أيضا من قبل قاضي الأمور المستعجلة في فرنسا هو مدى فرض هذه الاساءة على المؤمن، ففرق بعض القضاة بين حالات الأعمال الفنية أو الاعلامية "الظاهرة للعيان" “endes lieux importants de passage public”فأمر بحظرها وتلك التي يتوجب على الفرد أن يقوم بفعل اضافي ليتعمد الاستحصال عليها أو مشاهدتها أو قراءتها والتي حافظ عليها[4].
 
بدلا من اعتماد مبدأ الرقابة المسبقة وحظر كل الأعمال التي يمكن أن تتضمن ما يتعرض للمعتقدات الغالبة في المجتمع تحت وطأة الشارع الذي قد يغضب لسبب أو لآخر، ثمة ضرورة في البحث عن معايير توازن بين حريتي المعتقد والتعبير أقله من أجل تجنب افراغ رفوف مكتباتنا وضبط أنفسنا.

 [1]قصيدة "ان اردنا" للشاعر محمود درويش المنشورة في ديوان "اثر الفرشة"، دار الريس 2007
 [2]وقد طرح الامر في فرنسا على اثر ادعاءات جمعيات خاصة من اجل حماية قضايا اخلاقية، ما قد حمل عددا من اساتذة الحقوق الى التنبيه من خطر ما سمي بـ"الاخلاقيين في قاعات المحاكمة" Les moralistes au prétoire, Mélanges Foyer, 1997, PUF)(Serge Guinchard,
وايضا" الاستاذ روجيه برو الذي نبه بخطر اعطاء "اول دون كيشوت يظهر على الساحة رضى ان يحلق لانقاذ الشرعية المهانة"
(Roger Perrot, Les moyens judiciaires et parajudiciaires de la protection des consommateurs, Gaz. Pal. 1976. 1, doctr. 237)
[3]نزار صاغية، "العلمنة في حمى القضاء"، الأخبار، 17-1-2008.
[4]Paris, 1re Ch. B, 26 octobre 1984 ; S.A. Greenwich Film Production et autres c. Association Saint Pie X et autres,JCP G 1985, II 20452, Theo Hassler ; Charles Choucroy, « Le Juge des référés et la religion », in Mél. Drai : Dalloz, 2000, p. 523