من تجليات الحراك، الأسلوب غير المألوف الذي انتهجه محامو الحراك للدفاع عن المتظاهرين أمام المحكمة العسكرية. فدفاعهم تميّز ليس فقط في شكله (اللجوء المكثف إلى الإعلام) إنما أيضا في مضمونه (الطعن في صلاحية المحكمة العسكرية في محاكمة المدنيين وفي ارتباط القضاء بالمراجع السياسية). وهذا الأسلوب الذي يرجّح أن يستمرّ في جلسات محاكمة المتظاهرين المدعى عليهم أمام هذه المحكمة، يشكل أحد أشكال دفاع الرفض defense de rupture، أي الدفاع الذي يجعل المحاكمة مناسبةً للطعن بمشروعية القاضي نفسه وبمثابة "مكبّر للصوت" للإحتكام إلى الرأي العام.

وردّاً على هذا الأسلوب، اختار قاضي التحقيق العسكري التعبير عن سخطه في متن القرارات الظنيّة الصادرة عنه في 12-11-2015. ففي موقف مفاجئ، خصّص القاضي فقرة كاملة لانتقاد تصرّفات بعض المحامين "غير المسبوقة" وبشكل خاصّ لجوئهم إلى الترافع أمام وسائل الإعلام، وقد ضمّنها كمّاً كبيراً من عبارات الإدانة والإزدراء. وقد وصل به السّخط إلى حدّ القول بأن تصرّفات هؤلاء لا تمتّ بصلة لا إلى المحاماة ولا إلى القضاء وأنها تسيئ إلى مهنة المحاماة والقضاء.. و"الحراك". لا بل أن سعي القاضي إلى ذمّهم ذهب إلى حدّ اتّهامهم بالتدافع للتصريح أمام وسائل الإعلام، وإلى الإساءة إلى الحراك نفسه. وهذا القرار إنما يشكّل إعترافاً ليس فقط بجدّة أسلوب المحامين، إنما أيضاً بمدى خطورته على اعتبار أنّ القاضي وجد نفسه مرغماً على الخروج عن الأصول التي تحكم عمله، لإطلاق العنان لكلّ ما يمكنه من اتهامات ضد هؤلاء. فبدا القرار الظنّي الصادر بحق المتظاهرين بمثابة قرار ظنّي بحقّ المحامين الذين تطوّعوا للدفاع عنهم. ولا يختلف إثنان على أن القاضي تعدّى بذلك حدود وظيفته بشكل غير مسبوق مستخدماً سلطته لإصدار أحكام على أمور تخرج عن صلاحياته (كاتهام المحامين بتجاوز أصول المهنة) أو هي محض أخلاقية أو حتى سياسية (كاتهام المحامين بالإساءة إلى الحراك). وما يزيد الأمر قابلية للنقد هو أن القاضي لم يتناول قطّ تصرّفات المحامين الحاضرين مع المتظاهرين في جلسات التحقيق، إنما فقط تصرفاتهم خارج المحكمة. بل أن حماسه حمله إلى التهجّم على محامين لم يتكلّفوا أصلاً في الدفاع عن المتظاهرين موضوع الملاحقة ولم يحضروا أمامه في أي من القضايا المطروحة أمامه.
وبذلك، يكتسب "دفاع الرفض" أو "دفاع المواجهة" أبعاداً مثيرة للإهتمام. فنحن لسنا فقط أمام محامٍ خرج عن دوره التقليدي ليطعن في مشروعية

المحكمة، إنما أيضاً أمام قاضٍ لم يجد حرجاً في تجاوز صلاحياته لردع أي تعرّض لسلطته. وبالطبع، من الخطأ النظر إلى هذه المواجهة على أنها بين محامٍ (أو محامين) بعينه(م) وقاضٍ بعينه وإن بدَتْ كذلك. فبمعزل عن الأخطاء التي قد يكون المحامون قد ارتكبوها في أي من تصريحاتهم (وهي أمور طبيعية عند نشوء تجارب جديدة)، فإن أثرها الأهم يكمن في خوض تجربة من شأنها تعزيز أساليب دفاعهم أمام محاكم غير عادلة بطبيعتها أو في مسارات يغلب عليها التدخّل. بالمقابل، وبمعزل عن حقيقة مقاصده، انتهى قرار القاضي إلى تعزيز منظومة قمعية غالباً ما سعت إلى إسكات المحامين بهدف إبقاء المنظومة القضائية، بما فيها من مظالم وتدخلات، على حالها وبمنأى عن أي تفاعل إجتماعي. 
ويصادف أن يصدر هذا القرار قبل أيام من انتخابات نقابة المحامين في بيروت: فلمَ ينتصر هؤلاء؟