مؤخرا، تداول الاعلام بشأن قضية تم فيها احتجاز مواطن، على خلفية تصريحاته على شبكة الفايسبوك. هذه التصريحات تناولت بشكل خاص المديرية العامة للأمن العام. وتمثلت في اتهامات مباشرة وصلت الى حد اتهامها بالقتل والتزوير وتهريب الأسلحة. وتبعا لهذه التصريحات، تم توقيف المدعو بقرار من النيابة العامة الاستئنافية في الشمال واحالته أمام القاضي المنفرد الجزائي في زغرتا مارسيل باسيل، حيث محل اقامته. وواللافت أن الادعاء تناول ليس فقط القدح والذم والتحقير، انما اثارة النعرات الطائفية. وبعد الاستماع الى المواطن المذكور، أصدر القاضي الجزائي في 6-10-2015 قراراً ضمنه حيثيتين بالغتي الأهمية.  
الأولى، حيثية جاءت بمثابة نقد بليغ للتوسّع في استخدام مفهوم إثارة النعرات الطائفية. فقد جاء فيها أنه لا يمكن اعتبار التعرض لمديرية عامة "تعرضاً لطائفة معينة ... إنما تعرضاً  لإدارة عامة وطنية. والقزل بعكس ذلك يعني إقراراً ضمنياً بأن مديرية الأمن العام تتماهى مع شخص مديرها وطائفته، الأمر غير الصحيح وغير المقبول". وقد جاءت الحيثية قاطعة، فلا يجوز وضع أي ادارة عامة في خانة أي من الطوائف، بمعزل عن الأعراف السائدة والتي تؤدي الى تعيين قيادات هذه الادارة من طائفة معينة. وهذه الحيثية انما تدحض بالواقع الكثير من الادعاءات التي يرفعها هذا المسؤول السياسي أو ذاك ساعيا فيها الى اختزال طائفته بشخصه تمهيدا لإدراج أي انتقاد له في خانة اثارة النعرات الطائفية. وآخر هذه الحالات هو ما صدر عن رئيس المجلس النيابي الذي رد على متظاهر (صلاح نور الدين) اتهمه بالفساد والاجرام، باثارة النعرات الطائفية. وقد انتهى القرار تبعاً لهذه الحيثية الى ابطال التعقبات بحق المدعى عليه.  
الثانية، حيثية أدّت إلى توسيع هامش حرية التعبير في نقد الادارات العامة. فرغم أن القاضي انتهى إلى إدانة المدعى عليه بعد التثبت من اكتمال عناصر التعرّض لاعتبار الإدارة العامة باتهامات غير مثبتة، فإن حكمه فتح بابا هاما لتطوير الاجتهاد في هذا المجال. وقد تجلى ذلك بشكل خاصّ في الحيثية الآيلة الى تبرير منح المدعى عليه أسباباً تخفيفية. فهذه "الانتقادات مهما بلغت قسوتها وعدم صحتها، ليس من شأنها التأثير فيهم بشكل خطير، بسبب قدراتهم الكبيرة في الدفاع عن أنفسهم بوجه افتراءات مواطن ليس في موقع سلطة ولا يملك سوى حاسوبه وحسابه على أحد مواقع التواصل الاجتماعي". وبذلك، انتهى الحكم إلى تخفيض العقوبة الى غرامة قدرها ثلاثمائة ألف ليرة لبنانية. يؤمل أن يبني الإجتهاد على هذه الحيثية لتحقيق خطوة إضافية إلى الأمام.
 
نشر في العدد 33 من مجلة المفكرة القانونية